
ريغان دعم إيران كما العراق سراً بالسلاح في الحرب 1980
ما سر زيارة أوباما الى بغداد العام 2008 قبل أن يصبح رئيساً؟
رسالة سرية من أوباما الى خامنئي لفتح حوار مباشر..والرد مفاجأة
عرض وترجمة:نواف شاذل طاقة

صدرت في الولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ 17 تشرين الثاني نوفمبر 2020 مذكرات الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما تحت عنوان أرض ميعاد ، التي يستعرض فيها بداياته السياسية والعديد من الاحداث التي شهدتها ادارته خلال فترة ولايته الرئاسية الأولى، على أمل أن يصدر الجزء الثاني في وقت لاحق. وقد اخترت أن اعرض للقارئ الكريم ما جاء في هذه المذكرات بشأن بعض المسائل ذات الصلة بقضايانا العربية والشرق أوسطية، والتي تناول فيها الرئيس أوباما رؤيته لقواعد العلاقات الدولية، وموقف إدارته من ملفات هامة في المنطقة كالوضع في العراق، وموقفه من إيران، والقضية الفلسطينية والنفوذ اليهودي في أمريكا، وأحداث الربيع العربي والموقف من الرئيس حسني مبارك، والحرب على ليبيا. وقد رأيت أن أعرض المواضيع المذكورة من دون الالتزام بالتسلسل الذي وردت فيه بالكتاب نفسه محاولاً بذلك أن اضعها في نسق يتناسب مع ما اخترته من مواضيع في هذا العرض. تُعد هذه المذكرات ثالث كتاب يصدره الرئيس باراك أوباما في حياته السياسية، لاقت جميعها اقبالا واسعا وحققت مبيعات هائلة. يذكر في هذا الصدد أن الكتاب حقق في أول اسبوع من صدوره مبيعات وصلت إلى نحو ثمانمائة ألف نسخة، وقد طبعت منه حتى الآن نحو أربعة ملايين نسخة، ويتوقع له أن يحصد جوائز عديدة، وأن يتصدر مبيعات الكتب في العالم. تُرجم الكتاب إلى نحو عشرين لغة أجنبية في مقدمتها الفرنسية والاسبانية والالمانية، ومن المؤمل أن تصدر الترجمة العربية في وقت قريب من عام 2021. يذكر أن عددا من كبار النقاد في الغرب كتب عن مضامين هذه المذكرات، ويكاد يجمع معظمهم على جرأة الافكار التي وردت فيها، والصراحة التي تحلى بها الرئيس باراك أوباما في عرضه للأحداث التي واجهها في السنوات الأربعة الأولى من حكمه، والتي أراد لها أوباما، حسب تغريدة له صدرت بعد صدور الكتاب، أن تكون سجلا صادقا لفترة حكمه. غير أن ثمة نقاداً آخرين وجهوا انتقادات إلى ما جاء في المذكرات لأسباب متعدة من بينها ما وصفه احدهم بـ جلد الذات الذي مارسه اوباما على سياساته، في حين تعرضت المذكرات لانتقادات في عدد من العواصم العربية بسبب مواقف أوباما من بعض شؤون المنطقة. سوف أحرص من جانبي في هذه المقدمة على عدم تقديم أي تقييم لما جاء في هذه المذكرات بخصوص المواضيع المذكورة، على أن اعقب ذلك في نهاية الجزء الثاني من هذا العرض رأيي كقارئ عربي بما جاء في القضايا التي تخص منطقتنا. لكني أجد في هذه المناسبة من الضرورة التنويه بأن المواقف التي عرضها الرئيس الأمريكي الأسبق في مذكراته، تكتسب اليوم اهمية اكبر وذلك بعد فوز نائبه جو بايدن في الانتخابات الرئاسية التي شهدتها الولايات المتحدة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020. وعلى الرغم من تأكيد بايدن بعد فوزه بالانتخابات المذكورة بأن سياساته لن تكون امتدادا لحقبة الرئيس أوباما، إلا أني اعتقد أن هذه السياسات لن تكون بالمقابل بعيدة عن كل البعد عن سياسات حقبة أوباما، لا سيما وأن كلا الرجلين ينتميان إلى الحزب الديمقراطي الأمريكي.
السياسة الخارجية
يستهل باراك أوباما حديثه في الصفحة 450 من مذكراته بالإشارة إلى الوعود التي كان قد قطعها للأمريكيين خلال حملته الانتخابية للرئاسة سنة 2008، وفي المقدمة منها إيمانه بضرورة اعتماد سياسة خارجية مختلفة عن السياسات المتبعة في بلاده منذ الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001. اعتبر أوباما أن العراق وأفغانستان، والحرب التي نشبت في هذين البلدين، برهنتا بشكل لا يقبل الشك على تضاؤل خيارات السياسة الخارجية المتاحة أمام رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، ووضعت قيوداً على إمكانية التعامل مع أية أزمة قد تحدث في مكان آخر من العالم. أوضح أيضا أنه كان عازما منذ يومه الأول في البيت الأبيض ليس على تغيير نمط التفكير الذي يسيطر على عقلية أوساط إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش فحسب، بل على عقلية الوسط السياسي في واشنطن بوجه عام، تلك العقلية التي “اعتزت كثيرا بالعمل الأحادي الجانب”، واعتبرت العمل العسكري وسيلة شبه روتينية لمعاجلة تحديات السياسة الخارجية التي تواجهها الولايات المتحدة في كل منعطف تمر به. نتيجة هذا النهج، رأى أوباما “أننا أصبحنا قساةً وقصيري نظر في تفاعلنا مع الدول الأخرى، ووقفنا ضد العمل الشاق الذي يتطلب بناء التحالفات، وهو عمل يتطلب وقتا واجماعا دوليا”. أضاف أوباما: “لقد عزلنا أنفسنا عن الآخرين ولم نسعّ إلى الاستماع لوجهات نظرهم، ومعرفة ما يفكرون به”.
يستعرض بعد ذلك الرئيس الأمريكي الأسبق أولويات السياسة الخارجية الأمريكية التي طالما آمن بها والتي تكفل من وجهة نظره الحفاظ على أمن الولايات المتحدة من خلال تعزيز تحالفات أمريكا الخارجية، ودعم المؤسسات الدولية، معتبرا العمل العسكري بمثابة الملاذ الأخير وليس أول خيار في مواجهة التحديات. ويستذكر أوباما بعد ذلك أنه بدأ ولايته الرئاسية بتغيير لغة الخطاب الأمريكي وذلك بإصدار بيان عن البيت الأبيض يؤكد أولويات السياسة الخارجية الأمريكية آنفة الذكر، ويركز على أهمية التعاون الدولي، وعلى رغبة الولايات المتحدة بالتعامل مع جميع الدول، الكبيرة والصغيرة على حد سواء، وعلى أهمية المصالح المشتركة والاحترام المتبادل بين الدول.
