قصة قصيرة
أم الشهداء
الجميع يعرف ام فراس بائعة الخضار ويحبون الشراء منها لحلاوة لسانها وتساهلها مع الجميع وتتركهم يأخذون من الخضار ما يريدون حسب رغباتهم.. انها قاربت العقد الخامس من العمر.. كما تعود الجميع على ملاطفتها خفيفة الظل وانتقاداتها اللاذعة التي يحبها الجميع وكانت اذا سمعت دعاء لها ولاولادها تقول: ان هذا ما يكفيني في الدنيا..
وكان لأم فراس ثلاثة اولاد وكلهم يعملون سواق سيارات (كوستر) وكان احدهم عسكريا ما ان ينزل من وحدته مجازا حتى سارع للعمل مع اخوته بالسيارة التي يملكونها.. وكانت العائلة تعيش بأمن وسلام وكل يوم يجتمعون على العشاء وهم يتحدثون عما صادفهم في يومهم من مفارقات او احداث.. ولا تخلو اجتماعاتهم تلك من المزاح بين الاخوة او مع الأم احيانا.. وكانت العائلة تخطط لزواج احدهم.. وسارع الاخوة الثلاثة لنقل زوار الامام الكاظم (ع) من ساحة اللقاء الى اماكن سكناهم.. ولم يكن احدهم يدري ان هذه الليلة هي ليلة وداع الدنيا وما فيها من حلاوة ومرارة.. ومع ان كل واحد منهم كانت له احلامه وتطلعاته.. الا ان القدر كان لهم بالمرصاد.. عندما فجر احد الارهابيين نفسه بين السواق وهم مجتمعين لملء سياراتهم بالزوار.. وتلاشت تلك الاجساد الطرية هنا وهناك وهي ملطخة بالدماء وقد تمزقت اجسادهم بذلك الحزام الناسف واستشهد فراس واخوه علي ونقل الاخ الثالث الى المستشفى وهو في حالة خطرة لاصابته بشظايا اصابت منه كل الجسد.. ولم يكن يعرف ان اخويه فارقا الحياة.. شهيدين مثواهم الجنة ذهبوا ليشكون للباري عز وجل ظلم الارهاب ومن يقف وراءه..
وام فراس.. يصلها الخبر.. ان اولادها قد اصيبوا بالانفجار.. فذهبت الى مكان الحادث وكان قريبا منها.. فاخذت تلف وتدور حول جثث اولادها وهي تبكي وتصرخ.. وتلطخ راسها بدمائهم وتنادي عليهم باسمائهم.. وتقبل هذا ثم ذاك كانت كالمجنونة ومع كل ذلك لم تنسى ذكر الله.. فكانت تردد حسبي الله ونعم الوكيل.. حسبي الله ونعم الوكيل.. حتى جاء من يبعدها عن هذا المكان وبالقوة ونقل الشهداء الى المستشفى..
وحزن الجميع لحزن ام فراس وشاطروها احزانها ووقفوا معهم لستة ايام التي امتدت فيها مراسيم العزاء.. ووقف البعض منهم مع الاخ الثالث في المستشفى حتى اجراء العمليات اللازمة له.. وكتبت له النجاة وتماثل للشفاء.. وتم اخراجه من المستشفى بعد ايام.. كانت ام فراس مؤمنة صابرة.. وتقول لمن يواسيها: ان هذا قدرهم هم ليس افضل من غيرهم.. ومرت الايام وام فراس تتألم بصمت لفراق فلذات كبدها.. بعد ان ماتت تلك الضحكات التي كانت تملأ البيت عند المساء..
وعندما مرت الاحداث الاخيرة في البلاد ودخول المجموعات المسلحة الى الشمال.. تحركت ام فراس لتقف امام مقهى الطرف عند المساء عندما كانت مكتظة بروادها من الرجال والشباب وابنها الثالث معها وقد استطاع السير على قدميه لتخطب بالجميع قائلة: ها يا ولادي ها.. هذا اليوم يومكم.. اريدكم تدافعون عن وطنكم وتتطوعون وتأخذون ثار فراس وعلاوي وكل الشهداء.. وينكم انتم اهل الغيرة والشرف.. بعد شتنتظرون.. يدخلون علينه للبيوت..
والتف حولها الرجال والشباب وهم يؤيدون اقوالها ويهتفون بانهم سيوف تقطع داء الارهاب.. وسارت بهم حتى وصلت الى مجلس العشائر واهل المدينة كلهم وراءها ليعلنوا من هناك تطوعهم للقتال ولنصرة جيشهم ولحماية ارضهم وشرفهم.. هذه هي واحدة من قصص امهاتنا العراقيات النجيبات.. التي تقدم اولادها قربانا لتراب هذا الوطن..
فالف تحية للأم العراقية البطلة. والف تحية لكل زوجة نبيلة تدفع بزوجها الى ساحات العزة والكرامة.. ومن نصر الى نصر..
وما النصر الا من عند الله..
محمد عباس اللامي – بغداد


















