‭ ‬التحقيق‭ ‬الحكومي‭ ‬يفشل‭ ‬في‭ ‬تشخيص‭ ‬القنّاصين‭ ‬ويثير‭ ‬استياء‭ ‬العراقيين‭ ‬

459

بغداد‭ ‬‭- ‬كريم‭ ‬عبيد‭ ‬زاير

أعلنت‭ ‬السلطات‭ ‬العراقية‭ ‬الثلاثاء‭ ‬خلاصات‭ ‬لجنة‭ ‬التحقيق‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬العنف‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬أسبوع‭ ‬من‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬المطلبية‭ ‬الدامية‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬ومدن‭ ‬جنوبية‭ ‬عدة،‭ ‬وأسفر‭ ‬عن‭ ‬مقتل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬150‭ ‬شخصاً،‭ ‬متخذة‭ ‬إجراءات‭ ‬إدارية‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬ترقى‭ ‬إلى‭ ‬«المحاسبة»‭. ‬ويأتي‭ ‬ذلك‭ ‬فيما‭ ‬يرتقب‭ ‬أن‭ ‬تخرج‭ ‬تظاهرات‭ ‬مطلبية‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬الجمعة‭. ‬وقال‭ ‬برلمانيون‭ ‬ومنهم‭ ‬احمد‭ ‬الكناني‭ ‬من‭ ‬كتلة‭ ‬صادقون‭ ‬ان‭ ‬التقرير‭ ‬غير‭ ‬مقنع‭ ‬ويبدو‭ ‬ان‭ ‬الحكومة‭ ‬محرجة‭ .‬

وأفاد‭ ‬تقرير‭ ‬رسمي‭ ‬الثلاثاء‭ ‬صادر‭ ‬عن‭ ‬«اللجنة‭ ‬الوزارية‭ ‬العليا»‭ ‬التي‭ ‬تشكلت‭ ‬بأمر‭ ‬من‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬عادل‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬بأن‭ ‬حصيلة‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬الشعبية‭ ‬قبل‭ ‬أسبوعين‭ ‬بلغت‭ ‬157‭ ‬قتيلاً‭ ‬غالبيتهم‭ ‬من‭ ‬المتظاهرين‭ ‬ومعظمهم‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬بغداد‭.‬

وإذ‭ ‬أشار‭ ‬التقرير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬«70‭ ‬في‭ ‬المئة»‭ ‬من‭ ‬القتلى‭ ‬قضوا‭ ‬بالرصاص‭ ‬الحي‭ ‬«في‭ ‬الرأس‭ ‬والصدر»،‭ ‬أعلنت‭ ‬السلطات‭ ‬إعفاء‭ ‬قادة‭ ‬عسكريين‭ ‬وأمنيين‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬أجهزة‭ ‬القوات‭ ‬العراقية‭ ‬في‭ ‬سبع‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬18‭ ‬محافظة،‭ ‬طالتها‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تستأنف‭ ‬الجمعة‭. ‬وأوضح‭ ‬التقرير‭ ‬أن‭ ‬عدد‭ ‬القتلى‭ ‬هو‭ ‬149‭ ‬مدنياً،‭ ‬وثمانية‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬القوات‭ ‬الأمنية،‭ ‬سقطوا‭ ‬بين‭ ‬الأول‭ ‬والسادس‭ ‬من‭ ‬تشرين‭ ‬الأول/أكتوبر‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬والمحافظات‭ ‬الجنوبية‭ ‬التي‭ ‬امتدت‭ ‬إليها‭ ‬الحركة‭ ‬الاحتجاجية‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬القتلى‭ ‬107‭ ‬مدنيين‭ ‬وأربعة‭ ‬عناصر‭ ‬أمنية‭ ‬سقطوا‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬وحدها،‭ ‬حيث‭ ‬بدأت‭ ‬المواجهات‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬التحرير‭ ‬الرمزية‭ ‬بوسط‭ ‬العاصمة،‭ ‬إثر‭ ‬مطالبة‭ ‬المتظاهرين‭ ‬بتوفير‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬وخدمات‭ ‬عامة‭ ‬ومكافحة‭ ‬الفساد،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يطال‭ ‬الحراك‭ ‬مدينة‭ ‬الصدر‭ ‬ذات‭ ‬الغالبية‭ ‬الشيعية‭ ‬والتي‭ ‬شهدت‭ ‬ليلة‭ ‬فوضى‭ ‬دامية‭. ‬وقد‭ ‬أعلنت‭ ‬السلطات‭ ‬عن‭ ‬تشكيل‭ ‬لجنة‭ ‬عليا‭ ‬للتحقيق‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأحداث،‭ ‬وأقرت‭ ‬حينها‭ ‬بـ»استخدام‭ ‬مفرط‭ ‬للقوة»‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬القوات‭ ‬الأمنية‭ ‬في‭ ‬حوادث‭ ‬محدودة»‭. ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬تقريرها‭ ‬الثلاثاء،‭ ‬حملت‭ ‬اللجنة‭ ‬مسؤولية‭ ‬سقوط‭ ‬قتلى‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬العناصر‭ ‬الأمنية،‭ ‬لكنها‭ ‬أشارت‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬«مواقع‭ ‬للقنص»‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تحديد‭ ‬هوية‭ ‬القناصة‭. ‬وسبق‭ ‬للسلطات‭ ‬أن‭ ‬اتهمت‭ ‬«قناصين‭ ‬مجهولين»‭ ‬أطلقوا‭ ‬النار‭ ‬على‭ ‬المتظاهرين‭ ‬والقوات‭ ‬الأمنية‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭.‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬نفسه،‭ ‬أوصت‭ ‬اللجنة‭ ‬بإعفاء‭ ‬قادة‭ ‬من‭ ‬الجيش‭ ‬والشرطة‭ ‬وقوات‭ ‬مكافحة‭ ‬الإرهاب‭ ‬ومكافحة‭ ‬الشغب،‭ ‬ومكافحة‭ ‬الجريمة‭ ‬والاستخبارات‭ ‬والأمن‭ ‬الوطني،‭ ‬مع‭ ‬نشر‭ ‬أسمائهم‭.‬

وهؤلاء‭ ‬القادة‭ ‬الأمنيون‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬محافظات‭ ‬بغداد،‭ ‬الديوانية،‭ ‬ميسان،‭ ‬بابل،‭ ‬واسط،‭ ‬النجف‭ ‬وذي‭ ‬قار،‭ ‬جنوب‭ ‬العاصمة‭.‬

ويجب‭ ‬على‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬عادل‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬تصديق‭ ‬هذه‭ ‬التوصيات‭ ‬لتدخل‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ‭. ‬لكن‭ ‬التقرير‭ ‬«لم‭ ‬يرتق‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬جراحات‭ ‬ضحايا‭ ‬التظاهرات‭ ‬الشهداء‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬القوات‭ ‬الأمنية‭ ‬أو‭ ‬المتظاهرين»،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬قال‭ ‬المحلل‭ ‬السياسي‭ ‬عصام‭ ‬الفيلي‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭. ‬وأوضح‭ ‬الفيلي‭ ‬أن‭ ‬التقرير‭ ‬اكتفى‭ ‬بتوصية‭ ‬«عقوبات‭ ‬إدارية»‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬«محاسبة‭ ‬عن‭ ‬ارتكاب‭ ‬جرائم»،‭ ‬متسائلاً‭ ‬«هل‭ ‬سيقنع‭ ‬التقرير‭ ‬المرجعيات‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬النجف‭ ‬الأشرف؟»‭.‬

وكان‭ ‬المرجع‭ ‬الديني‭ ‬الشيعي‭ ‬الأعلى‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬آية‭ ‬الله‭ ‬العظمى‭ ‬السيد‭ ‬علي‭ ‬السيستاني‭ ‬قد‭ ‬حمل‭ ‬القوات‭ ‬الأمنية‭ ‬مسؤولية‭ ‬الدماء‭ ‬التي‭ ‬سالت‭ ‬في‭ ‬التظاهرات،‭ ‬وأعطى‭ ‬الحكومة‭ ‬مهلة‭ ‬أسبوعين‭ ‬تنتهي‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬المقبل،‭ ‬لإجراء‭ ‬تحقيق‭ ‬وإعلان‭ ‬نتائجه‭.‬