يستعرض بعد ذلك الرئيس الأسبق الإجراءات التي اتبعتها ادارته لتنفيذ أولويات السياسة الخارجية التي وضعت من أجل المضي قدما في تنفيذ برامجها، والتي بدأها أوباما بزيارات الى العديد من بلدان العالم مؤكدا على صلة تحركاته بمسألة محاربة الإرهاب والأوضاع في منطقة الشرق الأوسط. حول هذه الجولات، أكد الرئيس أنه أبلغ فريق العمل التابع له في مجلس الأمن القومي الأمريكي قائلا: “إذا أردنا من الدول الأخرى دعم اولوياتنا، فينبغي عدم دفعهم عنوةً، وأن نُظهر لهم بأننا نأخذ وجهات نظرهم بعين الاعتبار أو أن نشعرهم، على أقل تقدير، أنهم موجودون على الخارطة”. تستطرد المذكرات في الصفحات اللاحقة بالحديث عن مواقف الرئيس السياسية وارتباطها بحياته الشخصية وتأثيرا على رؤيته، حيث يقول إنه أمضى وقتا طويلا من طفولته في بلدان خارجية ولديه أقارب في بلدان تعتبر “متخلفة” أو “أقل تقدما”، لافتاً إلى أصوله الافريقية التي جعلته يشعر بأن “الآخرين في بلاده لا يرونه بشكل كامل”. يتطرق بعد ذلك إلى ولعه بما يعرف بالدبلوماسية العامة حيث اعتقد أن النزول إلى الشارع والاختلاط بالمواطنين في مدن وعواصم آسيا وأفريقيا وأوروبا، واللقاءات المفتوحة التي يدعو إليها الشباب بشكل خاص في قاعات تضم في بعض الأحيان ثلاثة آلاف مواطن، وتقبله للرأي الاخر، كلها أمور سمحت له بالتعرف على ثقافات الشعوب، والاستماع إلى همومهم، ولا سيما الشباب. بدا أوباما وكأنه مقتنع بأن دبلوماسيته العامة آتت أكلها وساهمت في مزيد من التعاون مع بلدان العالم، وسمحت، على سبيل المثال، بمشاركة بلدان أخرى في تعزيز القوات الامريكية في أفغانستان، حيث اقتنعت بلدان عديدة أن رؤيتها كدول متحالفة مع الولايات المتحدة مسألة هامة وضرورية. بيد أنه يعترف في الصفحة 453 بأن سحر الدبلوماسية العامة وتأثيرها على السياسية الخارجية بقي محدوداً، إذ أن للدول مصالحها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والاثنية والدينية، ولعل الأهم من هذا كله، والكلام دائما لأوباما، هو أن ثمة دولا يريد زعماؤها البقاء في السلطة، وأنه نادراً ما التقى برئيس دولة كانت نوازعه الأخلاقية وحدها دافعا وراء سياساته الخارجية، لا سيما أن بوسع العديد ممن تربعوا على رأس السلطة في حكومات استبدادية أن يتجاهلوا بكل اطمئنان آراء شعوبهم. لهذا السبب، وجد أوباما أنه لغرض تحقيق التقدم المطلوب في تحقيق أهدافه في المسائل الشائكة ذات الصلة بالسياسة الخارجية، كان لزاما عليه أن يلجأ إلى دبلوماسية مختلفة، على حد قوله، تعتمد على مبدأ الثواب والعقاب، وهي سياسة خارجية مصممة لتغيير حسابات الزعماء المتصلبين والقساة لا سيما في دول مثل روسيا والصين وإيران.

العراق:
خلافا لملفات الشرق الأوسط العديدة التي يتناولها الرئيس الأمريكي الأسبق بارك أوباما في فصول محددة من كتابه، فان القارئ لن يجد فصلا محددا يتحدث فيه الرئيس عن الأوضاع في العراق، بل ثمة اشارات متفرقة عن العراق، هنا وهناك، منها يحمل بعض التفصيل، ومنها يأتي في إطار حديث عرضي عن مواضيع أخرى حيث يقفز الملف العراقي فجأة فيها، وهذا ما حاولت جمعه وعرضه في سياقه الزمني قدر الامكان. يستهل الرئيس الأسبق حديثه عن العراق بالتأكيد على أنه كان قد عارض الحرب على العراق منذ بدايتها عام 2003، عندما كان عضوا في الكونغرس الأمريكي، وأنه عاد وأكد موقفه المذكورة عند بدء حملته لانتخابات الرئاسة حينما أعلن معارضته للغزو لأسباب عديدة من بينها اعتقاده أن هذه الحرب ستصرف انتباه امريكا عن محاربة الارهاب وتنظيم القاعدة في افغانستان. يُذكِّر أوباما أكثر من مرة بأن اعلانه المذكور كان قد دفع كلا من الزعيم الديمقراطي جو بايدن، الذي كان يشغل في حينه منصب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، والمرشح اليميني للرئاسة الأمريكية، جون ماكين، للإعلان بأن “المرشح أوباما لم يكن جاهزا بعد لتولي منصب رئيس الولايات المتحدة”. من جانبه، اعتبر أوباما أن موقف هذين الزعيمين يعكس بُعد الطبقة السياسية الأمريكية عن فهم مشاعر الأمريكيين.
