أمريكا وطريقة إذلال من يعصيها – مجيد الكفائي

أمريكا وطريقة إذلال من يعصيها – مجيد الكفائي

في سنينٍ سابقة، حاول  نورييغا أن يفتل عضلاته أمام الولايات المتحدة الأمريكية، متوهّمًا أن الخطاب العالي والتحدي العلني يمكن أن يصنعا توازنًا مع القوة الأكبر في العالم. لكن النتيجة كانت واضحة وقاسية؛ اعتقاله من سفارة الفاتيكان في بنما، ثم الزجّ به في السجن، في رسالة لم تكن موجهة إليه وحده، بل لكل من يفكر بالخروج عن الخط الأمريكي المرسوم.

اليوم، يتكرر المشهد ذاته، لكن بوجهٍ جديد وبطلٍ آخر:

الرئيس الفنزويلي تجاهل التحذيرات، واستهان بخطابات الرئيس الأمريكي، ولم يقرأ ما بين السطور، فكان المصير مشابهًا، وربما أشد قسوة.

فالولايات المتحدة لا تتعامل مع التحدي بوصفه رأيًا سياسيًا، بل كتهديد مباشر لمصالحها ونفوذها، والردّ لديها لا يكون بالكلمات، بل بالأدوات الثقيلة: العقوبات، العزل الدولي، خنق الاقتصاد، ثم تفكيك النظام من الداخل. المشكلة أن كثيرًا من القادة يخلطون بين الصخب الإعلامي والقوة الحقيقية.  يعتقدون أن الجماهير، أو التحالفات الهشة، أو الخطاب الشعبوي، يمكن أن تحميهم من غضب واشنطن.  لكن التجارب تقول غير ذلك. فالكلام ليس كالفعل، والشعارات لا توقف طائرة، ولا ترفع عقوبة، ولا تفتح حسابًا مصرفيًا مغلقًا بقرار سياسي. الولايات المتحدة لا تحتاج دائمًا إلى إسقاط الأنظمة بالدبابات. يكفي أن تُغلق منافذ التمويل، وتحرّك المؤسسات الدولية، وتضغط على الحلفاء، حتى يتحول الرئيس “المتمرّد” إلى عبء على شعبه، ثم على محيطه، وأخيرًا على نفسه.  وعندما يحين الوقت، يُترك وحيدًا، بلا أصدقاء، وبلا مخارج. واللافت أن هذا المنهج لا يقتصر على دول العالم الثالث أو الأنظمة الهشة.  حتى الدول الأوروبية، رغم تاريخها وتحالفها التقليدي مع واشنطن، ليست بمنأى عن هذا الأسلوب، خصوصًا في ظل قيادات أمريكية تؤمن بلغة القوة والمصلحة المجردة، ولا تعترف بثوابت الصداقة الدائمة. الخلاصة بسيطة لكنها موجعة:  من يواجه أمريكا، عليه أن يعرف حجم المواجهة، وأدواتها، وكلفتها الحقيقية.  فليس هناك معصوم من غضبها، ولا أحد محميّ بمجرد الخطاب أو الادعاء بالقوة. التاريخ مليء بالأمثلة، ومن لا يتعلم منه، غالبًا ما يجد نفسه صفحةً جديدة في كتاب العقاب الأمريكي.