‭ ‬إمام‭ ‬الثقافة‭ ‬اليمنية‭ ‬ومفتيها‭..‬المقالح‭ ‬الشاعر‭ ‬والانسان‭ ‬والهوية

الراحل الدكتور عبدالعزيز المقالح
الكاتب الالماني عنتر غراس في صنعاء ولقاءات مع المقالح

في‭ ‬ذكرى‭ ‬رحيل‭ ‬الشاعر‭ ‬الكبير‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬المقالح‭ ‬

أمل الجبوري/ لندن

من‭ ‬أعقدِ‭ ‬وأشدِ‭ ‬اللحظاتِ‭ ‬مرارةً‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تُفْقدُ‭ ‬الإنسانَ‭ ‬المقدرةَ‭ ‬على‭ ‬رثاءِ‭ ‬مَن‭ ‬يحب،‭ ‬هي‭ ‬لحظاتُ‭ ‬فقدانِه‭ ‬أحبةً‭ ‬تصوَّر‭ ‬أنهم‭ ‬أزليون،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬في‭ ‬دارٍ‭ ‬لا‭ ‬يصلها‭ ‬الحي‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬الموت،‭ ‬لذلك‭ ‬مرت‭ ‬ثلاثون‭ ‬عامًا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أتمكن‭ ‬من‭ ‬كتابةِ‭ ‬كلمةً‭ ‬واحدةً‭ ‬أرثي‭ ‬بها‭ ‬والدي‭ ‬رحمه‭ ‬الله،‭ ‬والحالُ‭ ‬نفسُه‭ ‬مع‭ ‬الكتابة‭ ‬عن‭ ‬الصديق‭ ‬شاعر‭ ‬اليمن‭ ‬الكبير‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬المقالح،‭ ‬الذي‭ ‬لولا‭ ‬قول‭ ‬ربنا‭ ‬لنبيه‭ ‬‮«‬إنك‭ ‬ميت‭ ‬وإنهم‭ ‬ميتون‮»‬‭ ‬لما‭ ‬أيقنّا‭ ‬وتقبَّلنا‭ ‬هذا‭ ‬الحق‭ ‬الذي‭ ‬أغلب‭ ‬الناس‭ ‬له‭ ‬كارهون‭.‬

سأتناول‭ ‬مراحل‭ ‬أظنها‭ ‬مهمةً‭ ‬في‭ ‬تقديمِ‭ ‬صورةِ‭ ‬الأنسانِ‭ ‬الكبيرِ‭ ‬في‭ ‬شخصية‭ ‬الشاعر،‭ ‬لأنّ‭ ‬المقالح‭ ‬قد‭ ‬جمع،‭ ‬وبجدارة،‭ ‬شرفَ‭ ‬النفسِ‭ ‬وشرفَ‭ ‬الكتابةِ‭ ‬المبدعةِ،‭ ‬وهذه‭ ‬ميزةٌ‭ ‬نادرةٌ‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يجمعها‭ ‬شاعرٌ‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭ ‬الظلامي‭ ‬هذا‭ .‬

تمتد‭ ‬معرفتي‭ ‬بالمقالح‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثين‭ ‬عامًا،‭ ‬فحينما‭ ‬ذهبت‭ ‬في‭ ‬أولِ‭ ‬زيارةٍ‭ ‬لي‭ ‬لباريس‭ ‬عام‭ ‬‮٠٩٩١‬‭ ‬قبل‭ ‬شهرين‭ ‬من‭ ‬زلزالِ‭ ‬احتلالِ‭ ‬العراق‭ ‬للكويت،‭ ‬كنت‭ ‬أحملُ‭  ‬قصائدَ‭ ‬شعراءِ‭ ‬الجيلِ‭ ‬الثمانيني‭ ‬الذي‭ ‬أنتمي‭ ‬إليه‭ ‬لأقدِمُها‭ ‬هديةً‭ ‬إلى‭ ‬الشاعر‭ ‬ادونيس،‭ ‬فكان‭ ‬أولَ‭ ‬مَعْلمٍ‭ ‬حضاريٍ‭ ‬أتعرف‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المدينةِ‭ ‬هو‭ ‬ادونيس،‭ ‬الذي‭ ‬شَعَرَ‭ ‬بشعفي‭ ‬للتعريف‭ ‬بالشعراءِ‭ ‬العراقيين‭ ‬الشباب،‭ ‬لذا‭  ‬اقترح‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أخبر‭ ‬من‭ ‬أعرفهم‭ ‬لكي‭ ‬يحضروا‭ ‬فعاليات‭ ‬مؤتمر‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬والاسباني‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬اليمنية‭  ‬صنعاء‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬تموز‭ ‬‮٠٩٩١‬،‭ ‬وقد‭ ‬وجدتها‭ ‬فرصة‭ ‬ذهبية‭ ‬للتعرفِ‭ ‬عن‭ ‬قربٍ‭ ‬على‭ ‬خارطةٍ‭ ‬أوسعِ‭ ‬للشعراء‭ ‬العرب‭ ‬والاسبان،‭ ‬الذين‭ ‬كنا‭ ‬نعرفُ‭ ‬العديدَ‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كتاباتِهم‭.‬‭ ‬

