أولئك المشردون- رويدة ابراهيم

رويدة ابراهيم

‮ ‬أولئك‮ ‬‭ ‬المشردون‭ ……‬خلف‭ ‬وجه‭ ‬بلال‭ ‬،‭ ‬ظلال‭ ‬وجه‭ ‬اخر‭ ‬تطالعك‭ ‬ماان‭ ‬تقترب‭ ‬منه‮ ‬‭ …‬قسمات‭ ‬حزن‭ ‬تشدك‭ ‬اليه‭ ..‬انه‭ ‬قدره‭ ‬المحتوم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يُؤخذ‮ ‬‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬وجهة‭ ‬نظره‭ ‬فيها‭..‬قد‭ ‬يمتلك‭ ‬تلك‭ ‬البراءة‭ ‬الموجودة‭ ‬لدى‭ ‬الأطفال‭ ‬ولكنه‭ ‬فقد‭ ‬الجزء‭ ‬الاكبر‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬قارعة‭ ‬الطريق‭ ..‬‮ ‬‭ ‬على‭ ‬الارصفة‭ …‬فقد‭ ‬علّمه‭ ‬برد‭ ‬الشتاء‭ ‬كيف‭ ‬يكون‭ ‬باردا‮ ‬‭ ‬حتى‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬حرارة‭ ‬جسده‭ ‬وعرق‭ ‬الصيف‭ ‬متى‭ ‬يلجأ‭ ‬الى‭ ‬الظل‭ .. ‬يلقي‭ ‬بجسده‭ ‬فوق‭ ‬زجاج‭ ‬السيارات‭ ‬حاملا‭ ‬عدته‭ ‬،الفرشاة وعبوة‭ ‬الماء،‭ ‬انه‭ ‬يستجدي‭ ‬قوت‭ ‬يومه‭ ‬،والحنان‭ ‬المفقود‭ ‬في‭ ‬احضان‭ ‬جدته‭ ‬شبه‭ ‬الضريرة‭ .‬

في‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬لكل‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬حكاية‭ ‬أشبه‭ ‬بحكاية‭ ‬بلال‭ ..‬عن‭ ‬أسرة‭ ‬ممزقة أو‭ ‬يُتم‭ ‬اجباري،لتقف‭ ‬لحظة‭ ‬استهزاء‭ ‬بكل‭ ‬القوانين‭ ‬الارضيّة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تقدر‭ ‬ان‭ ‬تحميهم‮ ‬‭ ‬او‭ ‬تمنحهم‮ ‬‭ ‬حق‭ ‬البقاء‮ ‬‭ ‬كرماء‭…‬ان‭ ‬الحياة‭ ‬تسكبهم‭ ‬كاس‭ ‬الذل‭ ‬والشارع‭ ‬يستدرجهم‭ ‬لانه‭ ‬المأوى‭ ‬والملاذ‭ ‬،لتقف‭ ‬الحياة‭ ‬عاجزة‮ ‬‭ ..‬ويكون‭ ‬هؤلاء‭ ‬ضحايا‭ ‬لكل‭ ‬انواع‭ ‬التعذيب‭ ‬وقد‭ ‬يذهب‭ ‬الامر‭ ‬بعيدا‭ ‬في‭ ‬استغلالهم‭ ‬فيحملون‭ ‬السلاح‭ …‬فتجده‭ ‬يرفع‭ ‬السلاح‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬يرفع‭ ‬قلمه‭ ‬عاليا‭ .‬وفي‭ ‬مكان‭ ‬قريب‭ ‬ليس‭ ‬بالبعيد‭ ‬عن‭ ‬أسفلت‭ ‬الشارع‭ ‬الذي‭ ‬يسحق‭ ‬طفولة‭ ‬بلال‭ …‬مرتع‭ ‬للنفايات‭ ‬يجمع‭ ‬فيها‭ ‬احمد‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬الستة‭ ‬أعوام‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬طفولته‮ ‬‭ ‬عبوات‭ ‬الماء‮ ‬‭ ‬والزجاجات‭ ‬الفارغة‭ ‬ليعود‭ ‬عند‭ ‬سقوط‭ ‬الشمس‭ ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬زوالها‭ ‬ببضع‭ ‬دنانير‮ ‬‭ ‬الى‮ ‬‭ ‬احضان‭ ‬أسرة‭ ‬أوجعها‭ ‬سياط‭ ‬الجوع‮ ‬‭ ‬ليقدم‭ ‬ماجمعه‭ ‬بيد‭ ‬زوج‭ ‬أمه‭ .. ‬ولاتختلف‭ ‬قصة‭ ‬كتبة‭ ‬عن‭ ‬بلال‭ ‬واحمد‭ ‬فهي‭ ‬الاخرى‭ ‬تحمل‭ ‬المناديل‭ ‬الورقية‮ ‬‭ ‬وتفترش‭ ‬الرصيف‭ ‬مع‭ ‬اخيها‭ ‬الصغير‭ ‬‮ ‬‭ ‬التي‭ ‬اجحفت‭ ‬عليها‭ ‬موت‭ ‬امها‭ ‬بأن‭ ‬تعتني‭ ‬بأخيها‭ ‬الصغير‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬الثالثة‭ ‬من‭ ‬عمره‭ ‬،فقد‭ ‬تخلى‭ ‬عنها‭ ‬الاقارب‭ ‬والاهل‭ ‬تسكن‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬المجاورة‭ ‬،بعد‭ ‬ان‭ ‬تهدم‭ ‬منزلها‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الايمن‭ ‬للموصل‭ ‬،‭ ‬اثر‭ ‬القصف‭ ‬وفقدت‭ ‬اسرتها‭ ‬بالكامل‮ ‬،‭ ‬و‭ ‬بقيت‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬معيل‭ ‬تسكن‭ ‬مع‭ ‬أسرة‭ ‬اخرى‭ . ‬وتجد‭ ‬رأسها‭ ‬يتأرجح‭ ‬قبل‭ ‬المغيب‭ ‬في‭ ‬سِنة‭ ‬من‭ ‬النوم‭ ‬على‭ ‬الرصيف‭ ‬الصلب‭ ‬،انها‭ ‬تبكي‮ ‬‭ ‬في‭ ‬أية‭ ‬لحظة‭ ‬بسرعة‭ ‬،لإحساسها‭ ‬بالبؤس‭ ‬والمسوؤلية‭ ‬الملقاة‭ ‬على‭ ‬عاتقها‭ ….‬كثيرة‭ ‬قصص‭ ‬هؤلاء‭ ‬الصغار‭ ‬وهم‮ ‬‭ ‬في‭ ‬حضيض‭ ‬العيش‭ ‬وكِسف‭ ‬الحال‭ ‬،‭ ‬وهكذاتمضي‭ ‬سنوات‭ ‬هؤلاء‭ ‬البراعم‭ ‬وكانهم‭ ‬ولدوا‭ ‬في‭ ‬عتمة‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬لفظهم‭ ‬وانكرهم‭ ..‬لتنبري‭ ‬منظمات‭ ‬حقوق‭ ‬الطفل‭ ‬والطفولة‭ ‬لتحتفل‭ ‬بيوم‭ ‬الطفل‭ ‬العالمي‭ ‬ويُسقط‭ ‬الضوء‮ ‬‭ ‬على‭ ‬صورهم‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬يراهم‭ ‬ويدخل‭ ‬في‭ ‬تفاصيلهم‭ ‬الصغيرة‭ ‬ليلتقط‭ ‬صورا‭ ‬لبؤسهم‭ ‬فقط‮ ‬‭ .‬

