أزمة قبول الجديد والقبول بالآخر.. التراث الشعري العربي أنموذجاً
وسام العبيدي
لو أنعمنا النظر في أدبنا العربي وقرأنا ما بين سطوره، لوجدنا أن مشكلة القديم والمحدث قد أخذت منه رقعة شاسعة الأبعاد، وفي تقديري إن هذه المشكلة كان لها الأثر في تأخير عجلة النقد ودفعه إلى الوراء موقفة بذلك الحراك الفكري الذي بدأ وئيد الخطى، أو بعبارة أخرى، نستطيع القول أن الحراك الفكري سار متعثرا مختنقا برائحة التعصب للقديم، وهذه المشكلة “القديم والمحدث” تعشعش إلى يومنا هذا في مجمل البنية الفكرية للعقل العربي المسلم، بغض النظر عما إذا كانت في ميدان الأدب أو الفقه أو الاقتصاد أو الفلسفة أو..إلخ، علما أن الإسلام ذم التعصب للقديم في كثير من آياته القرآنية التي نزلت على صدر الرسول الأكرم محمد (ص) لتحدث التغيير في النسيج السائد والمألوف في فكر المجتمع آنذاك .وبما إننا بصدد الكشف عن مسارب التعصب للقديم في التراث الأدبي والنقدي، يمكن لنا رصد الظاهرة وبداية ظهورها في العراق؛ إذ ظهر تيار فكري عدّ شعر الجاهلية وصدر الإسلام المرجع الأدبي الوحيد الذي يستحق الدراسة والاهتمام، وهذا التيار لم يظهر في الحجاز؛ لأن الحجازيين إهتموا بالحديث والمعاصر أكثر من اهتمامهم بالقديم؛ لأن الشعر الحديث كان النموذج الوحيد الذي يُعبِّر عن احتياجاتهم الآنية التي ظهرت بسبب التطور النفسي والفكري.أما ظهور هذه النزعة المحافظة في العراق فيمكن أن نتلمس الأسباب التي دعتها إلى التمسك بالشعر القديم ومنها إهتمام أهل اللغة والنحو وأهل التفسير بالنصوص البدوية الأصيلة التي لا يرقى إليها الشك في الإنتحال أو ضعف اللغة أو اللحن كان العمود الفقري الذي يسند هذا التيار، هذا ما يمكن أن نستظهره من أسباب استدعت التيار (المحافظ) أن يتعصب للقديم، أما لو دققنا النظر وفق المعطيات التاريخية والظروف السياسية والإبستمولوجية التي تلبست العصر آنذاك، فيبدو أن الصراع في أساسه يصور صراعا بين النزعة البدوية المحافظة والنزعة الحضرية، وقد يدخل فيه صراع سياسي بين الأقوام الأجنبية التي تريد إضعاف لغة العرب وبين المحافظين على هذه اللغة.ومن الرواة الذين أظهروا حماسة للقديم قد تعدوا بهم حماستهم الترانسنتنزالية طور التعقل والمنطق جماعة من العلماء، منهم الأصمعي (ـ216هـ)، وخلف الأحمر (ـ 195هـ)، وأبو عبيدة (ـ210هـ)، وابن الإعرابي(ـ231هـ)، وهم وإن لم يكونوا عربا صليبة إلا أن موقفهم الحضاري الإيديولوجي كان مع النزعة البدوية المحافظة، فالصراع هنا لم يكن بين أجناس وقوميات وإنما كان بين وجهات نظر ومواقف ونظريات.وقد نبه الدكتور عز الدين إسماعيل إلى” أن الأحكام التاريخية في النقد العربي منذ وجِد ذلك السؤال الغريب: من أشعر؟ فقد كانت الإجابة عنه تقتضي معرفة تاريخية تمتد إلى أكبر عدد ممكن من الشعراء، وفي صيغة السؤال نحس المطلقية، فكأن أي إجابة عنه هي إجابة مطلقة، تتضمن حكما مطلقا ” ثم يشير بإصبع الحكيم إلى “الأصل في الناس أن يقدسوا القديم حتى إذا تبين لهم فساده أعرضوا عنه، وقد لا يُعرِضونَ؛ لطول إلفهم له، وقد وصف تعالى في كتابه الصادق تشبث القلوب بسيرة القديم ونفارهم من المحدث الجديد فقال حاكيا قولهم “إنا وجدنا آبائنا على أمة وإنا على آثارهم لمقتدون “(الزخرف/23) وقال: “…حسبنا ما وجدنا عليه آباؤنا..” (المائدة /104) ومن ثم كان “أكثر من يستحسن الشعر تقليدا على حسب شهرة الشاعر وتقدم زمانه “(عيار الشعر،ابن طباطبا:42) .وإن المرء ليخجل حينما يقرأ عن تاريخ أجداده الذين أخذتهم الحماسة للتراث القديم إلى حد الخصومة “قال أحدهم : حضرنا مأدبة وأبو محرز خلف الأحمر، وابن مناذر معنا، فقال له ابن مناذر: يا أبا محرز إن يكن امرؤ القيس والنابغة وزهير ماتوا فهذه أشعارهم مخلدة، فقس شعري إلى شعرهم، قال: فأخذ (خلف) صحفة مملوءة مرقا، فرما به عليه” (الموشح،المرزباني:453).ويبدو لنا إن أحكام هؤلاء الرواة غير علمية في بعض الأحيان، فإذا ما توهم الراوية أو ظن بأن الشعر قديم، فإنه يقرضه (أي: يمدحه) ويعجب به، فإذا علم وتيقن أنّ الشعر لشاعر محدث، يعود فيتنصل من حكمه إلى جانب النص إلى حكم مناقض ضد النص، وإذا دل هذا على الشيء، فإنما يدل على موقف غير علمي لا يتخذ إلا (الزمن) مقياسا، فقد طلب إبن الإعرابي كتابة أبيات سمعها، فأعجب بها، وظنها جاهلية، فحين أخبر بأنها لأبي تمام، قال : خرّقْ.. خرّقْ !! (أخبار أبي تمام، الصولي: 175 – 176)، أما الأصمعي فهو المعروف بأحكامه الإرتجالية التي لا تحتكم إلا إلى الذوق الشخصي، ومشهورة قصته مع إسحاق الموصلي، حين أنشده أبيات، فقال : لمن تنشدني؟ فقال: لبعض الأعراب قال: والله هذا هو الديباج الخسرواني قال(إسحاق) : إنهما لليلتهما قال (الأصمعي): لا جرم، والله، إن أثر الصنعة والتكلف بيِّنٌ عليهما (الموازنة، الآمدي:150) وأمثال ذلك كثيرٌ نجده في مطاوي كتب النقد وأسفار الأدب، وما عسانا في الختام إلا أن نقول مع الشاعر مرددين:
قل لمن لا يرى المعاصر شيئا
ويـرى للأوائل التقديـما
إن ذاك القـــديم كان جديدا
وسيغدو هذا الجديد قديما


















