أين القوى .. هل ضاعت البوصلة؟ – مقداد العرادي

muqdad al aradi

أين القوى .. هل ضاعت البوصلة؟ –  مقداد العرادي

غادرت مجموعة سياسية من “مكون” عراقي الى مؤتمر إسطنبول. وتخلفت مجموعة من ذات”المكون” عن الذهاب. تراطمت الأراء حول ماهية الذهاب بين الطرفين. ذهبت مجموعة اخرى الى طهران لتتدخل وتضغط على أطراف الحكومة العراقية من أجل إعادة ” المكون” الى مناطق سكناه. ضغوط من حكومتي الأردن وتركيا على أطراف سياسية، وإجتماعية، عراقية. ضغوط إمريكية على جميع “المكونات” من أجل إيجاد تفاهمات بين الأطراف، وقد تكون لها رؤية مختلفة، أو بديلة. للسعودية والكويت أطراف يمكن أن تضغط عليها من مكونات العراق. ولدول الخليج الأخر أطراف أيضاً. بريطانيا لها أياد خفية، وناعمة، في أماكن مختلفة، قد تصل الى قمة هرم السلطة. وهناك من يعتبر إن ليس لأي طرف سياسي أن يتخذ موقفاً واضحاً إلا بعد زيارة ميمونة الى طهران. وقد تكون هناك دول أخرى تؤدي دوراً قل تأثيره أو زاد في التأثير على أروقة تنفيذ القرار. هذا هو مجمل علاقة العراق بمحيطه الإقليمي والدولي، وهذا ما أوجدته القوى السياسية التقليدية، مزيج من التأثيرات الخارجية، على المجريات، والشأن الداخلي للعراق.

التحالف الوطني. وتحالف القوى. والتحالف الكردستاني. ثلاثة مجاميع تعمل على قيادة العملية السياسية في العراق منذ عام 2003.  وقد تكون عناصر أخرى، تراوح، لا تأثير مؤثر لها موجودة، أيضاً. وهذه المجاميع ليس بمقدورها أن تتصرف دون أن “تتشاور” ، على أحسن تقدير، مع الأطراف الإقليمية، والدولية، من أجل أن تتمكن من بلورة موقف معين، ليكون لها بعد ذلك موقف شبه وطني. هذا على فرض إن تلك المجاميع موحدة في العمل من أجل مصالحها، قبل أي صالح آخر للبلاد. قد يكون هذا الأمر، بالنسبة لها، صحيحاً، ومتماسكاً، حتى ولو ظاهرياً، في الإنتخابات الثلاث السابقة، التي جرت. غير إن المشهد السياسي الآن ليس كما كان. الموقف الآن متشرذم للقوى التقليدية، آنفة الذكر. فالتحالف الوطني منقسم تماماً، وأجزاءه الثلاث حزب الدعوة، والتيار الصدري، والمجلس الأعلى الإسلامي، ليس لهم جامع، إلا أنهم، ظاهراً، من “مكون” واحد، هو “المكون الشيعي”. والحزب الديمقراطي الكردستاني، والإتحاد الكردستاني، والتغيير ” كوران”، لا جامع لهم، أيضاً، سوى إنهم كرد، والتناحر على أشده، في العلن، وفِي الخفاء، بين أربيل والسليمانية. والحزب الإسلامي، والجماعات الاسلامية، والإجتماعية، السنية هي الأخرى، لا يحسد وضعها، ولا جامع لها، سوى أنها من “مكون سني” واحد.

إذن، إذا ما كان التدخل الخارجي على أشده. والتمزق الداخلي، بين القوى السياسية،على أشده هو الأخر. فهل أن هذه القوى بشكلها الحالي، وبأدائها المتهالك، يضمن، إنها قادرة على أن تخوض الإنتخابات المقبلة، لكي تقدم شيئاً يمكن القبول به.  نفترض، هنا، أن الإنتخابات التي ستجري، هي إنتخابات حقيقية، ونزيهة، وشفافة. ولو إن التصريحات التي تطلقها الأطراف المعنية، وأقصد القوى التقليدية، لا تنم عن ذلك. فهي متشنجة، ومتوترة، ودائرة الإتهامات متجاذبة، والتخوين على أشده. وأمام وضع كهذا، فأن دائرة الإستئساد، على الشعب، وقواه الناعمة، بأطراف خارجية ستكون على أشدها. مما يجعل أي فرصة للتغيير غير واردة على الإطلاق، في ظل نفس الإساليب، وذات الأدوات. إن جمهور الشارع، الطامح الى التغيير، إذا لم يطرح بديلاً منظماً، فأنه سيضيع حتماً بوصلته، أمام مهاترات قوى أثبتت عجزها.

وإن ما سوف تنتجه الإنتخابات القادمة لأشد سوداوية لمستقبل العراق من سابقاتها، في ظل متغيرات على الأرض معروفة. فالقوى السياسية التي كانت متوحدة، بأي شكل من الأشكال، ما كانت أن تضع العراق في مساره الصحيح، عبر تجربة غير ناجحة، بكل المقاييس، لفترة تقارب خمسة عشر عاماً، فهل من المتوقع أن تقدم بديلاً أخراً وهي ممزقة. إن على القوى الوطنية، والليبرالية، والديمقراطية، “القوى العلمانية”، والدينية المعتدلة، أن تتلقف الفرصة، وأن توحد خطابها، وتشد من عزمها بقوة، وأن تقدم برنامجها الواضح، الوطني، النزيه، والمقبول شعبياً، وأن تدخل الصراع بقدرة، وبحزم، من أجل إنتزاع حقها، وإنتشال السلطة من حالة التخبط، واللادولة، التي أوجدتها الأحزاب، والجماعات التقليدية، لتختط نهجاً، جديداً، ناجحاً، ولتضع البلاد في مصاف البلدان التي تشابه وضع العراق، على الأقل، ويكفي ضياع بوصلة البلاد، عقد ونصف من الزمن.