‭  ‬خلافات- محمد زكي ابراهيم

‭ ‬حينما‭ ‬أسمع‭ ‬بوجود‭ ‬خلافات‭ ‬بين‭ ‬بلد‭ ‬عربي‭ ‬وآخر،‭ ‬أشعر‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬الرضا،‭ ‬وتعتريني‭ ‬نوبات‭ ‬من‭ ‬السعادة،لأن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأخبار‭ ‬باتت‭ ‬قليلة‭ ‬ونادرة‭ ‬في‭ ‬أيامنا‭ ‬هذه‭!.‬

‭ ‬وسبب‭ ‬شعوري‭ ‬بالبهجة‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬الافتتان‭ ‬بالمعارك‭ ‬الجانبية،‭ ‬أو‭ ‬الهوس‭ ‬بالقتال‭ ‬بين‭ ‬الأخوة،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬وقوع‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحوادث‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬صلات‭ ‬القربى‭ ‬مازالت‭ ‬قائمة،‭ ‬وأن‭ ‬العرب‭ ‬لم‭ ‬ينسوا‭ ‬أنهم‭ ‬أمة‭ ‬واحدة،‭ ‬مهما‭ ‬فرقت‭ ‬بينهم‭ ‬عوادي‭ ‬الزمان‭.‬

لو‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬العربي‭ ‬ناقماً‭ ‬على‭ ‬سلوك‭ ‬أخيه‭ ‬المتسم‭ ‬بالتسرع،‭ ‬منزعجاً‭ ‬مما‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬أعمال‭ ‬يعتقد‭ ‬أنها‭  ‬تمس‭ ‬قضاياه‭ ‬المصيرية،‭ ‬لما‭ ‬حرك‭ ‬ساكناً،‭ ‬ولما‭ ‬خرج‭ ‬إلى‭ ‬العلن‭ ‬يسب‭ ‬ويشتم،‭ ‬ويهدد‭ ‬ويتوعد،‭ ‬فالموضوع‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬العتاب‭ ‬الممزوج‭ ‬بالحرقة‭ ‬والألم‭.‬

ولو‭ ‬لم‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬اصطفاف‭ ‬فئة‭ ‬من‭ ‬العرب،‭ ‬مع‭ ‬قوى‭ ‬خارجية‭ ‬ظالمة‭ ‬أو‭ ‬مستبدة،‭ ‬يضر‭ ‬بمستقبل‭ ‬المنطقة،‭ ‬ويشعل‭ ‬نيران‭ ‬العداوة‭ ‬بين‭ ‬دولها،‭ ‬لما‭ ‬علا‭ ‬له‭ ‬صوت،‭ ‬أو‭ ‬بدت‭ ‬منه‭ ‬ردة‭ ‬فعل،‭ ‬لكنه‭ ‬يدرك‭ ‬كذلك‭ ‬أن‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬ماتزال‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار،‭ ‬وفيها‭ ‬من‭ ‬المشاكل‭ ‬ما‭ ‬يستعصي‭ ‬على‭ ‬الحل،‭ ‬وأن‭ ‬التدخل‭ ‬الأجنبي‭ ‬حقيقة‭ ‬واقعة‭ ‬تحتمها‭ ‬عوامل‭ ‬الضعف‭ ‬والتردد‭ ‬والانقسامات‭ ‬الفكرية،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يرفع‭ ‬صوته‭ ‬احتجاجاً‭ ‬عليه‭.‬

‭ ‬ولطالما‭ ‬اعتقد‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬مضى‭ ‬أن‭ ‬الخلافات‭ ‬بين‭ ‬ذوي‭ ‬القربى‭ (‬أشد‭ ‬مضاضة‭)‬،‭ ‬وأكثر‭ ‬إيلاماً‭ ‬من‭ ‬الخلافات‭ ‬بين‭ ‬الغرباء،‭ ‬لأن‭ ‬الأخيرة‭ ‬هي‭ ‬عرض‭ ‬زائل‭ ‬لا‭ ‬يلبث‭ ‬أن‭ ‬يطويه‭ ‬النسيان،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الأولى‭ ‬تستعر‭ ‬في‭ ‬النفوس،‭ ‬وتتوهج‭ ‬شرارتها‭ ‬في‭ ‬القلوب،‭ ‬ولا‭ ‬تخمد‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬زالت‭ ‬الأسباب،‭ ‬وهدأت‭ ‬الأرواح‭. ‬،‭ ‬فالدول‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬علاقة‭ ‬مع‭ ‬العرب،‭ ‬ولم‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬سجال‭ ‬معهم،‭ ‬كثيرة،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬التي‭ ‬تتبادل‭ ‬مع‭ ‬خصومهم‭ ‬المودة‭ ‬تستعصي‭ ‬على‭ ‬الحصر،‭ ‬لكنهم‭ ‬لا‭ ‬يأبهون‭ ‬بها،‭ ‬ولا‭ ‬تعنيهم‭ ‬في‭ ‬شيء‭.‬