في الفصل الخامس من مذكراته، يتطرق باراك أوباما إلى زيارته إلى العراق في تموز يوليو 2008، قبل انتخابه رئيسا للبلاد، بوصفه مرشحا للرئاسة الأمريكية مع عدد من المرشحين للرئاسة، وهي زيارة دامت ثمانية أيام، شملت التوقف بالكويت والعراق وافغانستان، ويبدو أنها كانت زيارته الثانية للعراق. رافق اوباما في زيارته تلك إلى بغداد عدد من المرشحين للرئاسة، فيما كان العراق قد شهد تحسنا في الوضع الامني على خلفية زيادة الولايات المتحدة عدد قواتها هناك، وتضاؤل حدة الحرب الأهلية المدمرة التي أحدثها التدخل المدمر للعراق “وما اعقبه من أخطاء ارتكبها رجال من امثال دونالد رامسفيلد وبول بريمر”، على حد قول اوباما. يذكر الرئيس الاسبق أن الجمهوريين اعتبروا أن التحسن الامني الذي طرأ على الاوضاع في العراق دليل على صواب الغزو، غير أن أنه لم يوافقهم الرأي إذْ اعتبر ان تورط بلاده لمدة خمس سنوات في العراق، ورحيل الرئيس العراقي صدام حسين، وعدم العثور على أية دلائل لوجود أسلحة دمار شامل في العراق، تُعد أسبابا كافية للمضي قدما في خطة الانسحاب الأمريكي من العراق، على أن يترافق ذلك مع بناء قوى أمنية عراقية محلية مقتدرة، مقترنة بدعم مادي امريكي ما يسمح للقوات الامريكية بالعودة إلى البلاد “وإعادة العراق إلى أهله”. يتطرق أوباما بعد ذلك إلى لقائه مع رئيس الوزراء نوري المالكي الذي كان قد تسلم منصبه حديثا. لقد بدا المالكي قلقا، حسب أوباما، وهو الامر الذي عزاه الرئيس الأسبق إلى المخاطر والتحديات الجسيمة التي كانت تواجهه، على حد تعبيره. اوضح اوباما أن المالكي كان مطالبا بالتوفيق بين مطالب الراعي الأمريكي والضغوط الايرانية عليه، لا سيما وأنه أمضى سنوات في ايران منفيا، كما أن هناك الميلشيات العراقية التي مارست ضغوطا عليه، وجعلته في الوقت نفسه معاديا للسعودية وللعديد من حلفاء أمريكا في منطقة الخليج، وهذا بتقدير اوباما كان “دليلا على نتائج الغزو الامريكي التي أعطت ايران موقعا استراتيجيا في المنطقة”. يضيف أوباما أنه يجهل فيما إذا كان ثمة مسؤول في إدارة الرئيس بوش قد ناقش هذه المسألة وتداعياتها قبيل اتخاذ قرار سحب القوات الأمريكية من العراق”، لكنه يعرف أن إدارة بوش لم تكن راضية عن تلك النتيجة. على هذه الخلفية، يذكر أوباما أن كبار العسكريين الامريكيين في العراق أخبروه بأن بقاء قوة عسكرية كبيرة في العراق لا يهدف إلى ضمان الاستقرار وتخفيف حدة العنف في البلاد فحسب، لكنه مرتبط أيضا “بمنع ايران من الاستفادة من الاخطاء العبثية التي ارتكبناها هناك”.
على خلفية هذا الجدل الذي كان دائراً في الكونغرس الامريكي، يستذكر أوباما أن توجه بسؤال مباشر إلى نوري المالكي فيما إذا كان العراق مستعدا لانسحاب القوات الامريكية من بلاده. قال أوباما “لقد استغربنا جميعا من وضوح رد المالكي. فعلى الرغم من اعرابه عن تثمينه الكبير لجهود القوات الأمريكية والبريطانية، وتطلعه بأن تواصل الولايات المتحدة تدريب القوات العراقية والحفاظ على العلاقات مع القوات الأمريكية، إلاّ أنه اتفق معي على مسألة الانسحاب الامريكي من العراق”. بيد أن أوباما يعلق بعد ذلك على موقف المالكي بالقول: “لم يتضح لي تماماً ما الذي كان يكمن وراء قرار المالكي بالدفع نحو وضع جدول زمني سريع لانسحاب القوات الامريكية من العراق. هل كان مجرد موقف وطني؟ أما كان موقفا متعاطفا مع إيران؟ أم تحرك يهدف إلى تعزيز سلطاته؟”. لكن الرئيس الأسبق لاحظ، على أية حال، أن دعوة المالكي توافقت مع مطالب دعاة الانسحاب من العراق في الجانب الامريكي.
يعود أوباما بعد ذلك مباشرة ليستدرك أن المالكي لم يكن صانع قرار، وأن الحاكم الفعلي للعراق كان الجنرال ديفيد بترايوس، قائد القوات الأمريكية في العراق، الذي جرى بينه وبين أوباما خلال تلك الزيارة حديث خاص لم يتسرب إلى وسائل الاعلام الأمريكية حسب قول الرئيس الاسبق. قال اوباما إن الحديث انصب على سبل تعزيز الاستقرار في العراق، وحاجة البلاد إلى مشاريع تنموية، على خلفية قرار الولايات المتحدة بالانسحاب من العراق الذي كان قد اتخذ في عهد الرئيس بوش، ومطالبة البعض بالبقاء هناك لفترة أطول. إلى ذلك، يذكر أوباما أن أبرز ما دار في ذلك اللقاء انحصر بالتساؤل عن المبالغ التي يجب تخصيصها للعراق، وما هي المدة الكافية لبقاء القوات الامريكية هناك، حيث وجه أوباما سؤالا مباشرا إلى بترايوس قائلا: “كم تحتاج من الوقت؟ سنتين، خمس سنوات، عشر سنوات؟ أوضح أوباما أن بترايوس لم يكن بوسعه أن يجيب على سؤاله بشكل محدد، لكنه أخبره “أن تحديد جدول انسحاب ثابت، حسب اعتقاده، سيمنح العدو الفرصة لانتظار ساعة خروجنا”. عاد اوباما ليوجه سؤالا آخر إلى بترايوس: “أولن يكون هذا الاحتمال قائماً في جميع الأحوال؟”، وهو الامر الذي ابدى باترايوس اتفاقه مع اوباما، لافتاً إلى أن “العراقيين الشيعة والسنة يريدون انسحابنا” لكنه عاد ليؤكد بأنها مشكلة علينا أن نعالجها. عقب بعد ذلك اوباما مشيدا بالدور الذي لعبه الجنرال بترايوس قائلا إنه لو كان في موضعه لاقترح التريث بمسألة خروج القوات الامريكية من العراق تماما كما يريد الآن الجنرال الامريكي، وربما فضل الانتظار لسنتين او ثلاث سنوات أخرى، لكنه كرئيس مرشح للبلاد، اعتقد أن على واشنطن أن تنظر إلى الصورة بشكل أوسع فالمغامرة الامريكية في العراق تكلف الخزينة 10 مليارات دولار شهريا، مقابل متطلبات اكثر الحاحا تتعلق بضرورة القضاء على تنظيم القاعدة في افغانستان، وتجنب الخسائر البشرية الكبيرة التي تواجهها القوات الامريكية في العراق، وضرورة الالتفات إلى متطلبات الداخل الأمريكي من شوارع ومدن بحاجة إلى اعادة اعمار، ناهيك عن فقدان قدرة الولايات المتحدة على معالجة أية أزمة مستقبلية قد تظهر مستقبلا بسبب انهماكها في ازمتي العراق وافغانستان. ينتقل أوباما في مكان آخر في الفصل الخامس عشر إلى العراق في سياق عرضه للأسباب التي دعته إلى الطلب من بوب غيتس، وزير الدفاع في عهد جورج بوش، البقاء في منصبه في حكومته، مشيرا إلى أنه تسلم منصبه كرئيس للبلاد وهو يدرك أن لديه 180 ألف جندي أمريكي منتشرين في العراق وافغانستان، وأن غيتس من جانبه مرتبط بقرار الرئيس جورج دبليو بوش بسحب القوات الامريكية من العراق وتنفيذ اتفاقية الانسحاب الموقعة مع نوري المالكي، وهو مطلع على كافة التفاصيل، وفي نهاية المطاف، وجد أوباما، أن قرار الانسحاب الذي اتخذه بوش كان متوافقا مع المطالب التي كان اوباما قد أعلن عنها في حملته الانتخابية.