من‭ ‬مطار‭ ‬بغداد‭ ‬الى‭ ‬صنعاء

مرت‭ ‬الأيام،‭ ‬حتى‭ ‬وجدنا‭ ‬أنفسَنا‭ ‬في‭ ‬مطار‭ ‬بغداد،‭ ‬أنا‭ ‬وزميلتي‭ ‬الشاعرة‭ ‬دنيا‭ ‬ميخائل،‭ ‬التي‭ ‬شاركتني‭ ‬هذه‭ ‬المغامرة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬نحسب‭ ‬عواقَبها‭ ‬ولم‭ ‬نخطط‭ ‬لها‭ ‬أبدًا؛‭ ‬لأن‭ ‬تفكيرنَا‭ ‬كان‭ ‬منصبًّا‭ ‬في‭ ‬بوصلةٍ‭ ‬واحدةٍ‭ ‬هي‭ ‬الشعر‭. ‬شاهدت‭ ‬بالمصادفة‭ ‬الشاعر‭ ‬عبد‭ ‬الوهاب‭ ‬البياتي‭ ‬في‭ ‬مطارِ‭ ‬بغداد‭ ‬أيضًا،‭ ‬وهو‭ ‬صديق‭  ‬لي‭  ‬ولأسرتي‭ ‬منذ‭ ‬الثمانينيات،‭ ‬فتعجب‭ ‬من‭ ‬وجودنا‭ ‬وراح‭ ‬يسألني‭ ‬أين‭ ‬وجهتك؟‭ ‬أجبته‭:‬‭ ‬إلى‭ ‬اليمن‭ ‬لحضور‭ ‬مهرجان‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬الاسباني،‭ ‬فابتسم‭ ‬قائلًا‭ ‬لنا‭ ‬بصوتٍ‭ ‬منخفضٍ‭:‬‭ ‬‭”‬جميلٌ،‭ ‬إذًا‭ ‬سنراكما‭ ‬هناك‭”‬،  ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬انتهى‭ ‬من‭ ‬جملته‭ ‬هذه،‭ ‬حتى‭ ‬جاء‭ ‬شعراءٌ‭ ‬آخرون،‭ ‬كان‭ ‬بعضُهم‭ ‬يترأسُ‭ ‬الصحيفةَ‭ ‬الرسميةَ،‭ ‬والبعض‭ ‬الآخر‭ ‬شغلوا‭ ‬مناصبَ‭ ‬إداريةٍ‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬والإعلام‭ ‬العراقية‭.  ‬نظروا‭ ‬إلينا‭ ‬باستغرابٍ،‭ ‬من‭ ‬توقيت‭ ‬وجودنا‭ ‬معهم،‭ ‬متسائلين‭ ‬أيضا‭ ‬عن‭ ‬وجهة‭ ‬سفرنا،‭ ‬لكنَّ‭ ‬إجابتَنا‭ ‬جعلتْ‭ ‬نظرَتَهم‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬شيء‭ ‬غير‭ ‬مريح،‭ ‬والظنُ‭ ‬كلُّه،‭ ‬هو‭ ‬النظرة‭ ‬الفوقية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يتعاملُ‭ ‬بها‭ ‬بعضُ‭ ‬شعراءِ‭ ‬الأجيالِ‭ ‬السابقةِ‭ ‬مع‭ ‬الشعراء،‭ ‬من‭ ‬أمثالنِا‭ ‬تحديدًا،‭ ‬من‭ ‬شعراء‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر‭.‬

لذلك‭ ‬أصبحت‭ ‬الساعاتُ‭ ‬التي‭ ‬أقلتنا‭ ‬في‭ ‬الطائرةِ،‭ ‬طويلةً‭ ‬وثقيلةً،‭ ‬بثقل‭ ‬الهمِ،‭ ‬حينما‭ ‬يجثم‭ ‬في‭ ‬القلوب؛‭ ‬ولا‭ ‬نعرفُ‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬سنفعله‭ ‬أنا‭ ‬وصديقتي،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬حُسْبَانِنا‭ ‬أبدًا‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المؤتمر‭ ‬الشعري‭ ‬قد‭ ‬وجَّه‭ ‬دعواتٍ‭ ‬رسميةٍ‭ ‬لنخبةِ‭ ‬الشعراءِ‭ ‬العراقيين‭ ‬آنذاك،‭ ‬ولكنْ‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬اقتربْنَا‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬والنزول‭ ‬من‭ ‬الطائرة،‭ ‬حتى‭ ‬تبدد‭ ‬شيءٌ‭ ‬من‭ ‬قلقي‭ ‬لأن‭ ‬مجموعةَ‭ ‬اليمنيين‭ ‬الذي‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬استقبالِ‭ ‬الوفدِ،‭ ‬والتي‭ ‬وقفت‭ ‬قربَ‭ ‬سلمَ‭ ‬الطائرةِ،‭ ‬ظنّت‭ ‬أننا‭ ‬أيضًا‭ ‬مع‭ ‬الشعراءِ‭ ‬المدعوين‭. ‬وهكذا‭ ‬قادت‭ ‬المصادفةُ‭ ‬لأن‭ ‬يتعامل‭ ‬معنا‭ ‬المضيفُ‭ ‬اليمنيُ،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسهم‭ ‬الشاعر‭ ‬المقالح،‭ ‬كجزءٍ‭ ‬من‭ ‬الوفدِ‭ ‬العراقي‭.‬

ولكن‭ ‬للأسف،‭ ‬فرحتي‭ ‬لم‭ ‬تستمر‭ ‬لأنه،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو،‭ ‬قد‭ ‬قام‭ ‬أحدُ‭ ‬الشعراءِ‭ ‬الرسميين‭ ‬العراقيين‭ ‬بإخبار‭ ‬المنظمين‭ ‬اليمنيين،‭ ‬بأننا‭ ‬لا‭ ‬نمثل‭ ‬الوفدَ‭ ‬العراقي‭ ‬‭(‬‭ ‬بالمناسبة‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بموقفٍ‭ ‬سياسيٍ‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يتصور‭ ‬القارئُ‭ ‬دورَ‭ ‬بطولةٍ‭ ‬وهميٍ‭ ‬لنا،‭ ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬أحدٌ‭ ‬يجرؤ‭ ‬على‭ ‬ذلك؛‭ ‬ولكن‭ ‬كما‭ ‬أشرت،‭ ‬لموقفهم‭ ‬السلبي‭ ‬من‭ ‬شعراءِ‭ ‬قصيدة‭ ‬النثر‭).‬

دور‭ ‬أخلاقي‭ ‬سام‭ ‬للمقالح

بالطبع،‭ ‬الموقف‭ ‬هذا،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬نحسد‭ ‬عليه،‭ ‬أنا‭ ‬وصديقتي،‭ ‬جعلنا‭ ‬نقرر‭ ‬العودةَ‭ ‬الى‭ ‬بغداد‭ ‬على‭ ‬أولِ‭ ‬طائرةٍ،‭ ‬لكن‭ ‬المشكلةَ‭ ‬أن‭ ‬الطيران‭ ‬كان‭ ‬أسبوعيًا‭ ‬بين‭ ‬اليمن‭ ‬والعراق،‭ ‬لذلك‭ ‬صار‭ ‬وجودنا‭ ‬إجباريًا‭ ‬في‭ ‬المؤتمر‭ ‬الشعري‭… ‬وهنا،‭ ‬لن‭ ‬أدخل‭ ‬في‭ ‬تفاصيلِ‭ ‬ما‭ ‬حدث،‭ ‬ولكن‭ ‬أبين‭ ‬للقارئ‭ ‬فقط‭ ‬دورَ‭ ‬المقالح‭ ‬الإنساني‭ ‬الأبوي،‭ ‬لأنه‭ ‬أشرف‭ ‬بنفسه،‭ ‬التي‭ ‬أبت‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬نُعاملَ‭ ‬بكلِ‭ ‬احترامٍ،‭ ‬وكأننا‭ ‬فعلًا‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬المدعوين‭ ‬الرسميين‭. ‬ومن‭ ‬العراقيين‭ ‬الذين‭ ‬لعبوا‭ ‬دورًا‭ ‬أخلاقيًا‭ ‬في‭ ‬التخفيف‭ ‬عنا،‭ ‬كان‭ ‬الشاعرُ‭ ‬الكبيرُ‭ ‬علي‭ ‬جعفر‭ ‬العلاق‭ ‬والشاعر‭ ‬المغربي‭ ‬محمد‭ ‬بنيس،‭ ‬والشاعر‭ ‬البحريني‭ ‬قاسم‭ ‬حداد‭ ‬والشاعر‭ ‬اللبناني‭ ‬عباس‭ ‬بيضون‭ ‬وآخرون،‭ ‬،‭ ‬فبعد‭ ‬ما‭ ‬أخبر‭ ‬المقالحَ‭ ‬برغبتي‭ ‬في‭ ‬توثيقِ‭ ‬وأَرْشَفَةِ‭ ‬فعاليات‭ ‬المؤتمر،‭ ‬رَحَّبَ‭ ‬المقالحُ‭ ‬بالفكرةِ،‭ ‬إذ‭ ‬وفر‭ ‬لي‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬وزير‭ ‬الثقافة‭ ‬آنذاك،‭ ‬الشاعر‭ ‬حسن‭ ‬اللوزي،‭ ‬طاقمَ‭ ‬تصويرٍ‭ ‬كي‭ ‬أتمكن‭ ‬من‭ ‬العمل،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬أكون‭ ‬مفيدةً‭ ‬في‭ ‬وجودي،‭ ‬وأوثق‭ ‬أحداثَ‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬الشعري‭ ‬المهم‭. ‬وبالفعل‭ ‬تم‭ ‬بث‭ ‬حلقةً‭ ‬خاصةً‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬برنامج‭ ‬الغد‭ ‬الثقافي‭ ‬الذي‭ ‬يُعْنى‭ ‬بالأدباء‭ ‬الشباب،‭ ‬وقدمت‭ ‬نسخةً‭ ‬هديةً‭ ‬إلى‭ ‬التلفزيون‭ ‬اليمني‭. ‬

