‮ ‬مردان أمير التشرد والكبرياء – نصوص – وسام قصي

 مردان أمير التشرد والكبرياء – نصوص – وسام قصي

تمرّ علينا في مثل هذه الايام الذكرى الثالثة والأربعون لرحيل الشاعر الكبير حسين مردان، ففي فجر 4/10/1972  توقف قلبه وصدقت نبوءته بأن النهاية آتية لا ريب، فقد كان يقـول: (أنا أعرف نهايتي، فغدا سأموت بسكون، كما تموت الأشجار القديمة في أعماق الغابات، سأموت إلى الأبد).

 وإذ نستذكره بحزن بالغ.. ونواسي أنفسنا بفقد رمز من رموز العراق الثقافية، لابد لنا من وقفة نستذكر بها حياته وإنجازاته. عرف عن حسين مردان أنّه كان مزهواً بضياعه وتشرده وفقره وجوعه، فالقارىء يتملس ذلك بأن يكون طرازاً خاصاً في شعره وحياته  وكان مردان متمكنا من الكلمة، والتعبير عنده ينثال كشلال هادر وجميل ليرتجل المعاني بجرأة وحماسة وتفوّق لا يضاهيه فيه أحد.

 وسعى مردان إلى أن يتفوق بسلوكه وفنه على كلّ ما حوله محققاً المكانة اللائقة لشخصيته الفنية في المغايرة، لافي المسايرة، فكانت كتاباته التي حملت طابع التحدي هي التي ألقت به في السجون، فقد أهلّته للتفرد والشهرة، إذ لم يكتب بمعايير الأنماط الفنية الشائعة، إنما كان يكتب ويعيش بنمط واحد، ليكون متفرداً في ما يحيا ويحس، فهو لم يرتضِ أن يكون رجع صدى للآخرين، فكان شاعراً من دون الاتكاء إلاّ على النفس، ولم يكن سلوكه وشعره سوى تعبير عن شغفه بالحياة، فهو خرج على كلّ شيء من غير مبالاة بتقاليد مجتمع الأربعينيات والخمسينيات المتحفظ، و تعرض كثيراً للاعتقال والمطاردات، لكنه ظل مليئاً بالكبرياء والإحساس بالعظمة، و كان عالمه كثير الثراء، متنوعاً فهو الشاعر، والناثر، والمقالي، والناقد. وسرعان ما احتل مكانته في الوسط الأدبي الذي التمس طريقه فيه وضم: شعراء، و فنانين، و يساريين، ومدمنين، وجره ذلك إلى صحبة متشرد من نوع آخر فقير سليل عائلة أرستقراطية هو بلند الحيدري وغيره وبدأ التجوال والتنقيب في مكتبات بغداد، وحين صدرت مجلة “الكاتب المصري” وما فيها عن الوجودية هام بها وتبناها وعدّ نفسه وجوديا على طريقته.

 و لما نشرت ترجمة ديوان (بودلير)أزهار البشر” وجد ضالته فيه وعدّ نفسه بودليرياً.

وعندما إتسعت دائرة معرفته بالوسط الثقافي، بدأ بالتنقل بين مقاهي بغداد الأدبية، من عجمي، والزهاوي، وكافيه سويس، والبرازيلية، و واق واق، وفي معهد الفنون الجميلة إلتقى النخبة منهم: الرصافي، والجواهري، وبحر العلوم، وبدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي والقائمة تطول.

أصدر مجموعته الشعرية الأولى عام  1949م بعنوان “قصائد عارية”، وتُعدُّ هذه المجموعة أشهر مجموعاته الشعرية على الإطلاق، وقد أعيد طبعها في بغداد عام .1955

 يقول حسين مردان: “فجأة رميت بـ ـ قصائد عارية ـ إلى الشارع، فاهتزَّ كلّ عمود في بغداد”  ومنها دخل عالم الشعر بجرأة هي أقرب للوقاحة ويتمادى في جرأته، فقد أهدى ديوانه إلى نفسه ويوصمه بهذا الإهداء الذي لا يقل جرأة عن إصراره واطمئنانه إلى شاعريته، فيقول:” لم أحب شيئاً مثلما أحببت نفسي، فألى المارد الجبار الملتف بثياب الضباب، إلى الشاعر الثائر والمفكر الحر… إلى.. حسين مردان”، ولا تأتي شهرة “قصائد عارية” من المحاكمة الشهيرة التي أجريت لها ولشاعرها وحسب، بل من جرأتها في البوح بما لم يبح به غيرها وبقدرتها على تجاوز السائد من التقاليد في المنظورين الشعري والاجتماعي، الأمر الذي لم يعتد عليه القارئ في العراق.

لقد أُلقي القبض على حسين مردان بعد صدور مجموعته الشعرية هذه، وأحيل إلى المحكمة بتهمة محاولة إفساد المجتمع ومخالفة الآداب العامة، وقضى في السجن بسبب ذلك سنة هي المدة التي استغرقتها التحقيقات وجلسات المحاكمة.