يعود باراك أوباما إلى الشأن العراقي في الفصل الثالث عشر من كتابه في سياق عرضه لسمات فريقه المختص بالأمن القومي حيث يقول إن كبار أعضاء هذا الفريق كانوا من كبار السن ممن عاصروا مرحلة الحرب الباردة، ومن بينهم وزيرة الخارجية هيلاري كلنتون، ووزير الدفاع بوب غيتس، ومدير المخابرات السابق ليون بانيتا، ورؤساء أركان الجيش الامريكي بالإضافة إلى مستشاره لشؤون الأمن القومي جيم جونز، ومدير الأمن القومي في ادارته ديني بلير، وآخرون من باحثين واكاديميين وصحفيين. كل هؤلاء اعتقدوا أن سياسة خارجية مسؤولة لا بد أن تعني استمرارية النهج السابق بكل ما تعنيه العبارة من معان، وهي القناعة التي جعلت معظمهم يؤيدون الغزو الأمريكي للعراق. على أن النتائج الكارثية لهذا الغزو، حسب أوباما، جعلت هذا الفريق يغير من قناعاته بشأن قرار شن الحرب على العراق، لكن ذلك لم يدفعهم مطلقا إلى التفكير بالحاجة إلى مراجعة وتصحيح الاطار العام للقرارات المتعلقة بالأمن القومي الامريكي. أما أعضاء الفريق الآخر الأصغر سنا في مجلس الأمن القومي، مثل المستشارة في المجلس المذكور، سامانثا باور، وآخرين بما في ذلك معظم كادر المجلس، فقد كانت لديهم قناعات أخرى، لكنهم لم يكونوا أقل وطنية من الفريق الآخر، على حد قوله. لقد تأثر هؤلاء بأحداث الحادي عشر من أيلول كما هزتهم رؤية صور الفظائع المرتكبة في سجن أبو غريب، وانجذب العديد منهم إلى حملته الانتخابية للرئاسة لسبب رئيسي هو استعداد اوباما تحدي الثوابت التي اطلق عليها تسمية “قواعد اللعبة في واشنطن” إنْ كان ذلك متعلقا بسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، أو كوبا، أو الدخول في حوار دبلوماسي مع خصوم أمريكا، أو الحرب على الارهاب، وسواها من مسائل الامن القومي. لقد تسبب هذا الاختلاف في حدوث الكثير من المشاحنات بين الفريقين، لكن الرئيس يعترف بأن هذه المشاحنات كانت من صناعته.
يعود أوباما إلى الشأن العراقي في الصفحة 317 لافتاً إلى أن اهتمامه انصب عند تسلمه لمقاليد الحكم على مراجعة التحديات الأمنية التي تواجه الولايات المتحدة، لا سيما الاوضاع في العراق وافغانستان، ومحاربة تنظيم القاعدة وهي تحديات أطلق عليها الرئيس الاسبق جوج بوش مصطلح “الحرب على الارهاب”، حسب اوباما، وكلفت الخزينة الامريكية نحو تريليون دولار، ناهيك عن تكلفتها ثلاثة آلاف جندي أمريكي في العراق، وأعداد أكبر من القتلى بين المدنيين في العراق وأفغانستان. يلفت الرئيس الأمريكي الأسبق إلى أن سلفه، جورج بوش، كان قد وقع مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة الامريكية التي تعرف اختصاراً باسم SOFA قبل تسلم باراك أوباما السلطة رسميا بنحو شهر. لقد حددت تلك الاتفاقية شروط انسحاب القوات الأمريكية من العراق بشكل عام ونصت، حسب الرئيس أوباما، على انسحاب القوات الامريكية المقاتلة من المدن والقرى الآهلة بالسكان بحلول نهاية حزيران/يونيو 2009، على أن تنسحب جميع القوات الأمريكية من العراق في موعد أقصاه نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2011. يضيف أوباما أن المسألة الوحيدة التي بقيت غير محسومة تعلقت بمدى سرعة الانسحاب الأمريكي من العراق، حيث يقول إنه كان قد تعهد في حملته الانتخابية بسحب القوات من العراق خلال 16 شهراً من تاريخ توليه مقاليد الحكم، لكنه وبعد أن أصبح رئيسا للبلاد أخبر وزير دفاعه بوب غيتس بأنه على استعداد لإبداء المرونة في مسألة سرعة انسحاب القوات من العراق “طالما حافظنا على المبادئ الرئيسية للاتفاقية الامنية”. إلى ذلك، أوضح أوباما أن وزير الدفاع غيتس والقائد الجديد للقوات الأمريكية في العراق، راي أوديرنو، قدما له خطة انسحاب مدتها 19 شهرا، أي أكثر بثلاثة أشهر من المدة التي كان قد اقترحها، لكنها أقل بأربعة أشهر من مما كان القادة العسكريون الآخرون يطالبون به. تضمنت الخطة بقاء قوة أمريكية غير مقاتلة في العراق قوامها 50-55 ألف جندي أمريكي تُعنى بتدريب ومساعدة القوات العراقية، في وقت شكك فيه البعض في البيت الأبيض وفي الكونغرس بقاء هذا العدد الكبير من الجنود في العراق، كما طالب عدد من أعضاء الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي بسرعة انسحاب هذه القوات من العراق. أوضح أوباما أنه وافق على خطة انسحاب القوات الامريكية التي عرضها عليه وزير دفاعه، حيث رأى في حينه أن انسحاب قواته من المدن والقرى العراقية الآهلة بالسكان في غضون خمسة أشهر سيجنب قواته الدخول في معارك ضارية مع العراقيين، ويقلل من فرص تعرضهم لنيران القناصة والعبوات الناسفة.
