أمريكا وتسويق النموذج الديمقراطي- مقالات – عماد علو

أمريكا وتسويق النموذج الديمقراطي- مقالات – عماد علو

 لا يبدو أن المشروع الامريكي بالإصلاح الديمقراطي في الشرق الاوسط قد اثمر بشكل ايجابي حتى الان فكل المؤشرات التي برزت على ساحة الواقع السياسي العربي منذ الشروع بطرح هذا المشروع في أعقاب أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، عندما ارتأت إدارة بوش الابن أن الشرق الأوسط يحتاج إلى جرعة مناسبة من الإصلاح للسماح للجهات الفاعلة السياسية المحلية بالتصرف بشكل حرّ ، تشير الى فشل ذريع تمثل بتصاعد حدة العنف المسلح والتناحر الطائفي والعرقي والديني ، وهو أمر انعكس سلبا بشكل واضح على مصالح الولايات المتحدة الامريكية في الشرق الاوسط وخاصة في البلدان العربية .

وكانت ابرز الاخفاقات في المشروع الامريكي لنشر قيم الديمقراطية والاصلاح السياسي الآثار السلبية  التي ترتبت على طرح الفكرة الساذجة القائلة بأن إجراء انتخابات في العراق مثلاً سيشكل بدايةً لمرحلة من الاستقرار في البلاد، أو أن الانتخابات ستمكّن السلطة الفلسطينية بدلاً من حماس، في قطاع غزة. ومن الواضح أن إدارة الرئيس بوش الابن استخفت بأهمية  وضرورة وجود أسس اجتماعية واقتصادية قويّة لإجراء انتخابات حرّة وعادلة.

لذلك فقد لجأت القوى السياسية العربية بمختلف مشاربها الى القاء اللوم على الولايات المتحدة الامريكية من اجل تبرير الفشل والبقاء بعيدا عن سخط الشعب . وعلى الرغم من الآمال التي كان الشارع العربي يعقدها على ادارة الرئيس باراك اوباما ، الا أن النهج الديمقراطي الذي اتبعه الرئيس أوباما لم يحظَ بأي تقدير في الشارع العربي، وبالأخص في مصر و الخليج التي اعتبرت أن الولايات الأمريكية ظهرت بمظهر ضعيف وغير جدير بالثقة.  عندما تسببت إدارة أوباما بتفاقم الوضع من خلال دعم جماعة الإخوان المسلمين” في مصر بدلاً من أن تعبّر عن دعمها الثابت للجيش. وبعد أن أطاح الجيش بالرئيس المصري السابق محمد مرسي، فرضت إدارة أوباما قيوداً على المساعدات العسكرية لمصر وذلك بسبب قلقها الحقيقي، حيال استلام الجيش للسلطة في مصر أولا، ولاسترضاء أعضاء الكونغرس الذين يؤمنون بالمبادئ المثالية والذين كانوا يدعمون العملية الديمقراطية في مصر ثانيا. وكادت ادارة اوباما ترتكب ذات الخطأ الذي ارتكبته إدارة الرئيس السابق جيمي كارتر بعدم دعمها للشاه في إيران بالقوّة، حتى لو سرياً، أبان الثورة الإيرانية في العام 1979.

ان وجود ثاني أكبر عدد من الطلاب الأجانب في الجامعات الأمريكية من المملكة العربية السعودية، بالإضافة الى أن العديد من سكان الشرق الأوسط جعلوا من لندن دياراً أخرى لهم.  جعلت واشنطن تعتقد ان بإمكانها تسويق النموذج الديمقراطي الامريكي في الشرق الاوسط  ولكن الحقيقية، ان الشرق الاوسط اكثر تفاعلا مع النماذج الديمقراطية الاوربية ، لأسباب تاريخية واجتماعية واخرى تتعلق بالحقبة الاستعمارية التي تلت الحرب العالمية الاولى 1914 -1918 . فالتجربة الديمقراطية التونسية  تعزى بجزء منها إلى النموذج الديمقراطي الفرنسي. مثلا والتجربة الديمقراطية العراقية في العهد الملكي تعزى الى النموذج البريطاني . كما ان مصالح الدول الاوربية اثرت على تسويق والترويج للنموذج الديمقراطي الامريكي في الشرق الاوسط فقد عارضت كلّ من ألمانيا وفرنسا مثلاً غزو العراق، وهناك خلاف امريكي اوربي على جدوى العقوبات الاقتصادية على إيران على خلفية برنامجها النووي. كما إنّ التجارة مع الغرب تعتبر من أسس الاقتصادات العربية.

ان تجربة تسويق النموذج الديمقراطي في العراق بعد عشر سنوات من التغيير الذي حصل في 3003 ، أدت الى نتائج سلبية مزقت النسيج الاجتماعي العراقي واشاعت حالة من الصراع العرقي والطائفي والديني واثرت سلبا على السلم الاهلي والاستقرار ليــــــــــــس في العراق فحسب بل في دول مجاورة له . الامر الـــــــــــذي يتطلب من واشــــــنطن مراجعة رغبتها في تسويق مشروعها الديمقراطي لان مجتمعات الشرق الاوسط لاتزال غير مهيئة  لها  ، فالحكومات الاستبدادية التي اطيح بها لم تستبدل بحكومات افضل منها حتى اليــــــــوم لان الديمقراطية تنمو ببطء وليس من خــــــلال فورات عنيفة ، ونمـــــاذج تفرض من الخارج …