أبو الغوز – جليل وادي

كلام أبيض

أبو الغوز – جليل وادي

هكذا يحلو لمحبيه أن يطلقوا عليه ( أبو الغوز ) ، مع ان له خمسة أبناء ليس فيهم من هو بهذا الاسم ، ثمة تسميات محبة تمس شغاف القلب ، فترى تباشيرها على وجه المُكنى . سماه أبوه غازيا اعتزازا بالملك العراقي المغدور الذي لم يتول أحد دمه ، مطالبا باعتذار رسمي واعتراف صريح بالجريمة ممن غدره ، على الرغم من مرور أكثر من ثمانين عاما على سقوط عمود الكهرباء الذي اصطدمت به سيارته . يُروى ان وطنيته كانت تغلي بين جوانحه ، وتملكه حب كبير لشعبه ، لذا دبروا له مكيدة عمود الكهرباء الذي لم يستقر في بلادنا منذ ذلك الحين .

واعتزازا به سمّى آلاف العراقيين أبنائهم على أسمه ، ومنهم غازي أسطة البناء الشغوف بمهنته ، والدقيق في عمله ، والغــــــيور عند نخوته ، والجميل في ذوقه ، والصادق في موعده ، حتى انك لا تجد عنده فراغا للمباشـــــــــرة بعـــــملك الا بعد موعد قد يمتد أشهرا ، ومع ذلك ترضى بالتأخير ، طمعا في عمـــــل نظيف وجودة عالية ، ما يشغله كيف يكون انجازه متكاملا ، ومن عمله عرفت : ان الاخلاص في العمل باب من أبواب الرزق .

أينك أبو الغوز ؟ أنطق بكنيته صباح كل يوم عند نظري من نافذة السيارة الى ( فروة السبع ) ، وأقصد النافورة الصغيرة التي لا يعدو طولها عشرة أمتار وتنفذها بلدية احدى المحافظات ، مضى على النافورة ما يقرب الشهرين دون أن تُنجز ، مع ان انجازها لا يستغرق اسبوعا واحدا عند ( ابو الغوز ) .

ليس في النافورة ما هو جديد ، تقليدية بكل تفاصيلها ، وواثق من انها لن تضيف جمالا للمكان ، ومع ذلك قَبِل الناس بها من باب اضافة شيء أفضل من لا شيء ، ويواسون أنفسهم بالقول : قد ترطب أجواء المكان المحاط بالأسفلت والكونكريت ودخان عوادم السيارات ، بالرغم من ضرورة الاهتمام بجمال الأشكال ، لكن للأسف لا نلقي بالا للجوانب الجمالية في أعمالنا ، لذلك ترى بلادنا أكثر البلدان تلوثا بصريا ، بينما تشكلت في الدول التي تحترم الانسان هيئات لتجميل المدن ، وتحتار أين تلتقط صورة ، لتقول : كنت هنا ، في هذه الأماكن المبهرة في أشكالها .

وعلى ذكر الصور لفتني عند مروري مؤخرا بمدينة بابل الأثرية تمثال ملكها العظيم حمورابي لألتقط معه صورة تذكارية وهو يقف شامخا ، كما جعلنا شامخين مثله بالرغم من انكساراتنا ، فما عليك الا أن تقول انك بابلي حتى يقف لك العالم تقديرا ، فلِمَ لا يحترم المسؤولون هذه الحقائق ، عموما انشغلت بالملك ووقفته وتاريخه ولم أنتبه لما يحيط به الا بعد أن تأملت بالصورة ، فرأيت الساحة التي يتوسطها سبخاء طفح ملحها الى سطحها ، وذبلت الشجيرات التي تحيط بها على قلتها ، وكأنها لم تذق الماء منذ عام ، وتوقفت النافورة التي شيدت قبالة التمثال ، وتكسرت بعض قطع السيراميك التي تغلفها ، وتيبس حوضها ، وأكيد ان ماطور ضخ الماء فيها عاطل ، أهكذا يجري التعامل مع رموزنا الذين لو كانوا عند غيرنا لأضفوا عليها قدسية ما بعدها قدسية ؟ .

الملل واليأس جعلنا لا نسأل عن جودة العمل ، وانما انجازه ضمن توقيتات مقبولة ، مثلما بتنا نسمع : ( اسرقوا لكن اعملوا ) ، ما هذا الكلام المخزي ؟ في مشروع عبارة عن مد انبوب من تحت شارعين رئيسيين عانا أصحاب المركبات الأمرين على مدى شهر كامل ، وأظن ان ما أستهلك من مركباتهم يفوق كلفة المشروع ، والأغرب عندما انتهى العمل لم يعد الشارعين كما كانا ، بل صار مكان العمل مطبا يقتضي تخفيف السرعة الى أدناها لاجتيازه ، لماذا ؟ لا أحد يدري ، مع ان جميع المسؤولين يمرون من هذا الطريق يوميا ، لكن يبدو ان سياراتهم الحديثة لا تشعرهم بالمطب ، ما نحتاجه ليس المال ، وانما غيرة ( أبو الغوز ) .