يتطرق بعد ذلك باراك أوباما إلى آخر زيارة أجراها إلى العراق بصفته رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية في نيسان/إبريل 2009 حيث التقى برئيس الوزراء نوري المالكي. وصف أوباما الأوضاع في العراق بأنها سيئة حيث كان “الاقتصاد العراقي في حالة من الفوضى، وكانت الحرب قد دمرت معظم البنى التحتية للبلاد، وادى هبوط اسعار النفط العالمية إلى استنزاف خزينة الدولة، ولم تعد الحكومة العراقية قادرة على تسيير المتطلبات الرئيسية بسبب الخلافات المستعصية في البرلمان”. في ضوء ما تقدم، قال أوباما إنه اقترح على المالكي خلال زيارته القصيرة تلك بعض الافكار بخصوص ضرورة “الانفتاح على القوى السنية والكردية في العراق”، غير أن المالكي بدا غير مهتم سوى بحقيقة أن “الشيعة في العراق يمثلون الأغلبية، وأن كتلته الحزبية حققت أغلبية الاصوات، وأن السنة والأكراد يحاولون اعاقة التقدم من خلال مطالبهم غير المنطقية، وأن أية أفكار تتعلق بمراعاة حقوق الاقليات في العراق ما هي إلا مضايقات يضطر إلى الاستجابة لها بسبب الضغوط الأمريكية”. يخلص أوباما إلى القول إنه وجد المالكي غير مستعد للاستجابة إلى أي من مطالب الآخرين في العراق، وأن الشيء الايجابي الوحيد الذي لمسه في حينه أن المالكي وخصومه لم يلجأوا حتى ذلك التاريخ لحل خلافاتهم بالقوة. اوضح اوباما بعد ذلك أن النقاش الذي دار بينه وبين المالكي كان مفيداً، إذ أكد له حقيقة “أن الانتخابات وحدها لا تنتج نظاما ديمقراطيا فاعلاً”، وإن العراق سيعاني لفترات طويلة ما لم يجد وسيلة لتعزيز مؤسساته المدنية، وما لم يتعود قادته على إبداء المرونة. يعود بعد ذلك أوباما للاعتراف في مكان آخر من مذكراته بأن “الولايات المتحدة لم تحاول بناء العراق أو افغانستان”، ويضيف قائلاً: “غزونا العراق، ودمرنا تلك البلاد، الأمر الذي ساعد في ولادة نموذج أكثر عنفا من تنظيم القاعدة، واضطررنا إلى شن حملة عسكرية معادية للإرهاب باهظة الكلفة”. الواضح من كل ما تقدم أن باراك أوباما كان يستعجل الخروج من العراق، من حرب يقول بكل صراحه إنه عارضها منذ يومها الأول، ولا يريد أن يتحمل مزيدا من عواقبها الكارثية حيث يقول في حديث له مع أحد مساعديه في البيت الأبيض بعد موافقته على مواعيد انسحاب القوات الامريكية من العراق: “حالما نخرج من العراق، فإن آخر شيء أريده لقواتنا سيكون العودة إلى العراق مرة أخرى”.
الموقف من إيران
يستهل الرئيس الأمريكي الاسبق حديثه عن الملف الإيراني بالقول إن ثمة ثلاث دول هي روسيا والصين وايران شكلت تحديا للمصالح الأمريكية، وأن إيران “تعد أقل الدول تحدياً للمصالح الأمريكية طويلة الأمد”، لكنها فازت بجائزة “أكثر الدول عدائية”. ثم يمضي أوباما مستعرضاً تاريخ ايران مشيرا إلى حضارتها البائدة، وإلى جانب من الازدهار الذي عاشته في ظل الحضارة الإسلامية، لحين ابتعادها عن دائرة اهتمام العالم، ليوجه بعد ذلك انتقادات حادة إلى سياسات بريطانيا حيال ايران عام 1951عندما اجهضت أول تجربة إيرانية ديمقراطية في عهد رئيس الوزراء الإيراني مصدق. وقال إن الحكومة البريطانية نجحت في إقناع الرئيس الأمريكي آيزنهاور في حينه بأن إيران تميل إلى الاتحاد السوفيتي، ما حدا بالأخير إلى إعطاء الضوء الأخضر لبدء عملية (أجاكس) التي أطاحت بأول رئيس وزراء منتخب ديمقراطيا في إيران. يوجه أوباما انتقاداته أيضا إلى سياسات الإدارات الأمريكية التي سبقته حيال إيران معتبراً أن عملية (أجاكس) “أسست لنهج من سوء التقديرات الامريكية في تعاملها مع الدول النامية خلال حقبة الحرب الباردة” وتسببت بالخلط بين “التطلعات القومية والمؤامرات الشيوعية”، حتى أضحت أمريكا تساوي بين المصالح التجارية وأمنها القومي، مستسهلة الإطاحة بالأنظمة المنتخبة ديمقراطياً إلى الحد الذي “وجدنا أنفسنا مصطفين إلى جانب المستبدين بعدما رأينا أن هذا الاصطفاف يصب في صالحنا”، وصار الشاه حليفا للولايات المتحدة على الرغم من فساده وقسوته وتبذيره للمال العام لكنه “اشترى السلاح الأمريكي، وخدم المصالح الأمريكية، وأقام علاقات متينة مع إسرائيل” إلى الحد الذي اغفل فيه محللو وكالة المخابرات المركزية الأمريكية مدى الاستياء الشعبي لسياساته، وبالتالي تنامي المعارضة الداخلية له، فوجدت المخابرات الامريكية نفسها على حين غرة مطلع عام 1978 أمام تظاهرات شعبية عارمة ضد الشاه شارك فيها الملايين من البشر وظلت تتصاعد.
الثورة الإسلامية
ينتقل بعد ذلك الرئيس أوباما إلى وصف الأوضاع التي سادت إيران بعد الثورة الإسلامية ومجيء الخميني إلى الحكم مشيراً إلى الأطماع الإيرانية التوسعية لا سيما “دعوة الخميني للإطاحة بالأنظمة الملكية العربية السنية المجاورة الأمر الذي حوّل إيران وآل سعود إلى عدوين لدودين، مما عمق الشرخ الطائفي في منطقة الشرق الأوسط”. يصف بعد ذلك أوباما الظروف التي رافقت اندلاع الحرب العراقية الإيرانية معتبرا أن “محاولة العراق غزو إيران سنة 1980، والحرب الدموية التي اعقبتها، والتي قدمت فيها دول الخليج الدعم المالي إلى صدام حسين، بينما زود الاتحاد السوفيتي جيش الخميني بالسلاح، بما في ذلك السلاح الكيمياوي، مما عجل في تبني ايران العمليات الإرهابية كوسيلة للتعويض عن المزايا العسكرية التي تمتع بها أعداؤها”. من جانبها، حاولت الولايات المتحدة في عهد الرئيس ريغان، بشكل معيب، على حد وصف أوباما، أن تدعم الجانبين “حيث قدمت السلاح علنا للعراق، بينما كانت تبيع السلاح سراً إلى إيران”. بالمقابل، نجح الخميني، على حد قوله، في تصوير الصراع الدولي على أنه “صراع وجودي بين قوى الله التي تمثلها إيران وقوى الشيطان الأكبر التي تمثلها الولايات المتحدة الأمريكية، حتى تسلل هذا التشبيه كالسم إلى عقول الجهاديين، بل حتى إلى عقول أولئك السياسيين في الغرب الذين كانوا دائما ميالين للنظر إلى المسلمين بوصفهم عناصر مشتبه بها وأنهم مصدر رعب”.