‭- ‬‮«‬تقرير‭ ‬مخيب‭ ‬للآمال‮»‬‭ -‬

واعتبر‭ ‬المرصد‭ ‬العراقي‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬التقرير‭ ‬الحكومي‭ ‬«مخيب‭ ‬للآمال‭ ‬وفيه‭ ‬تغييب‭ ‬للحقائق‭ ‬(‭…‬)‭ ‬وابتعد‭ ‬عن‭ ‬تشخيص‭ ‬الجناة‭ ‬الحقيقيين»‭.‬

ودعا‭ ‬المرصد‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬بالتحقيق،‭ ‬متسائلاً‭ ‬«كيف‭ ‬للضباط‭ ‬المتهمين‭ ‬أن‭ ‬يستمروا‭ ‬بإطلاق‭ ‬الرصاص‭ ‬الحي‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يوقفهم‭ ‬قادتهم؟‭ ‬(‭…‬)‭ ‬هذه‭ ‬محاولة‭ ‬لامتصاص‭ ‬الغضب‭ ‬الشعبي»‭.‬

ويبدو‭ ‬أن‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة،‭ ‬الخامس‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬تشرين‭ ‬الأول/أكتوبر‭ ‬سيكون‭ ‬يوماً‭ ‬حافلاً،‭ ‬إذ‭ ‬يرتقب‭ ‬خروج‭ ‬تظاهرات‭ ‬تصادف‭ ‬مع‭ ‬انتهاء‭ ‬مهلة‭ ‬المرجعية،‭ ‬والذكرى‭ ‬الأولى‭ ‬لتولي‭ ‬حكومة‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬مهماتها‭.‬

وقد‭ ‬دعا‭ ‬الزعيم‭ ‬الشيعي‭ ‬البارز‭ ‬مقتدى‭ ‬الصدر‭ ‬أنصاره‭ ‬إلى‭ ‬تلبية‭ ‬دعوات‭ ‬استئناف‭ ‬التظاهرات‭ ‬المطلبية‭ ‬المناهضة‭ ‬للحكومة‭ ‬الجمعة‭.‬

وقال‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬مخاطبا‭ ‬المتظاهرين‭ ‬ليل‭ ‬السبت‭ ‬الأحد‭ ‬«عزمتم‭ ‬أمركم‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تتظاهروا‭ ‬في‭ ‬25‭ ‬من‭ ‬تشرين‭ ‬الأول/أكتوبر،‭ ‬وهذا‭ ‬حق‭ ‬من‭ ‬حقوقكم»‭.‬

وأضاف‭ ‬أن‭ ‬الساسة‭ ‬الحاليين‭ ‬«يحاولون‭ ‬تدارك‭ ‬أمرهم‭ ‬(‭…‬)‭ ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬ولن‭ ‬يستطيعوا،‭ ‬فقد‭ ‬فات‭ ‬الأوان»‭.‬

وكان‭ ‬رجل‭ ‬الدين‭ ‬النافذ‭ ‬الذي‭ ‬يدعم‭ ‬تحالف‭ ‬«سائرون»‭ ‬البرلماني‭ ‬الذي‭ ‬فاز‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬في‭ ‬أيار/مايو‭ ‬2018،‭ ‬دعا‭ ‬في‭ ‬الرابع‭ ‬من‭ ‬الشهر‭ ‬الحالي،‭ ‬إلى‭ ‬استقالة‭ ‬الحكومة‭ ‬وإجراء‭ ‬انتخابات‭ ‬مبكرة‭ ‬«بإشراف‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة»‭.‬

ويشير‭ ‬خبراء‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬إصلاحات‭ ‬جذرية‭ ‬يطالب‭ ‬بها‭ ‬العراقيون‭ ‬بعد‭ ‬أربعة‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬يحتل‭ ‬المرتبة‭ ‬12‭ ‬في‭ ‬لائحة‭ ‬البلدان‭ ‬الأكثر‭ ‬فساداً‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬تأجيلاً‭ ‬للمشكلة‭.‬

مشاركة