ثم‭ ‬عدتُ‭ ‬إلى‭ ‬بغداد،‭ ‬لتتحول‭ ‬تلك‭ ‬الزيارةُ،‭ ‬بكل‭ ‬تناقضاتِها،‭  ‬وحلوِها‭ ‬ومرِها،‭ ‬إلى‭ ‬حبل‭ ‬السرة‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬الأنسانَ‭ ‬بنبضِ‭ ‬الحياةِ‭. ‬هكذا‭ ‬صنعتُ‭ ‬الأقدارُ‭ ‬بتلك‭ ‬المصادفة‭ ‬وبعنوانها‭ ‬الشعري‭ ‬علاقةَ‭ ‬محبةٍ‭ ‬راسخةٍ‭ ‬بيني‭ ‬وبين‭ ‬اليمن‭. ‬والدورُ‭ ‬الأهمُ‭ ‬كان‭ ‬للمقالح،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬شديدَ‭ ‬الحرصِ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يطلعَ‭ ‬ضيوفُ‭ ‬المهرجان‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬موجود‭ ‬من‭ ‬نتاجٍ‭ ‬ثقافيٍ‭ ‬مهم،‭ ‬لكنه‭ ‬مهملٌ‭ ‬من‭ ‬قِبَلِ‭ ‬إعلامِنا‭ ‬العربي،‭ ‬فكان‭ ‬يَود‭ ‬أن‭ ‬يخلق‭ ‬علاقةً‭ ‬رُوحيةً‭ ‬أزليةً‭ ‬بين‭ ‬أيّ‭ ‬زائرٍ‭ ‬غريبٍ‭ ‬وبين‭ ‬صنعاء،‭ ‬مدينته‭ ‬التي‭ ‬أحبها‭ ‬حتى‭ ‬كرِه‭ ‬الابتعادَ‭ ‬عنها،‭ ‬وقاطع‭ ‬السفر‭. ‬

‭ ‬تلك‭ ‬العلاقةُ‭ ‬بين‭ ‬الغرباء‭ ‬عن‭ ‬صنعاء،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬العرب‭ ‬أم‭ ‬من‭ ‬الثقافات‭ ‬الأخرى،‭ ‬كانت‭ ‬منجزًا‭ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬منجزاتِ‭ ‬الشاعرِ‭ ‬الكبيرِ‭ ‬المقالح،‭ ‬تعبيرًا‭ ‬عن‭ ‬الوفاءِ‭ ‬ليمنِه‭ ‬وصنعائِه‭. ‬فهداياه‭ ‬وعطاياه‭ ‬يتقدمها‭ ‬البُنُ‭ ‬اليمنيُ،‭ ‬العلامةُ‭ ‬الفارقةُ‭ ‬في‭ ‬هبات‭ ‬الخالقِ‭ ‬لهذا‭ ‬البلدِ‭ ‬الكريمِ؛‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬أولَ‭ ‬ما‭ ‬يقدمه‭ ‬لهؤلاء‭ ‬الضيوف،‭ ‬وهو‭ ‬يتحدث‭ ‬بفخرٍ‭ ‬عن‭ ‬ريادةِ‭ ‬اليمن،‭ ‬وكرمِه،‭ ‬في‭ ‬منح‭ ‬العالم‭ ‬رائحةَ‭ ‬القهوة‭ ‬ومذاقَها‭ ‬الأصيل‭ ‬العابر‭ ‬للقارات‭.‬

مرت‭ ‬السنواتُ‭ ‬حُبلى‭ ‬بأحداث‭ ‬ما‭ ‬مر‭ ‬بالعراق‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬1991،‭ ‬فوجدتُني‭ ‬أزورُ‭ ‬صنعاءَ‭ ‬ثانيةً‭ ‬بدعوةٍ‭ ‬من‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬اليمنية‭. ‬ولكن‭ ‬كان‭ ‬الطريقُ‭ ‬إليها‭ ‬عام‭ ‬1999‭  ‬من‭ ‬منفاي‭ ‬الألماني‭ ‬في‭ ‬ميونخ،‭  ‬وليس‭ ‬من‭ ‬بغداد،‭ ‬فلابد‭ ‬من‭ ‬لقاءِ‭ ‬المقالحِ،‭ ‬وأن‭ ‬طالَ‭ ‬السفرُ‭ ‬إلى‭ ‬صنعاء،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬زيارتي‭ ‬لها‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬تحت‭ ‬ظرفٍ‭ ‬وسياقٍ‭ ‬تاريخيٍ‭ ‬مختلفٍ،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬العراق‭ ‬والعراقيون‭ ‬يعانون‭ ‬قسوة‭ ‬الحرب‭ ‬والحصار،‭ ‬وإذا‭ ‬بصنعاءِ‭ ‬واليمن‭ ‬عمومًا‭ ‬يتحولان‭ ‬إلى‭ ‬المنقذ‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬أستاذة‭ ‬الجامعات‭ ‬العراقية‭ ‬والمدرسين‭ ‬وأسرِهم‭. ‬