استفحال العداء
يذكر أوباما في صفحات مذكراته أن الرئيس الإيراني محمد خاتمي اتصل بالإدارة الامريكية بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 عارضاً تقديم مساعدة بلاده للجهود الامريكية في أفغانستان، لكن المسؤولين الأمريكيين حينها تجاهلوا المبادرة الإيرانية. وعندما ضم الرئيس جورج دبليو بوش إيران إلى قائمة محور الشر مع العراق وكوريا الشمالية أغلقت نافذة ما تبقى من أمل لإقامة علاقات طبيعية مع إيران. وبعد تسلمه مقاليد الحكم عام 2009، يقول أوباما كان المتشددون يتربعون على رأس السلطة في طهران بقيادة الرئيس أحمدي نجاد الذي يصفه أوباما بأنه “مهووس” بعداء الولايات المتحدة، حيث وجد أوباما أمامه إيران تمد الأفغانيين والعراقيين بالسلاح لقتل الجنود الأمريكيين. وهنا يخلص أوباما إلى اعتبار الغزو الأمريكي للعراق قد “عزز بشكل كبير موقع إيران الاستراتيجي في المنطقة من خلال استبدال عدو إيران اللدود، صدام حسين، بحكومة شيعية خاضعة للنفود الإيراني”، بينما لم تخف السعودية وإسرائيل رغبتهما في إمكانية قيام الولايات المتحدة بتغيير النظام في ايران.
البرنامج النووي الإيراني
بعد الثورة الإسلامية، اعتبر أوباما أن إيران كانت مرشحة لأن تصبح مصدر “صداع من الدرجة الأولى” لإدارته، لكن برنامج البلاد النووي المتسارع هو بالحقيقة ما هدد بتحويل الوضع السيء إلى أزمة قابلة للانفجار. هكذا، يمضي الرئيس الأسبق بوصف تاريخ برنامج إيران النووي ومنشآته التي كانت إيران قد حصلت عليها من الولايات المتحدة في عهد الشاه بعد أن انضمت إيران إلى اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية عام 1970. أوضح أوباما أنه في ضوء التطلعات الإيرانية للحصول على سلاح نووي، ابلغه الخبراء الامريكيون منذ بدء ولايته أن “في حال توفر ما يكفي من اليورانيوم المخصب، سيكون بوسع طالب ثانوية ذكي في مادة الفيزياء، يمتلك إمكانية الوصول إلى الانترنت، أن يصنع قنبلة نووية”. يضيف بأن إدارته لاحظت زيادة إيران عدد أجهزة الطرد المركزي الضرورية لتصنيع السلاح النووي من 200 جهاز حتى تجاوز عدد هذه الأجهزة نحو 5000 جهاز بحلول عام 2009، وهو عدد اكبر بكثير من حقيقة ما يحتاجه البرنامج السلمي الإيراني المزعوم، في وقت أكد له الخبراء الأمريكيون بأن حيازة ايران على السلاح النووي لم تعد سوى مسألة وقت.
هنا يؤكد أوباما بشكل واضح بأن “ترسانة نووية إيرانية لن تحتاج إلى تهديد الولايات المتحدة الأمريكية”، لكن إمكانية حدوث ضربة نووية أو عملية إرهابية نووية في الشرق الأوسط من شأنها أن تحد بشكل كبير من قوة الخيارات المستقبلية للرئيس الأمريكي في وقف عدوان إيراني محتمل على الدول المجاورة لها. توقع أوباما أن تحاول السعودية حينها الإسراع بإنتاج “القنبلة السنية”، وستدخل حينها المنطقة في سباق تسلح نووي، ولن تتردد إسرائيل بعد ذلك من السعي لإجهاض قدرات المنشآت النووية الإيرانية، ليخلص إلى الاستنتاج بأن “أي هجوم من هذا القبيل، أو أي رد فعل، أو أي سوء تقدير، من جانب أي من هذه القوى، من شأنه أن يورط الولايات المتحدة في حرب أخرى في المنطقة” التي ينتشر فيها نحو 180 ألف جندي أمريكي، وأن يعرض للخطر استمرار تدفق النفط إلى العالم مما قد يحدث أزمة عالمية تهدد الاقتصاد العالمي، وتعرض بالتالي كل المشاريع التي أراد الرئيس الأمريكي تحقيقها في المنطقة إلى الفشل.
في ضوء هذا التصور لحقيقة ما تحمله هذه الاحتمالات من خيارات أمام الولايات المتحدة الامريكية، أوضح الرئيس أوباما أنه أمضى وقتا طويلا مع فريقه لمناقشة سبل منع إيران من الحصول على السلاح النووي، وكانت القناعة التي توصلت إليها ادارته هي أن تحقيق هذا الهدف على وجه أمثل سيتحقق من خلال العمل الدبلوماسي وليس من خلال خوض غمار حرب أخرى، وأن تلك المداولات تمخضت عن “استقرار رأينا على استراتيجية ذات خطوتين”. حول هاتين الخطوتين، يمضي الرئيس الأسبق مستذكرا أنه بالنظر لعدم وجود اتصالات رفيعة المستوى بين البلدين منذ عام 1980، فقد تضمنت الخطوة الأولى الاتصال بالإيرانيين، إذ يقول: “بعد مضي أسابيع على تسلمي السلطة، بعثت رسالة سرية إلى آية الله خامنئي، عبر قناة سرية مع دبلوماسيين إيرانيين في الأمم المتحدة، اقترحنا فيها فتح حوار بين بلدينا حول عدد من المسائل بما في ذلك البرنامج النووي الإيراني”. غير أن ردّ خامنئي كان “فظاً”، إذ أخبرهم بأن إيران غير مهتمة بالحوار المباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية، وأن “خامنئي اغتنم المناسبة لأن يقترح على الولايات المتحدة في رده وسائل قد تستطيع من خلالها أن تتوقف عن ممارسة البلطجة الامبريالية”، وهو الرد الذي أثار سخرية المستشارين في مجلس الأمن القومي الأمريكي. يؤكد أوباما بأن أحداً من فريقه لم يتوقع أن يتلقى رداً إيجابيا من إيران بشأن الحوار المباشر لكن “بكل الأحوال، كان عليّ أن أبعث الرسالة لكي اثبت بأن أمريكا لم تكن الطرف المتعنت بل إيران”.
