أوصياء وقاصرون – جليل وادي

jalil wadi

كلام أبيض

 أوصياء وقاصرون – جليل وادي

مع ان للثقافة مفاهيم عديدة ، لكن السائد من المفاهيم ، ذلك الذي يذهب الى ان الثقافة تعني التحضر ،وان المثقفين هم الطبقة الأكثر وعيا وادراكا ومعرفة بشؤون الحياة ، وان وجهات نظرهم تعد متقدمة قياسا الى ما تتبناه الطبقات الاجتماعية الاخرى ، ولذلك ظل المثقفون محل تقدير المجتمع ومرجعيته التي يستند اليها في تفسير الغامض من الامور ، وحل الشائك من المشكلات ، والميزان الفاصل عند احتدام الجدل ، ولكن ما حدود انطباق هذا المفهوم على الجماعات المتعددة التي تشكل الطبقة المثقفة العراقية ، وتلك التي تظن انها تنتمي لهذه الطبقة كما هو حال الطبقتين السياسية والدينية وغيرهما؟ ويثير ذلك السؤال المتعلق بالمعيار الذي يفترض اعتماده في تصنيف الأفراد ثقافيا ، كنت قد طرحت هذه الأفكار في احدى الفعاليات التي نظمها أحد فروع الاتحاد العام للادباء والكتاب العراقيين ، ووصلت الى نتيجة مفادها تخلف نسبة كبيرة من الطبقة التي عدت بنظر المجتمع طبقة مثقفة ، وهذا ما أثار الجمهور الذي حضر الفعالية ، وكانت قناعاتي ترى في (الاستنارة والمعاصرة) معيارين يجب ان تقاس بهما المنظومة القيمية التي يتبناها الأفراد ، ذلك انهما تنتميان للمستقبل ،وتبحثان عما يدعمه من مشرق الماضي ، والمستقبل يشكل هدفا أسمى تشتغل لأجله وكالات التنشئة الاجتماعية في العالم المتقدم ، فما قيمة خزائن الكلام الذي لا يؤمن بحرية المرأة وقضاياها المعاصرة ، والتي لا تنظر اليها بوصفها انسانا ، ولا تعمل على انتشالها من مستنقع آسن وقعت فيه ؟ تقول الكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار من الطبيعي ان تكون المرأة متخلفة لأنها تحمل تاريخا طويلا من المأساة ، وما الذي تعنيه آلاف المجلدات التي تزدحم بها رفوف المكتبات الذي يضعها بعض رجال الدين والسياسة خلف ظهورهم ، بينما يعبئون أنصارهم على اتلاف واغلاق محال بيع الدمى بمناسبة عيد الحب او رأس السنة ، لماذا تنّصب هذه الطبقة نفسها وصية على المجتمع وتظن ان أفراده قاصرون . ذكرني هذا الحديث بالتراشق الكلامي الذي جرى بين السيدة ميسون الدملوجي والسيد نصيف الخطابي رئيس مجلس محافظة كربلاء الذي وصف مشاركة الدملوجي بمهرجان (خان النخلة) وهي سافرة بـ ( الانتهاك الصارخ ) لقدسية المدينة، وهو كلام يشي بانغلاق ثقافته على مكوناتها ، وتعميم اتجاهاتها ومواقفها على ثقافة الاخرين، قد نتفهم كلامه لو كان ذلك مقتصرا على دخول مراقد الائمة الأطهار الذين يحظون بقدسية جميع العراقيين على اختلاف ألوانهم ، ولكن ان يشمل محظوره جميع أرجاء المدينة ، فذلك يثير الاستغراب، بل ويدفعنا للتساؤل عما سيفعله لو راجت الحركة السياحية في البلاد ، ، فهل سيمنع دخول السياح الاوربيين الراغبين بالاطلاع على المدينة ومراقدها، ام سيفرض عليهم ارتداء ما يرغب به من ملابس عند نزولهم في مطار كربلاء المقرر انشاؤه في السنوات المقبلة. بالمقابل انتقت الدملوجي احدى قيم المنظومة التي يدافع عنها رئيس المجلس بتأكيدها على نظافة المدينة المقدسة وكأنها تريد الاشارة الى الحديث النبوي الشريف ( تنظفوا فان الاسلام نظيف ) .

وما ينطبق على مسألة الحجاب في كربلاء ينطبق على الانتهاكات التي تعرضت لها محال بيع الآلات الموسيقية في البصرة ، وهذه مسألة عويصة ايضا ، فرئيس المجلس عبر عن رفضه لهذه الفعلة ووعد بالتصدي لها ، ولكنه يدرك تماما ان القوى والتيارات الدينية المهيمنة على المدينة لا ترغب بهذه المظاهر انطلاقا من توجهاتها الدينية المعروفة ، ويكشف هذا تقاطعا حادا بين ما تريده الدولة على وفق الدستور الذي كفل الحريات العامة والخاصة وما تريده هذه القوى ، مع ان جميعها وافقت عليه ، وحثت أنصارها على التصويت بـ (نعم ) لصالحه ، هل كانت لا تدري بفحواه ام انها غير مؤمنة به ، هل ستنجح في قمع الشباب عن ممارسة ما هو مشروع في كل الدنيا ؟ متيقن تماما انها ستفشل فشلا ذريعا ، وستعض أصابع الندم مستقبلا على سلوكها ، أين كل هذا من الثقافة المستنيرة والمعاصرة ؟ .