اليمن‭ ‬يحتضن‭ ‬الكفاءات‭ ‬العربية

اليمنُ‭ ‬الذي‭ ‬فتح‭ ‬حدودَه‭ ‬لهذه‭ ‬الكفاءات‭ ‬المهمةِ،‭ ‬التي‭ ‬حاصرها‭ ‬الجوعُ‭ ‬والرعبُ،‭ ‬فكانت‭ ‬تلك‭ ‬البلد‭ ‬العربية‭ ‬هي‭ ‬أولَ‭ ‬بلدٍ‭ ‬يرحبُ‭ ‬بالعراقيين‭ ‬دون‭ ‬شروطٍ‭ ‬مذلةٍ‭. ‬ووفروا‭ ‬لهم‭ ‬فرصةَ‭ ‬العيشِ‭ ‬الكريمِ،‭ ‬وحفظوا‭ ‬كرامةَ‭ ‬العراقيين،‭ ‬حتى‭ ‬المعارضين‭ ‬منهم‭ ‬للنظام‭ ‬العراقي‭ ‬السابق،‭ ‬طالما‭ ‬لم‭ ‬يقترب‭ ‬العراقي‭ ‬المقيم‭ ‬من‭ ‬الشأن‭ ‬الداخلي‭ ‬اليمني‭ ‬فانه‭ ‬مرحب‭ ‬به‭.  ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬الشاعرُ‭ ‬الكبيرُ‭ ‬المقالحُ‭ ‬يشغل‭ ‬منصبَ‭ ‬رئيسِ‭ ‬جامعة‭ ‬صنعاء،‭ ‬لذلك‭ ‬كانت‭ ‬له‭ ‬اليدُ‭ ‬والفضلُ‭ ‬الكبيرُ،‭ ‬بعد‭ ‬الله،‭ ‬على‭ ‬صيانةِ‭ ‬وإدامةِ‭ ‬حياةِ‭ ‬الالاف‭ ‬من‭ ‬العراقيين،‭ ‬بتسهيل‭ ‬التعاقدِ‭ ‬معهم‭ ‬كأساتذةٍ‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬صنعاء،‭ ‬وأيضًا‭ ‬تسهيل‭ ‬فوج‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬قبوله‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬جامعات‭ ‬أخرى‭. ‬وفتح‭ ‬اليمنُ‭ ‬أبوابَه‭ ‬وقبلها‭ ‬قلبَه‭ ‬للعراقيين،‭ ‬وعلى‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭ ‬المثقفين‭ ‬منهم‭ ‬وأساتذة‭ ‬الجامعة‭. ‬وكان‭ ‬المقالح‭ ‬قليل‭ ‬الكلام،‭ ‬ولكنه‭ ‬أكثرهم‭ ‬فعلاً،‭ ‬الذي‭ ‬لعب‭ ‬دورًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭  ‬لما‭  ‬له‭ ‬من‭ ‬سطوةِ‭ ‬أخلاقيةٍ،‭ ‬وثقلٍ‭ ‬إبداعيٍ‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬تهابُه‭ ‬السلطةُ‭ ‬السابقةُ،‭ ‬وأظن‭ ‬تهابه‭ ‬كذلك‭ ‬كلُ‭ ‬سلطةٍ،‭ ‬كونُه‭ ‬مثَّل،‭ ‬ومازال،‭ ‬الوجه‭ ‬الناصع‭ ‬للحكمة‭ ‬اليمانية‭ ‬ولكرمِ‭ ‬وصبرِ‭ ‬وخلقِ‭ ‬أهلِ‭ ‬اليمنِ‭ ‬وأصالتِهم‭.‬

لقد‭ ‬كانت‭ ‬زيارتي‭ ‬الثانية‭ ‬لصنعاء‭ ‬بدايةَ‭ ‬مخاضٍ‭ ‬لولادةِ‭ ‬حراكٍ‭  ‬ثقافيٍ‭ ‬عالميٍ‭ ‬احتضنته‭ ‬اليمنُ؛‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬للمقالح‭ ‬دورٌ‭ ‬مهمٌ‭  ‬في‭ ‬السعي‭ ‬بكل‭ ‬ثِقَلِهِ‭ ‬المعرفيِّ،‭ ‬وحضورِه‭ ‬الإبداعِيِّ،‭ ‬لكي‭ ‬تتحقق‭ ‬هذه‭ ‬اللقاءاتُ‭  ‬والحواراتُ‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭. ‬وعمل‭ ‬ليلَ‭ ‬نهارٍ‭ ‬على‭ ‬نجاحها،‭ ‬كونَه‭ ‬آمن‭ ‬مثل‭ ‬هيردر،‭ ‬فيلسوف‭ ‬ألمانيا،‭  ‬الذي‭ ‬راهن‭ ‬على‭ ‬دورِ‭ ‬الشعرِ‭ ‬الحيوي‭ ‬في‭ ‬التعريفِ‭ ‬بثقافات‭ ‬الشعوبِ‭ ‬والتقريبِ‭ ‬بينها،‭ ‬لأن‭ ‬الشعر‭ ‬يبقى‭ ‬أكثرَ‭ ‬فاعليةً‭ ‬من‭ ‬السياسة‭. ‬لذلك‭ ‬دعَّمَ‭ ‬فكرةَ‭ ‬الاستمرارِ‭ ‬في‭ ‬اللقاءات‭ ‬الشعرية‭ ‬العالمية،‭ ‬التي‭ ‬تُقَدِّمُ‭ ‬الشعرَ‭ ‬والثقافةَ‭ ‬العربيةَ‭ ‬أمام‭ ‬ثقافةٍ‭ ‬أخرى‭. ‬ولتفعيل‭ ‬دورَ‭ ‬اليمنِ‭ ‬الرياديِّ‭ ‬الذي‭ ‬ابتدأه‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1990‭ ‬في‭ ‬لقاء‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬الأسباني‭. ‬