يتطرق أوباما بعد ذلك إلى مسيرات الاحتجاج التي وقعت في إيران عام 2009 في إطار ما عرف في حينه باسم “الحركة الخضراء” التي تفجرت احتجاجا على التزوير الذي رافق الانتخابات الرئاسية الإيرانية التي شهدت إعادة انتخاب أحمدي نجاد رئيسا للبلاد، إذ أبدى اعتقاده بأن فرصة احداث اختراق في العلاقات مع إيران باتت أكثر تعقيدا في اعقاب تلك الاضطرابات. ويضيف بأن اعمال القمع الوحشي التي شهدتها شوارع إيران تسبب بمقتل العديد من المواطنين، وأنه بعد أن شاهد مناظر حية لشابة إيرانية تقع صريعة برصاصات قوات أمن النظام الإيراني، تحدث مع مستشاريه وكان رد فعله الأول هو “ضرورة التعبير عن دعمي للمتظاهرين”، لكن خبراءه في مجلس الأمن القومي نصحوه بعدم اصدار أي موقف يستشف منه دعمه للمحتجين، وبينوا له بأنه طالما كان المتشددون يتهمون المحتجين بأنهم عملاء للأجانب فان أي موقف مساند لهم سيصب في خدمة السلطات الإيرانية التي ستستغله في تعزيز مزاعمها ونزع المصداقية عن حركة الاحتجاجات الجماهيرية. ويعرب أوباما بعد ذلك عن أساه، إذ مع تصاعد أعمال العنف في إيران، رأى أن موقفه “السلبي” حيال تلك الاحتجاجات لا يتناسب مع آرائه ومواقفه لا سيما عندما كان عضوا في مجلس الشيوخ أو مواطنا عاديا قادرا على التعبير عن رأيه بكل وضوح، حتى باتت معه مشاعره “رهينة اعتبارات استراتيجية وتحليلات قصيرة المدى” في وقت كان خصومه الجمهوريون ينتقدون سكوته ويوجهون له الاتهامات بمداهنة القادة الإيرانيين.
بعد هذه الاحداث، انتقلت إدارة الرئيس الأمريكي الى الخطوة الثانية من استراتيجيتها حيال ايران والتي استندت إلى تعبئة الرأي العام لممارسة الضغوط المتعددة الأطراف على الإيرانيين، وفرض عقوبات اقتصادية، كما تم تشكيل لجنة دولية عرفت باسم 5+1 ضمت الأعضاء الدائمين لمجس الأمن بالإضافة إلى المانيا. ينتهي هذا الفصل بالاعتراف بأنه مع ارتفاع أسعار النفط، وجدت واشنطن أن العقوبات لم تكن ذات فائدة، وبغية جذب انتباه الإيرانيين، قال أوباما: “كان علينا اقناع دول أخرى من أجل تشديد الضغط”، وهو ما تمخض، حسب قوله، عن الاستعانة بدعم دولتين مؤثرتين، كانتا خصمين تاريخيين للولايات المتحدة، لا يطمئنان إلى نواياها، ولم يميلا من ناحية المبدأ إلى سياسة فرض الحصارات الاقتصادية، فضلا عن تمتعهما بعلاقات دبلوماسية واقتصادية جيدة مع إيران. لكن أوباما لم يوضح كيف استطاع كسب هذين الخصمين التاريخيين (روسيا والصين) إلى سياسته التي مكنته من احتواء خطر البرنامج النووي الإيراني.
القضية الفلسطينية والنفوذ اليهودي
يبدأ أوباما حديثه في الفصل الخامس والعشرين من مذكراته بالحديث عن القضية الفلسطينية قائلا: “لو كان أحد قد سألني نهاية عام 2010 أين ستقع الازمة المقبلة في منطقة الشرق الأوسط، فقد كان بوسعي أن اقدم طيفا واسعا من الاحتمالات، إذ كان هناك العراق، بطبيعة الحال، الذي على الرغم من التقدم المنجز، فان العودة فيه إلى الفوضى لا تتطلب أكثر من انفجار في سوق أو هجوم تنفذه احدى الميليشيات. وكانت هناك مشاكل عديدة أخرى في المنطقة، فالعقوبات الدولية على إيران بسبب برنامجها النووي بدأت تؤتي ثمارها” لكن شبح المواجهة مع النظام الايراني ظل قائما بتقديره. أما اليمن فقد وصف حالها بأنها “قضية الحظ العاثر” الأكبر في العالم، بكل أسف، مضيفاً بأن شبه الجزيرة العربية تحولت إلى مقر لتنظيم القاعدة، وكان هناك بطبيعة الحال النزاع العربي اسرائيلي. يقدم أوباما بعد ذلك عرضا مفصلا لتاريخ القضية الفلسطينية وعلاقة الولايات المتحدة المتشابكة بتطوراتها لافتاً إلى أن إدارته لم تكن أول إدارة أمريكية حُرمت من النوم بسبب ما يحدث في البؤر الساخنة في منطقة الشرق الأوسط، فالصراع بين العرب واليهود يرجع تاريخه إلى وعد بلفور سنة 1917 عندما منح البريطانيون الذين كانوا قد احتلوا فلسطين وعداً بتأسيس وطن قومي لليهود في منطقة تقطنها غالبية عربية، حسب قوله. أضاف أن الزعماء الصهاينة جلبوا خلال العقود اللاحقة أعداداً كبيرة من المهاجرين اليهود إلى فلسطين حتى حلت سنة 1948، وهي السنة التي انتصرت فيها “الميليشيات اليهودية بعد قرون من النفي والاضطهاد الديني والرعب” الذي ولدته المذبحة التي ارتكبت بحق اليهود في المانيا خلال الحرب العالمية الثانية. غير أنه استدرك قائلا إنه مقابل ذلك الحدث، وجد ثمة 700 ألف مواطن فلسطيني عربي فجأة أنفسهم من دون دولة، بعد أن طردوا من ديارهم، وهو الحدث الذي صار يعرف في وقت لاحق باسم “النكبة”. يستطرد الرئيس الأمريكي بعرض ذلك التاريخ المؤلم للمنطقة مستخلصا أنه مع الهزائم والاهانة التي مني بها العرب في حروب عديدة في مصر وسوريا والاردن، صارت القضية الفلسطينية محور الحركة القومية العربية وعنوانها الرئيسي.