في‭ ‬عقد‭ ‬الستينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬انقسمت‭ ‬البلاد‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬تكتلات،‭ ‬وكان‭ ‬الفريقان‭ ‬يمعنان‭ ‬في‭ ‬كيل‭ ‬التهم‭ ‬والشتائم‭ ‬لبعضهما‭ ‬البعض،‭ ‬أما‭ ‬نقاط‭ ‬الخلاف‭ ‬الأساسية‭ ‬فهي‭ ‬الخروج‭ ‬على‭ ‬الإجماع‭ ‬العربي،‭ ‬والتعاون‭ ‬مع‭ ‬الاستعمار،‭ ‬وإعلان‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬الوحدة،‭ ‬لكنهم‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬كانوا‭ ‬يشعرون‭ ‬بالحميمية‭ ‬والمحبة،‭ ‬ويحاول‭ ‬كل‭ ‬منهم‭ ‬البرهنة‭ ‬على‭ ‬صدق‭ ‬نواياه‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬العروبة،‭ ‬ونبذ‭ ‬التبعية‭ ‬للغير‭.‬

  ‬حينما‭ ‬تغدو‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬وأخرى‭ ‬فاترة،‭ ‬ولا‭ ‬تتخللها‭ ‬توترات‭ ‬اقتصادية‭ ‬أو‭ ‬اجتماعية‭ ‬أو‭ ‬سياسية،‭ ‬ولا‭ ‬يحدث‭ ‬بينهما‭ ‬نزاع‭ ‬أو‭ ‬خلاف‭ ‬أو‭ ‬حرب‭ ‬إعلامية،‭ ‬فهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أحدهما‭ ‬أو‭ ‬كلاهما‭ ‬زاهد‭ ‬في‭ ‬انتمائه‭ ‬العروبي،‭ ‬ولا‭ ‬يشعر‭ ‬بصلة‭ ‬ما‭ ‬تجاه‭ ‬إخوته،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬ربما‭ ‬انحاز‭ ‬لوطنيته‭ ‬أو‭ ‬إقليميته،‭ ‬وتصرف‭ ‬بشكل‭ ‬انعزالي‭. ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحال‭ ‬لا‭ ‬تبعث‭ ‬في‭ ‬النفوس‭ ‬الغبطة،‭ ‬بل‭ ‬تثير‭ ‬الريبة‭ ‬والاستغراب،‭ ‬وتعني‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬الازورار‭ ‬عن‭ ‬الجماعة‭ ‬العربية‭.‬

إن‭ ‬التجاهل‭ ‬وعدم‭ ‬الاهتمام‭ ‬اللذين‭ ‬سادا‭ ‬في‭ ‬حقبة‭ ‬فائتة،‭ ‬أطلا‭ ‬برأسيهما‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وتفاقما‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬القرن،‭ ‬بدرجة‭ ‬مخيفة،‭ ‬فليست‭ ‬هناك‭ ‬خلافات‭ ‬حادة،‭ ‬أو‭ ‬مشاكل‭ ‬جدية،‭ ‬أو‭ ‬مناوشات‭ ‬إعلامية‭ ‬بين‭ ‬أقطار‭ ‬العروبة،‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬يكترث‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬هوجمت‭ ‬دولة،‭ ‬أو‭ ‬استبيحت‭ ‬بلدة،‭ ‬أو‭ ‬دمرت‭ ‬مدينة،‭ ‬وباستثناء‭ ‬بعض‭ ‬الجماعات‭ ‬الثورية‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬غير‭ ‬الرسمي،‭ ‬لم‭ ‬تشعر‭ ‬الأنظمة‭ ‬الرسمية‭ ‬بأي‭ ‬تهديد‭ ‬حقيقي،‭ ‬ولم‭ ‬توجه‭ ‬أصبع‭ ‬الاتهام‭ ‬إلى‭ ‬أحد،‭ ‬وبقيت‭ ‬علاقاتها‭ ‬عادية‭ ‬وهادئة،‭ ‬ليس‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬الانتباه،‭ ‬أو‭ ‬يؤذن‭ ‬باندلاع‭ ‬الأزمات‭.‬

إذا‭ ‬كان‭ ‬السلام‭ ‬العربي‭ ‬يعني‭ ‬التراجع‭ ‬والضعف،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الصفاء‭ ‬يؤشر‭ ‬إلى‭ ‬التراخي‭ ‬والجمود،‭ ‬فليس‭ ‬ثمة‭ ‬سبيل‭ ‬سوى‭ ‬عودة‭ ‬المناكفات‭ ‬والنزاعات‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬وحتى‭ ‬ينهمر‭ ‬سيل‭ ‬الخلافات‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬سنكون‭ ‬قابضين‭ ‬بأيدينا‭ ‬على‭ ‬الجمر،‭ ‬بانتظار‭ ‬ساعة‭ ‬الفرج‭ ‬الموعودة‭.‬