حكاية‭ ‬أول‭ ‬لقاء

فولد‭ ‬عام‭ ‬2000‭ ‬أولُ‭ ‬لقاءٍ‭ ‬شعريٍ‭ ‬ضمَّ‭ ‬الشعراءَ‭ ‬العربَ‭ ‬والألمان‭.  ‬وكان‭ ‬لليمن‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬بصوت‭ ‬شاعرها‭ ‬المقالح،‭  ‬الذي‭ ‬بقي‭ ‬يُسْقِي‭ ‬هذه‭ ‬الفكرةَ،‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬يملك‭ ‬من‭ ‬دعم‭ ‬المسؤولين‭ ‬عنها،‭  ‬حتى‭ ‬دُهِشَ‭ ‬شاعرٌ‭ ‬كبيرٌ،‭ ‬مثل‭ ‬انتنسبيرغر،‭ ‬وهو‭ ‬يعتبر‭ ‬شاعرُ‭ ‬ألمانيا‭ ‬الأكبرُ،‭ ‬بما‭ ‬شاهده‭ ‬من‭ ‬جمالٍ‭ ‬وكرمٍ‭ ‬وإبداعٍ‭ ‬ثقافيٍ‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬وأيضًا‭ ‬بتَعَرُّفِه‭ ‬والآخرون‭ ‬من‭ ‬الألمان‭ ‬على‭ ‬ثقافاتٍ‭ ‬متعددةٍ‭ ‬من‭ ‬الشعرِ‭ ‬العربيِ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الشعراءِ‭ ‬العربِ‭ ‬الذين‭ ‬شاركوا‭.  ‬أتذكر‭ ‬في‭ ‬كلِ‭ ‬حادثةٍ‭ ‬كادت‭ ‬أن‭ ‬يُلْغَى‭ ‬المؤتمرُ‭ ‬بسببِها،‭ ‬كان‭ ‬المقالحُ‭ ‬بصوتٍ‭ ‬ثابتٍ‭ ‬واثقٍ‭ ‬يقول‭ ‬لي‭:‬‭ ‬‭”‬لا‭ ‬تقلقي،‭ ‬سوف‭ ‬يكون‭ ‬كلُ‭ ‬شيء‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يرام،‭  ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬بقيت‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬دقيقة،‭  ‬فاليمن‭  ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬الاجراءات‭ ‬فيه‭ ‬بطيئةً،‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان،‭ ‬لكن‭ ‬يتحقق‭ ‬كلُ‭ ‬شيءٍ‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬لحظة‭”.‬‭ ‬وفعلًا،‭ ‬كنا‭ ‬بدعمِه‭ ‬المعنويِّ،‭ ‬مع‭ ‬الشخصيات‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬القرار،‭ ‬نتمكنُ‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬اللحظات‭ ‬من‭ ‬انجاز‭ ‬عرسٍ‭ ‬ثقافيٍ،‭ ‬بقي‭ ‬الألمان‭ ‬يستشهدون‭ ‬به‭ ‬كلَّما‭ ‬جاء‭ ‬الحديثُ‭ ‬عن‭ ‬الحوار‭ ‬العربي‭ ‬الألماني‭. ‬فالدكتور‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬المقالح‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬فقط‭ ‬هو‭ ‬الابُ‭ ‬الروحيُ‭ ‬للأفكار،‭ ‬ولكن‭ ‬للإصرار‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الحلمِ‭ ‬إلى‭ ‬حقيقة‭.‬

زيارة‭ ‬صاحب‭ ‬نوبل‭ ‬للأداب

ثم‭  ‬جاءت‭  ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬زيارة‭  ‬غونتر‭ ‬غراس،‭ ‬الروائي‭ ‬الألماني‭ ‬الحائز‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل،‭ ‬لليمن‭  ‬عام‭ ‬2002‭ ‬قبل‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬بدء‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬العراق،‭ ‬ذلك‭ ‬الحدث‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬عمر‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬واليمنية‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص،‭ ‬وأيضًا‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الالمانية‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالحوارِ‭ ‬الثقافيِّ‭ ‬الجادِ‭ ‬والمتفردِ،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بحضورِ‭ ‬أسماءٍ‭ ‬كبيرةٍ‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬العرب‭ ‬والألمان،‭ ‬أمثالِ‭ ‬محمود‭ ‬درويش،‭ ‬وادونيس،‭  ‬وآخرين،‭ ‬بل‭ ‬للحرية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬سقفًا‭  ‬مفتوحًا‭  ‬في‭  ‬مناقشةِ‭ ‬أكثرِ‭ ‬القضايا‭ ‬حساسيةً‭  ‬وتعقيدًا‭  ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬السياسي‭ ‬والعقائدي‭. ‬وكان‭ ‬المقالح‭ ‬يحاول‭ ‬بسطوتِه‭ ‬الثقافية‭ ‬وأُبُوَتِه‭ ‬للمشهد‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬تذليلَ‭ ‬العقبات‭ ‬العديدة،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬أشبه‭ ‬بالمخاض،‭ ‬الذي‭ ‬شابه‭ ‬في‭ ‬فصوله‭ ‬اللقاءَ‭ ‬العربي‭ ‬الالماني‭ ‬الاول‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬‮٠٠٠٢‬‭. ‬فقد‭ ‬اشعلت‭ ‬تلك‭ ‬المهرجانات‭ ‬حروب‭ ‬بعض‭ ‬الكتاب‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬تتم‭ ‬دعوتهم‭ ‬وإشراكهم‭ ‬في‭ ‬الأحداث‭ ‬الثقافي‭ ‬آنذاك،‭ ‬خاصة‭ ‬من‭  ‬المقيمين‭  ‬في‭ ‬ألمانيا‭.‬

حيث‭ ‬كان‭ ‬يمتلئ‭ ‬بريدُ‭ ‬المقالح‭ ‬وغراس،‭ ‬ومن‭ ‬قبلهما‭ ‬شاعر‭ ‬ألمانيا‭ ‬الأكبر،‭ ‬انتنسنسبيرغر،‭  ‬برسائل‭ ‬مليئة‭ ‬بالشتائم‭ ‬والتهم،‭ ‬وهي‭ ‬تُشبه‭ ‬إلى‭ ‬حدٍ‭ ‬كبيرٍ‭ ‬التقاريرَ‭ ‬التي‭ ‬يكتُبُها‭ ‬المخبرون‭ ‬في‭ ‬الدولِ‭ ‬البوليسيةِ،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إقناع‭ ‬غراس،‭ ‬وقبله‭ ‬انتنسبيرغر،‭ ‬بعدم‭ ‬زيارة‭ ‬اليمن،‭ ‬ورَفْضِ‭ ‬المشاركةِ‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللقاءاتِ‭ ‬الثقافيةِ‭. ‬فلم‭ ‬يختلف‭ ‬أبدًا‭ ‬الشاعر‭ ‬الكبير،‭ ‬المقالح،‭ ‬في‭ ‬سلوكِهِ،‭ ‬وموقِفِهِ‭ ‬الحضاري،‭ ‬عن‭ ‬زميليه‭ ‬الألمانيين،‭ ‬غراس‭ ‬وانتنسبيرغر،‭ ‬في‭ ‬رمي‭ ‬تلك‭ ‬التقارير‭ ‬في‭ ‬حاويات‭ ‬النفايات؛‭ ‬و‭ ‬بعض‭ ‬النسخ‭ ‬التي‭ ‬احتفظت‭ ‬بها‭ ‬للكتابة‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬التاريخية،‭ ‬التي‭ ‬انتصرت‭ ‬إرادة‭ ‬اليمن‭ ‬والثقافة‭ ‬على‭ ‬ظلامية‭ ‬ثقافة‭ ‬التضليل‭ ‬والتقسيط‭.‬