يتحدث بعد ذلك أوباما عن جذور العلاقة المتينة التي تربط يهود أمريكا بإسرائيل والقوة التي يتمتع بها اليهود في أمريكا، مؤكدا بأن الولايات المتحدة لم تكن طرفا متفرجا في كل ما حدث. يقول أوباما إن أجيالاً من اليهود الامريكيين عانت من التمييز في الولايات المتحدة، لكن تلك الاجيال وبمعية اليهود الآخرين الذين هاجروا من الغرب إلى اسرائيل حافظوا على صلاتهم مع معارفهم بالولايات المتحدة، وما برحوا يحظون بتعاطف كبير من المواطنين الامريكيين. هكذا يخلص الرئيس الأسبق إلى أن الولايات المتحدة تحولت إلى الدولة الراعية الأولى لإسرائيل، لتتحول منذ ذلك التاريخ مشاكل اسرائيل مع جاراتها العربية إلى مشاكل أمريكا أيضا. لا يخفي أوباما أن النزاع الاسرائيلي الفلسطيني ترك بصماته على شخصيته، حيث يذكر بأن أهم الدروس المفعمة بالعبر التي تلقاها من والدته في طفولته دارت حول الفظائع التي ارتكبتها النازيون في المحرقة اليهودية، وأنه، شأنه شأن الكثير من الصبية الامريكيين، تأثر بنمط الحياة التي عاشها بعض اليهود في الكيبوتز، وتأثر في شبابه بعدد من الفلاسفة اليهود، مع تأكيده بأن اليهود لم يتمكنوا من تحقيق الاعتراف بمكانتهم. يتطرق أوباما بعد ذلك إلى ما وصفه بـ”رابطة جوهرية تجمع بين محنة المواطنين السود واليهود، وهي سمات مشتركة من المعاناة التي عاشها السود، التي يتعين أن تعوض بالعدالة واشاعة اجواء التراحم مع الاخرين”. بيد أنه يعود ليؤكد بأن هذه المُثل التي آمن بها جعلت من المستحيل عليه “التغاضي عن الاوضاع التي فرضت بالقوة على الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة”، على حد تعبيره. في هذا السياق، تكرس المذكرات صفحات للحديث عن المفاوضات التي قادها الرئيس الأمريكي الاسبق مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو، ودور العديد من القادة العرب في التوفيق بين الطرفين، والتعقيدات التي حالت لوقت طويل دون إمكانية التوصل إلى حل للمشاكل العميقة بينهما، موجها الانتقادات إلى كل من نتنياهو وعباس بسبب المناورات التي كانا يمارسانها. إلى ذلك، يتحدث اوباما في الصفحات 625 ـ 630 عن تجربته مع رئيس الوزراء الاسرائيلي قائلا إنه على الرغم من اختلافه مع نتنياهو بشأن تجميد الاستيطان، إلا أنه أوفى له بوعده بشأن تعزيز التعاون بين الولايات المتحدة واسرائيل في جميع المجالات، بما في ذلك العمل على مواجهة التهديد الايراني، والمساعدة في تمويل التطوير النهائي لنظام دفاع “القبة الحديدية” الذي يسمح لإسرائيل بإسقاط الصواريخ التي تطلق عليها من غزة وسوريا ولبنان. غير أن أكثر الأمور إثارة هو اعتراف الرئيس باراك أوباما أنه على الرغم من كل ما فعله لإسرائيل، فإن “الضجيج الذي صدر عن نتنياهو كان له الأثر المقصود في هدر الوقت، ووضع ادارته في موقف دفاعي، وتذكير الرئيس الأمريكي بأن الخلافات السياسية العادية مع أي رئيس وزراء اسرائيلي، مهما كانت حكومته ضعيفة، ستكلف الرئيس الأمريكي ثمنا سياسيا داخليا الأمر الذي لن تجده أية إدارة أمريكية في تعاملها مع دول أخرى كالمملكة المتحدة أو ألمانيا أو فرنسا أو اليابان أو كندا أو أي حليف قريب آخر”. ويمضي الرئيس أوباما في وصف النفوذ اليهودي الهائل وتأثيره على السياسات الأمريكية، بالحديث عن بداية تسلمه مقاليد الحكم حيث لاحظ حينها أن معظم اعضاء الكونغرس من الجمهوريين لم يكترثوا بما يحدث للفلسطينيين، لا سيما وأن “أكثرية مؤثرة من الانجيليين البيض، الذين يمثلون الكتلة الانتخابية الأكثر تأييدا للحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، تؤمن بأن إنشاء إسرائيل وتوسعها التدريجي ما هو إلا تحقيق لوعد الله لنبيه ابراهيم الذي بشره بعودة سيدنا المسيح في نهاية المطاف”. أما الديمقراطيون، فيعترف الرئيس بأن حتى التقدميين وذوي النفوذ منهم كانوا يكرهون أن يبدون أقل تأييدًا لإسرائيل من الجمهوريين، خاصة وأن العديد منهم كانوا يهودًا أو يمثلون جماهير يهودية كبيرة. في ختام عرضه للمسألة الفلسطينية يعترف أوباما بلغة لا لبس فيها بضعف السياسيين الأمريكيين أمام جماعات الضغط الصهيونية في الولايات المتحدة، لا سيما ما يعرف باسم لجنة الشؤون العامة الأمريكية الاسرائيلية AIPAC ، التي يقول عنها “إنها منظمة ضغط قوية من الحزبين، مكرسة لضمان الدعم الأمريكي الثابت لإسرائيل”، يحرص السياسيون الامريكيون من كلا الحزبين على عدم اغضابها. يضيف قائلا ” يمكن استخدام نفوذ هذه المنظمة للتأثير على أغلب أعضاء الكونغرس”، مؤكدا أن جميع السياسيين في واشنطن، تقريبا، بما فيهم أوباما نفسه، يتلقون الدعم المادي من المانحين في هذه المنظمة. ويصر أعضاء هذه المنظمة بشكل جوهري، حسب أوباما، على أن أولئك الذين يسعون للحصول على تأييدها يتعين عليهم أن يقدموا الدعم المتواصل لإسرائيل، وأن يقفوا ضد الجهود المبذولة لعزل أو إدانة إسرائيل عبر الأمم المتحدة والهيئات الدولية الأخرى. وفيما كانت هذه المنظمة قد استوعبت سابقا طيفا من وجهات النظر حول السلام في الشرق الأوسط، على حد قول أوباما، إلا أنها ومع تحول السياسة الإسرائيلية إلى اليمين، تغيرت مواقفها السياسية، وصار العاملون فيها وقادتها يصرون بشكل متزايد على ضرورة عدم حدوث أي اختلاف في المواقف بين الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية، حتى عندما تتخذ إسرائيل إجراءات تتعارض مع السياسة الأمريكية. يختم الرئيس اوباما استعراضه لهذا الملف بالقول إن أولئك الذين ينتقدون السياسة الإسرائيلية بصوت عالٍ يجازفون بأن يوصفوا بأنهم “معادون لإسرائيل” وربما “معادون للسامية”.



