أصدر مردان في خمسينيات القرن الماضي قصيدته العمودية بعنوان “اللحن الأسود” في كراس خاص ولم يكن للسلطة بد من مصادرة القصيدة وتقديم صاحبها للمحاكمة، لكنه نجا هذه المرة أيضا هو وقصيدته كما في سابقتها، كما أصدر قصيدته الثانية بعنوان “رجل الضباب” في كراس مثل سابقتها التي أعاد نشرها في نهاية ديوان “أغصان الحديد” الذي أصدره  1961ودافع فيها عن وطنيته وهو الشاعر الثائر المتفجر ألماً لما يسود بلده من ظلم الحاكم، ثم عاد في عام  1951 أصدر كتابه “صور مرعبة من النثر المركز”  ، هكذا أسماه وليستمر في النظم على هذا النمط فيلحقه بثانِ في 1952  بعنوان”عزيزتي فلانة”.

ثم أصدر ديوانه  الذي أسماه  “الأرجوحة هادئة الحبال” في العام 1958  ورسم لوحات الديوان كلّ من الفنانين: جواد سليم، وشاكر حسن ال سعيدن وخالد الرحال، وصورة غلاف الديوان لشاكر حسن ال سعيد، ودعا في مقدمة كتبها له إلى تحطيم القافية والوزن وله في ذلك سابقة ممثلة بما سماه النثر المركز.

 يقول مردان في مقدمة ديوانه هذا: “إنّ الوزن لا يشلّ الخيال، ويثقل ريش أجنحته ويعطلها عن الرفيف بحرية، ويمنع تدفق القريحة فيقطع انهمار الشلال العاطفي فحسب، بلّ هو يغلق بوجه الشاعر النوافذ السحرية المطلة على عالمه الداخلي، ويجمد في أعماقه فلا يفلت إلى الخارج غير الدخان، ويحض الأحاجر الصلدة!! أما النار المائعة فلا تكادّ تصل إلى الحافة ولا تسيل إلى الخارج ألا في حالات نادرة جداً”.

 كان مردان يقول عن نفسه: “أنا ديكتاتور الأدب والشعر”، وكان يُقال عنه إنه وريث بودلير والخليفة لشعر الغزل العباسي، وكان يوصف بأنه أمير التشرد والكبرياء، وبأنه رجل الضباب ورجل المفاجآت، وقد وصف نفسه قائلا: “أنا رجل الشارع المتشرد الجائع، المتطرف في الشعر والحياة”، وتطرُّفه في الشعر والحياة تمثَّل بالوجوه الآتية: الوجه الأول بمضمون قصائده، خاصة الأولى منها التي رآها المجتمع جريئة على نحو غير مسبوق ، أما الوجه الثاني ما سمّاه بـ “النثر المركز”، الذي كسر به تقاليد الوزن والقافية المعروفتين في الشعر العمودي، والوجه الوجه الثالث هو سلوكه العام في المجتمع، وهيئته العامة له من شعره الطويل، وتشرُّده وتسكُّعه واعتماده على الآخرين في العيش أي صعلكة بامتياز.

والذي يقرأ ما كتبه حسين مردان ستواجهه هذه الصرخات:

لن أحترم العالم ما دام هندبوس منكسر العينين..

التراب وحده يفهمني..

أليست حياتنا شريعة للغاب ؟

أنا بقايا وحشية الغاب..

ويصرخ حسين مردان عبر شعره العمودي قائلاً:

وطني لو أنَّ الشعرَ يردعُ طامعا

ويردُّ كيدَ المغرضينَ ويزجُرُ

لنظمتُ أنفاسَ السعيرِ قصائدا

تشوي جلودَ المفسدينَ وتنثرُ

وطني وكلُّ يدٍ تريدُ لكَ الأذى

فاسلمْ ـ فداكَ الخائنونَ ـ ستُبترُ

و حسين مردان من مواليد بابل في  عام1927   عمل مصححًا ومحرراً في جريدة “الأهالي” وبعد إغلاقها أشرف على الصفحة الأدبية في جريدة “الأخبار”، ثم في “المستقبل”، وفي 1969  كان أحد أعضاء الهيئة المؤسسة لاتحاد الأدباء في العراق ثم عضواً فيه، كتب في مجلة الف باء الأسبوعية بعد أن اتفق مع رئاسة تحريرها على ذلك، وبدأ بكتابة المقالة الأسبوعية والشعر اذا تعذرت المقالة، فكان موضوعه متنوعاً وفيه من الإبداع والمتعة الشيء الكثير فهو بين الجد والرأي وتلخيص قراءات، وفيها كلها تجد حسين مردان الشاعر والموقف كما عهدناه شاخصاً،

آخر وظائفه في المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون – قسم الشؤون الثقافية.

     يبقى اسم الشاعر حسين مردان محفورا في ذاكرة الشعر والنقد العراقيَّين، وقد كُتب عنه الكثير منذ وفاته وحتى يومنا هذا، ولو استعرضنا أبرز الكتابات التي تناولت شعره وشخصيته، لخرجنا بحصيلة كبيرة.