أخلاقيات شاب معتوه

أخلاقيات شاب معتوه

في مجتمع متشتت ومفكك ذهنياً ، أخلاقياً ، سياسياً وحتى دينياً ، ستجد ما لا عين رأتْ ، ولا أذن سمعتْ ، حيث هنا البيئة المناسبة للانحطاط الأخلاقي أولاً و الإنساني ثانياً ، وكلما ظهرتْ أيًَّ من تلك العوارض في مجتمع لم يعتد إلا على أصول وتقاليد تربطه رابط وثيق بالأخلاق والإنسانية ، هنا لابد أن نعلم بأن شيئا ما قد طرأ على جسد المجتمع (فايروس) عارم قد أحدث شيئا غير معهود على الساحة العامة ، لدى عودتي من أحد الأماكن حيث استقلت الحافلة ، كنتُ بانتظار أن تمتلئ هذه الحافلة بالناس ، كي أعود إلى بيتي ، فجأة عجّت ضوضاء حمقاء غير أخلاقية بتاتاً، وإذا بشاب في العشرينات من العمر، يسحب رجلاً كفيفاً من يديه بغضب متوجهاً به نحو الحافلة الذي أستقلها، حيث قام بدفع هذا الرجل المسكين نحو الحافلة ما جعل رأسه يرتطم بباب الحافلة ، نحن الجالسون في الحافلة كانت الصورة بالنسبة إلينا شبه واضحة ، وإذا بالشاب (المعتوه) أخلاقياً يقول (أخذوا الـ هذا و شوفوله أبو المرك وين ؟) واستدار ذاهباً حيث كانت عيناه تشتظ شرارة من الغضب ، وأنا أنظر إلى الرجل الكفيف أرى ملامح إحراج قد رسمت على وجهه مزقتني ، ما جعلني أن أتمنى حينها بأنني لو كنت رجلاً الان لكنت ترجلت من الحافلة وأوسعت ذلك الشاب ضرباً مبرحاً كي أعلمه (الأخلاق والإنسانية على أصولها) ، كان الجميع هنا في الحافلة ثائرين ، غاصبين جداً ، منهم من بدأ بسب تربيته ، ومنهم من دعا عليه ، واخرون كتموا غيظهم مثلي تماماً ، إذ لم يبدوا سوى بضع كلمات خافتة لم يفهمها أحد سوى (الله) سبحانه وتعالى ، نزل رجل مسرع متوجهاً نحو الرجل الكفيف فسأله : (عمي شمحتاج؟)

فأجابه الرجل الكفيف : (أريد أبو التمن والمرك جوعان مماكل شي من الصبح أريد أكل)، فعلاً كان هناك مطعم بجانب الطريق، فأخذه نحو المطعم و طلب له الغداء، مع العلم فأن ذلك المطعم كان قريباً جداً من  ذلك الشاب (المعتوه) إذ كان لا يبعد عنه سوى خطوتين ، و حينها استقلنا الحافلة و بدأت بالحركة نحو طريقها ، كنتُ أرتدي حينها ” نظارة شمسية ” نزلتْ مني دمعة ساخنة جداً بسخونة ذلك الموقف الذي ثار له ضميري ، ولا أخفي بأني تمنيتُ حينها من (الله) تعالى أن يأخذ بصر ذلك الشاب و يرد بصر الرجل الكفيف ، حيث تمنيت أن يمرَّ ذلك الشاب بنفس هذا الموقف ، إذ يتجول  يطلب مساعدة أحدهم ليجد ذلك الرجل الكفيف حيث يطلب منه أن يدلّه على مكان ما ، لكن لا أعرف لمَ تخيلت أن هذا الرجل سيأخذ الشاب من يديه و يدلّه إلى مطلبه بكل ضمير  إنسانية ، هنا أدركت أن الأخلاق والإنسانية ما هي إلا طباع ولدت فينا بالرغم من كونها تتفاوت بين شخص وأخر ، طباع أو صفات يتحكم فيها الضمير ، فإذا كان الضمير في نوم عميق ومن المعروف بأن (النوم سلطان) ، إذن فـ على الأخلاق و الإنسانية (سلام من الله) ، هنا أتسأل ما الذي سيخسره ذلك الشاب لو تعامل بلطف و أخلاق مع ذلك الرجل..؟

ماذا لو تخيل بأنه والده ؟ هل سيفعل فعلته هذه ؟

حسناً ، ربما سيفعل هذا بوالده أيضاً مما رأيته بأم عيني جعلني أتيقن بأن العالم ليس بخير ، و بأن ما يتحكم بهذا المجتمع اليوم هؤلاء الشواذ الذين لا ضمير لهم ،  لا دين و لا حتى أخلاق ، و من كان لا دين له و لا أخلاق ، فالموت أشرف له من هكذا حياة ، ليستريح هو و بدوره يستريح المجتمع منه و من أمثاله . . .

عبير سلام القيسي – بغداد