‭ ‬فقد‭ ‬أصر‭ ‬الشاعر‭ ‬المقالح‭ ‬على‭ ‬عدمِ‭ ‬الالتفاتِ‭ ‬إلى‭ ‬هؤلاء،‭ ‬والتركيز‭ ‬على‭ ‬تحقيقِ‭ ‬الهدفِ،‭ ‬وهو‭ ‬نجاحُ‭ ‬وتحقيقُ‭ ‬حوارٍ‭ ‬حقيقيٍ‭ ‬تحضر‭ ‬الثقافةُ‭ ‬العربيةُ،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اليمن،‭ ‬كلُّها‭ ‬بأصالتها،‭ ‬وعراقتها،‭ ‬وجمالِ‭ ‬تنوعِّها‭. ‬ولتأكيد‭ ‬حضورِ‭ ‬التنوعِ‭ ‬اليمنيٍ‭ ‬أيضًا،‭ ‬أصر‭ ‬غونتر‭ ‬غراس‭ ‬على‭ ‬تحقيقِ‭ ‬لقاءٍ‭ ‬بالمعارضة‭ ‬اليمنية‭ ‬في‭ ‬الداخل،‭ ‬وكان‭ ‬له‭ ‬ما‭ ‬أراد‭.  ‬وكانت‭ ‬شخصية‭ ‬جار‭ ‬الله‭ ‬عمر‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬الذي‭ ‬اغتيل‭ ‬بعدها‭ ‬بشهورٍ،‭ ‬هي‭ ‬الشخصيةُ‭ ‬الأبرزُ‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اللقاءِ‭. ‬وقد‭ ‬طلب‭ ‬غراس‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬يتعرف‭ ‬على‭ ‬برنامجَ‭ ‬التأهيلِ‭ ‬والاندماجِ،‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬شرعت‭ ‬فيه‭ ‬الحكومة‭ ‬اليمنية‭ ‬آنذاك‭ ‬بالنسبة‭ ‬لليمنيين‭ ‬الذي‭ ‬كانوا‭ ‬قد‭ ‬انضموا‭ ‬لتنظيم‭ ‬القاعدة،‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬السجون‭ ‬اليمنية‭. ‬وهذه‭ ‬القضيةُ‭ ‬أيضًا‭ ‬كانت‭ ‬حاضرةً‭ ‬في‭ ‬الزيارة‭ ‬الأولى،‭ ‬وكان‭ ‬للدكتور‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬الارياني‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬دورًا‭ ‬في‭ ‬تسهيل‭ ‬اللقاء‭ ‬بأحد‭ ‬القضاةِ،‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬الفاعلين‭ ‬على‭ ‬برنامج‭ ‬الاندماج‭ ‬واعادة‭ ‬التأهيل‭ ‬لهذه‭ ‬العناصر‭ ‬المتطرفة‭.‬

الحوار‭ ‬العربي‭ ‬الألماني‭ ‬من‭ ‬عدن

وحينما‭ ‬عرضنا‭ ‬على‭ ‬المقالح‭ ‬فكرةَ‭ ‬افتتاحِ‭ ‬الحوارِ‭ ‬العربِّي‭ ‬الألماني‭ ‬عام‭ ‬2002،‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للبلاد‭ ‬في‭ ‬عدن،‭ ‬كان‭ ‬متحمسًا‭ ‬وداعمًا،‭ ‬فوافق‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يحضر؛‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬حبه‭ ‬مغادرةَ‭  ‬صنعاء‭. ‬وقد‭ ‬بقيت‭ ‬هذه‭ ‬العادةُ‭ ‬ملازمةً‭ ‬له‭ ‬حتى‭ ‬رحيِلِهِ‭. ‬بقي‭ ‬أن‭ ‬أقول‭:‬‭ ‬إنَّ‭ ‬لقاءات‭ ‬غونتر‭ ‬غراس‭ ‬والشاعر‭ ‬الدكتور‭ ‬المقالح،‭ ‬رغم‭ ‬وقوف‭ ‬اللغة‭ ‬عائقًا‭  ‬بين‭ ‬الاثنين،‭ ‬لكن‭ ‬ابتسامةَ‭  ‬المقالح،‭ ‬وَتَرْحِيبَهُ‭ ‬بغراس‭ ‬على‭ ‬طريقتِهِ،‭ ‬كانت‭ ‬العاملَ‭ ‬الأهم‭ ‬الذي‭ ‬ميز‭ ‬تلك‭ ‬اللقاءات‭ ‬بعفوية‭ ‬بصدق‭ ‬كبيرين‭.‬

وكانت‭ ‬الحوارات‭ ‬بينهما‭ ‬تدور‭ ‬كلُّها‭ ‬حولَ‭ ‬دعمِ‭ ‬الحوارِ‭ ‬الحضاري‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الإبداع‭ ‬والترجمة‭. ‬وكانت‭ ‬أغلبُ‭ ‬المقترحات‭ ‬التي‭ ‬اقترحها‭ ‬غراس‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الحوار‭ ‬قد‭ ‬تم‭ ‬العمل‭ ‬عليها،‭  ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الحوارُ‭ ‬حوارًا‭ ‬حقيقيًا،‭ ‬يبتعد‭ ‬عن‭ ‬المهرجانات‭ ‬التي‭ ‬يعلو‭ ‬فيها‭ ‬صخبُ‭ ‬الكلماتِ‭ ‬والمدائحِ‭ ‬للحكوماتِ‭ ‬والسلطةِ‭. ‬

وهناك‭ ‬أحداثٌ‭ ‬مهمةٌ‭ ‬حصلت‭ ‬أَوَدُّ‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬بعضها‭ ‬لأهمية‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬لعبه‭ ‬الشاعر‭ ‬المقالح‭ ‬فيها،‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬لمثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر،‭ ‬اللقاءُ‭ ‬مع‭ ‬الرئيس‭ ‬السابق‭ ‬علي‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬صالح‭ ‬عام‭ ‬2002،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مخططًا‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬برنامج‭ ‬افتتاح‭ ‬الحوار‭ ‬في‭ ‬صنعاء؛‭ ‬فقد‭ ‬فوجئنا‭ ‬بعد‭ ‬انتهاءِ‭ ‬مراسيم‭ ‬الجلسةِ‭ ‬الصباحيةِ‭ ‬بتوجه‭ ‬سيارات‭ ‬المشاركين‭ ‬من‭ ‬الضيوف‭ ‬العرب‭ ‬والألمان‭ ‬إلى‭ ‬مبنى‭ ‬دارِ‭ ‬رئاسةِ‭ ‬الجمهوريةِ‭. ‬كل‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬كنت‭ ‬أُخبِرْتُ‭ ‬به‭ ‬قبل‭ ‬يومٍ‭ ‬من‭ ‬وصولٍ‭ ‬غراس‭ ‬لليمن‭ ‬أنَّ‭ ‬الرئيسَ‭ ‬سيقومُ‭ ‬بمنحِ‭ ‬غراس‭ ‬وسامًا‭ ‬مهمًا‭ ‬تقديرًا‭ ‬لمكانتِه‭ ‬الأدبيةِ‭ ‬ولدعمه‭ ‬للقضايا‭ ‬العربية؛‭ ‬فطلبتُ‭ ‬من‭ ‬المقالح‭ ‬والدكتور‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬الارياني‭ ‬أن‭ ‬نستحصل‭ ‬على‭ ‬موافقة‭ ‬غراس‭ ‬أولًا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نقع‭ ‬في‭ ‬إحراجٍ‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬رفض‭ ‬غراس‭ ‬الوسام؛‭ ‬لأنني‭ ‬كنت‭ ‬أعرف‭ ‬شخصيةَ‭ ‬الكاتبِ‭ ‬الألمانيِّ‭ ‬الحادةِ،‭ ‬وغير‭ ‬المجاملة‭ ‬لمثل‭ ‬هكذا‭ ‬تكريمٍ‭. ‬وبالفعل‭ ‬وافق‭ ‬غراس،‭ ‬لكنَّه‭ ‬سألني‭ ‬سؤالًا‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬سجناءُ‭ ‬رأيٍ‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬أجبته،‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬علمي‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬سوى‭ ‬روائيٌ‭ ‬شابٌ،‭ ‬هرب‭ ‬من‭ ‬اليمن‭ ‬خوفًا‭ ‬من‭ ‬الملاحقةِ‭ ‬القضائيةِ‭ ‬بسبب‭ ‬موضوعِ‭ ‬روايةٍ‭ ‬جديدةٍ‭ ‬له‭. ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬غراس‭ ‬كانت‭ ‬لديه‭ ‬بعضُ‭ ‬المعلومات‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬القضية؛‭ ‬لذلك‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬طلب‭ ‬طرحها‭ ‬على‭ ‬الرئيس‭.  ‬وكان‭ ‬المقالح‭ ‬داعمًا‭ ‬ومرحبًا‭ ‬بهكذا‭ ‬خطوةٍ،‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬كاتب‭ ‬يمني‭ ‬شاب‭ ‬وموهوب‭ ‬إلى‭ ‬وطنه،‭  ‬فتنتصر‭ ‬بذلك‭ ‬قوةُ‭ ‬الكلمةِ‭ ‬على‭ ‬قوى‭ ‬التطرفِ‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬أثناء‭ ‬لقاءِ‭ ‬الوفودِ‭ ‬المشاركةِ‭ ‬العربيةِ‭ ‬والألمانيةِ‭ ‬بالرئيس‭ ‬اليمني‭ ‬الراحل‭ ‬علي‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬صالح‭.‬

الرئيس‭ ‬والوسام‭ ‬والكاتب‭ ‬الألماني

ولأنّ‭ ‬اللقاء‭ ‬كما‭ ‬ذكرت‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬إعلامي‭ ‬ولا‭ ‬إعلام‭ ‬الشاعر‭ ‬المقالح‭ ‬بتوقيته،‭ ‬لذلك‭ ‬حينما‭ ‬أخبرَ‭ ‬الرئيسُ‭ ‬صالح‭ ‬الكاتبَ‭ ‬الألمانيَّ‭ ‬بأنه‭ ‬سَيَمْنَحُهُ‭ ‬باسمِ‭ ‬اليمن‭ ‬وسامَ‭ ‬الإبداعِ،‭  ‬وهنا‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬مساعديه‭ ‬يسأل‭ ‬عن‭ ‬الوسامِ،‭ ‬فالتفتَ‭ ‬إلي‭ ‬السفيرُ‭ ‬اليمنيُ‭ ‬وهو‭ ‬يسألني‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬أعرف‭ ‬شيئًا‭ ‬عن‭ ‬الوسامِ‭. ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬كاد‭ ‬قلبي‭ ‬أن‭ ‬يتوقف،‭ ‬فالحاضرون‭ ‬كانوا‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يجري،‭ ‬لأنني‭ ‬قبل‭ ‬يومٍ‭ ‬من‭ ‬الافتتاِح‭ ‬أَخْبَرْتُ‭ ‬المقالحِ‭ ‬بقلقي‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬اختفى‭ ‬الوسامُ،‭  ‬كما‭ ‬اختفتْ‭ ‬بعضُ‭ ‬وثائقِ‭ ‬المؤتمرِ‭. ‬لذا‭ ‬طَلَبَ‭ ‬مني‭ ‬الاحتفاظَ‭ ‬بكلِ‭ ‬شيءٍ‭ ‬يتعلقُ‭ ‬بأدبياتِ‭ ‬الحوارِ‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬إقامتي،‭ ‬ومنها‭ ‬الوسام‭ ‬بالطبع‭. ‬المهم‭  ‬اضْطَرَنَا‭  ‬هذا‭ ‬الموقفُ‭ ‬المحرجُ‭ ‬إلى‭ ‬الهمسِ‭ ‬في‭ ‬أُذُنِ‭ ‬الراحل‭ ‬الدكتور‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬الارياني،‭ ‬المستشار‭ ‬السياسي‭ ‬للرئيس،‭ ‬والذي‭ ‬تصرف‭ ‬هو‭ ‬والمقالح‭ ‬بحكمةٍ‭ ‬فريدة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬كسب‭ ‬الوقت‭ ‬لجلب‭ ‬الوسام‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬إقامتي،‭ ‬لذلك‭ ‬أخبرا‭  ‬الرئيس‭ ‬بأن‭ ‬غراس‭ ‬أيضًا‭ ‬هو‭ ‬شاعر،‭ ‬وليس‭ ‬روائيًا‭ ‬فقط،‭ ‬وهناك‭ ‬معرضٌ‭ ‬فنيٌ‭ ‬لأشعاره،‭ ‬سيكون‭ ‬باللغة‭ ‬العربية،‭ ‬والشاعرة‭ ‬أمل‭ ‬الجبوري‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬ترجمت‭ ‬القصائد،‭ ‬فهل‭ ‬تَوَد‭ ‬سماعَ‭ ‬بعضٍ‭ ‬منها؛‭  ‬فاستدار‭ ‬الرئيسُ‭ ‬إليَّ‭ ‬مطالبًا‭ ‬إيايَ‭ ‬بإلقاء‭ ‬بعضٍ‭ ‬من‭ ‬قصائد‭ ‬غراس‭ ‬بالعربية،‭ ‬ولكني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬مهيأة‭ ‬أبدا‭ ‬لهذا‭ ‬الأمر،‭ ‬فقلت‭ ‬للفنانة‭ ‬نضال‭ ‬الأشقر،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تجلس‭ ‬قبالتي،‭ ‬وكانت‭ ‬مدعوَّةً‭ ‬لإلقاء‭ ‬تلك‭ ‬القصائدِ‭ ‬بالعربية،‭  ‬لكنها‭ ‬أيضًا‭ ‬دُهِشَتْ‭ ‬من‭ ‬طلبي،‭ ‬فقالت‭ ‬لي‭ ‬لكي‭  ‬تتفادى‭ ‬القراءة‭: “‬أنت‭ ‬مترجمةُ‭ ‬القصائدِ‭ ‬والأفضلُ‭ ‬أن‭ ‬تقرئينها‭ ‬أنت‭”.‬‭ ‬وبالطبع‭ ‬كلُ‭ ‬هذا‭ ‬أكسبنا‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬الوقتِ،‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬يعرف‭ ‬بالذي‭ ‬يدور‭ ‬كان‭ ‬يتمنى‭ ‬لو‭ ‬حدثت‭ ‬المعجزة‭ ‬بوصول‭ ‬الوسام‭.  ‬وبالفعل‭ ‬بدأت‭ ‬أقرأ‭ ‬ببطء‭ ‬شديد‭ ‬والرئيس‭ ‬يقول‭ ‬لي‭ ‬بلهجة‭ ‬يمنية‭:‬‭ ‬‭”‬ما‭ ‬لك‭.. ‬خازية‭ .. ‬لماذا‭ ‬تقرأين‭ ‬هكذا‭”‬؟  ‬لم‭ ‬أكمل‭ ‬النص‭ ‬الثاني‭ ‬وإذا‭ ‬بأحد‭ ‬الحراس‭ ‬يدخل‭ ‬الصالةَ‭ ‬وبيديه‭ ‬الوسام،‭ ‬وهنا‭ ‬تنفست‭ ‬أنا‭ ‬ومَن‭ ‬معيَّ‭ ‬من‭ ‬المسؤولين‭ ‬اليمنيين،‭ ‬الذين‭  ‬كانوا‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬كيف‭ ‬ستكون‭ ‬ردةُ‭ ‬فعلِ‭ ‬الرئيسِ‭ ‬صالح‭ ‬إذا‭ ‬عَرَفَ‭ ‬بالأمر،‭ ‬وهنا‭  ‬طرح‭ ‬غراس‭ ‬قضية‭ ‬وجدي‭ ‬الأهدل،‭ ‬فأجابه‭ ‬الرئيس‭ ‬بأن‭ ‬الدولةَ‭ ‬لم‭  ‬تكن‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬طالبت‭ ‬بسجنه،‭ ‬بل‭ ‬القضاء‭ ‬أصدر‭ ‬الحكم،‭ ‬وهو‭ ‬هرب،‭ ‬ولكن‭ ‬سنحاول‭ ‬أن‭ ‬نساعده‭ ‬بالعودة‭.  ‬للتاريخ،‭ ‬هذه‭ ‬حقيقةُ‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اللقاء‭ ‬الذي‭ ‬مازال‭ ‬بعضُ‭ ‬شهودِه‭ ‬أحياءً‭ ‬يرزقون‭. ‬فهذا‭ ‬السببُ‭ ‬الحقيقيُ‭ ‬وراءَ‭ ‬الارتباكِ‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬للتأخير‭ ‬في‭ ‬مراسيم‭ ‬منحِ‭ ‬الوسامِ‭ ‬الرئاسيِ‭ ‬للكاتبِ‭ ‬الألمانيِ‭ ‬غونتر‭ ‬غراس؛‭ ‬وليس‭ ‬كما‭ ‬أشيع‭ ‬ونشر‭ ‬من‭ ‬قصصٍ‭ ‬كتبها‭ ‬أناسٌ‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬أصلًا‭  ‬من‭ ‬الحاضرين‭  ‬ذلك‭ ‬اللقاء،‭ ‬الذي‭ ‬لن‭ ‬أنسى‭ ‬ما‭ ‬حييت،‭ ‬هدَ‭ ‬المقالح‭ ‬في‭ ‬أكثرِ‭ ‬اللحظاتِ‭ ‬حرجًا‭  ‬وتعقيدًا،‭  ‬حيث‭  ‬علمنا‭  ‬أن‭ ‬القلقَ‭ ‬لن‭ ‬يجدي‭ ‬نفعًا؛‭  ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬حاصل‭ ‬سيكون‭ ‬حتمًا‭.‬