ومن‭ ‬المصادفات‭ ‬الجميلة،‮ ‬‭ ‬انه‭ ‬حين‭ ‬رأيت‭ ‬احدى‭ ‬القنوات‭ ‬الإعلامية‭ ‬تقف‭ ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬بلال‭ ‬وتصورَ‭ ‬حياته‭ ‬البائسة‭ ‬لتجعل‭ ‬من‭ ‬أوجاعه‭ ‬مادة‭ ‬إعلامية‮ ‬‭ ..‬كان‭ ‬بلال‭ ‬مرتبكاً‭ ‬كحال‭ ‬اي‭ ‬طفل‭ ‬يقف‭ ‬أمام‭ ‬الكاميرا‮ ‬‭ ‬اقتربت‭ ‬منه‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬مضت‭ ‬أجهزة‭ ‬التصوير‭ ‬بعيداً‭ ‬عنه‭ ‬،سألته‭ :‬ماذا‭ ‬سألوك‭ ‬؟‭ ‬قال‭ ‬في‭ ‬ارتباك‮ ‬‭: ‬لديهم‭ ‬أسئلة‭ ‬كثيرة‭ .‬

ولكنه‭ ‬تغلب‭ ‬على‭ ‬ارتباكه‭ ‬بضحكة‭ ‬عفوية‭ ‬،وهو‭ ‬يتلمس‭ ‬المعطف‭ ‬الذي‭ ‬قدموه‭ ‬له‭ ‬كهدية انه‭ ‬دافئ‮ ‬‭ ‬جدا‮ ‬‭.‬

تركت‭ ‬بلال‭ ‬وهو‭ ‬سعيد‭ ‬بيوم‭ ‬الطفل‭ ‬العالمي‭ ‬وقد‭ ‬خرج‭ ‬بهدية‭ ‬صغيرة‭ ‬تقيه‭ ‬برد‭ ‬يومه‮ ‬،تساءلت‭ :‬هل‭ ‬يكفي‭ ‬أولئك‭ ‬الأطفال‭ ‬معطف‭ ‬او‭ ‬بالونات‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬او‭ ‬بوسترات‮ ‬

‭ ‬في‭ ‬صفحات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي؟؟‭ ‬سؤالي‭ ‬كان‭ ‬مقيدا‭ ‬بإجابة‭ ‬واحدة‮ ‬‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حلول‭ ‬،كأن‭ ‬الانسانية‭ ‬أسقطت‭ ‬الفرض‭ ‬عنها‮ ‬‭ ‬بتلك‭ ‬الشعارات‭ ‬التي‭ ‬لاجدوى‭ ‬منها‮ ‬‭ .‬