
حينما أسمع بوجود خلافات بين بلد عربي وآخر، أشعر بنوع من الرضا، وتعتريني نوبات من السعادة،لأن مثل هذه الأخبار باتت قليلة ونادرة في أيامنا هذه!.
وسبب شعوري بالبهجة لا يعود إلى الافتتان بالمعارك الجانبية، أو الهوس بالقتال بين الأخوة، بل لأن وقوع مثل هذه الحوادث يعني أن صلات القربى مازالت قائمة، وأن العرب لم ينسوا أنهم أمة واحدة، مهما فرقت بينهم عوادي الزمان.
لو لم يكن العربي ناقماً على سلوك أخيه المتسم بالتسرع، منزعجاً مما يقوم به من أعمال يعتقد أنها تمس قضاياه المصيرية، لما حرك ساكناً، ولما خرج إلى العلن يسب ويشتم، ويهدد ويتوعد، فالموضوع ليس سوى نوع من العتاب الممزوج بالحرقة والألم.
ولو لم يدرك أن اصطفاف فئة من العرب، مع قوى خارجية ظالمة أو مستبدة، يضر بمستقبل المنطقة، ويشعل نيران العداوة بين دولها، لما علا له صوت، أو بدت منه ردة فعل، لكنه يدرك كذلك أن البلدان العربية ماتزال تعاني من عدم الاستقرار، وفيها من المشاكل ما يستعصي على الحل، وأن التدخل الأجنبي حقيقة واقعة تحتمها عوامل الضعف والتردد والانقسامات الفكرية، ولا بد له أن يرفع صوته احتجاجاً عليه.
ولطالما اعتقد العرب في ما مضى أن الخلافات بين ذوي القربى (أشد مضاضة)، وأكثر إيلاماً من الخلافات بين الغرباء، لأن الأخيرة هي عرض زائل لا يلبث أن يطويه النسيان، في حين أن الأولى تستعر في النفوس، وتتوهج شرارتها في القلوب، ولا تخمد إلا إذا زالت الأسباب، وهدأت الأرواح. ، فالدول التي لا تملك علاقة مع العرب، ولم تدخل في سجال معهم، كثيرة، بل إن التي تتبادل مع خصومهم المودة تستعصي على الحصر، لكنهم لا يأبهون بها، ولا تعنيهم في شيء.
في عقد الستينات من القرن الماضي، انقسمت البلاد العربية إلى مجموعة تكتلات، وكان الفريقان يمعنان في كيل التهم والشتائم لبعضهما البعض، أما نقاط الخلاف الأساسية فهي الخروج على الإجماع العربي، والتعاون مع الاستعمار، وإعلان الحرب على فكرة الوحدة، لكنهم رغم كل ذلك، كانوا يشعرون بالحميمية والمحبة، ويحاول كل منهم البرهنة على صدق نواياه في خدمة العروبة، ونبذ التبعية للغير.
حينما تغدو العلاقات بين دولة عربية وأخرى فاترة، ولا تتخللها توترات اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، ولا يحدث بينهما نزاع أو خلاف أو حرب إعلامية، فهذا يعني أن أحدهما أو كلاهما زاهد في انتمائه العروبي، ولا يشعر بصلة ما تجاه إخوته، بل إنه ربما انحاز لوطنيته أو إقليميته، وتصرف بشكل انعزالي. مثل هذه الحال لا تبعث في النفوس الغبطة، بل تثير الريبة والاستغراب، وتعني في الغالب الازورار عن الجماعة العربية.
إن التجاهل وعدم الاهتمام اللذين سادا في حقبة فائتة، أطلا برأسيهما من جديد في أواخر القرن الماضي، وتفاقما في هذا القرن، بدرجة مخيفة، فليست هناك خلافات حادة، أو مشاكل جدية، أو مناوشات إعلامية بين أقطار العروبة، ولا أحد يكترث إذا ما هوجمت دولة، أو استبيحت بلدة، أو دمرت مدينة، وباستثناء بعض الجماعات الثورية ذات الطابع غير الرسمي، لم تشعر الأنظمة الرسمية بأي تهديد حقيقي، ولم توجه أصبع الاتهام إلى أحد، وبقيت علاقاتها عادية وهادئة، ليس فيها ما يثير الانتباه، أو يؤذن باندلاع الأزمات.
إذا كان السلام العربي يعني التراجع والضعف، وإذا كان الصفاء يؤشر إلى التراخي والجمود، فليس ثمة سبيل سوى عودة المناكفات والنزاعات من جديد، وحتى ينهمر سيل الخلافات مرة أخرى، سنكون قابضين بأيدينا على الجمر، بانتظار ساعة الفرج الموعودة.



