كلمة‭ ‬شهيرة‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬فرانكفوت

بعد‭ ‬أن‭  ‬تكللتْ‭ ‬الحواراتُ‭ ‬العربيةُ‭ ‬الألمانية‭  ‬في‭ ‬زيارة‭ ‬غونتر‭ ‬غراس‭ ‬الأولى‭ ‬بالنجاحِ‭ ‬الكبيرِ،‭ ‬حتى‭ ‬تحول‭ ‬الكاتبُ‭ ‬الحائز‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬إلى‭ ‬داعيةٍ‭ ‬لليمن،‭ ‬يحثُ‭ ‬الألمانَ،‭ ‬وغيرَهَم‭ ‬من‭ ‬الأوربيين،‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬خطبِهِ‭ ‬ولقاءاتِه‭ ‬لزيارة‭ ‬اليمن،‭ ‬وقال‭ ‬كلمتَه‭ ‬الشهيرةَ‭ ‬في‭ ‬معرضِ‭ ‬فرانكفورت‭ ‬للكتابِ‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬الوطنُ‭ ‬العربيُ‭ ‬هو‭ ‬ضيفُ‭ ‬الشرفِ‭ ‬عام‭ ‬‮٤٠٠٢‬،‭ ‬متوجهًا‭ ‬إلى‭ ‬الجمهور‭ ‬الذي‭ ‬حضر‭ ‬فعاليةَ‭ ‬القراءةِ‭  ‬الشعريةِ‭ ‬بيني‭ ‬وبين‭ ‬غراس‭ ‬الذي‭ ‬ابتدأ‭ ‬الحفلَ‭ ‬قائلًا‭ ‬لهم‭   ‬اذهبوا‭ ‬لليمن،‭ ‬لا‭ ‬تصدقوا‭ ‬كذبةَ‭ ‬الإرهابِ،‭  ‬فنحن‭  ‬يقصد‭ ‬الغرب‭  ‬من‭ ‬بدء‭ ‬بحز‭ ‬الرؤوس‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬الصليبية‭ ‬ضد‭ ‬المسلمين‭ ‬والعرب،‭ ‬لقد‭ ‬وجدت‭ ‬التسامح‭  ‬هناك‭ ‬يقصد‭ ‬اليمن‭  ‬وليس‭ ‬هنايقصد‭ ‬ألمانيا‭ ‬والغرب‭ ‬

ثم‭ ‬دَعَم‭ ‬الشاعرُ‭ ‬الكبيرُ‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬المقالح‭ ‬عقدَ‭ ‬مؤتمرٍ‭ ‬للروايةِ‭ ‬العربية‭ ‬الألمانية،‭ ‬حينما‭ ‬تداول‭ ‬الفكرة‭ ‬هذه‭ ‬مع‭ ‬غونتر‭ ‬غراس،‭ ‬وبالفعل‭ ‬عاد‭ ‬لليمن‭ ‬عاشقها‭ ‬غراس،‭ ‬بعد‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬عامين‭ ‬‮٤٠٠٢‬،‭ ‬ليشاركُ‭ ‬بوصفِهِ‭ ‬الروائِّي‭ ‬الأكثرِ‭ ‬شهرةً‭ ‬وتأثيرًا‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬آنذاك‭ ‬في‭ ‬حوارات‭ ‬عميقة‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب،‭ ‬دارت‭ ‬أغلبها‭ ‬حولَ‭ ‬الأدبِ‭ ‬والسياسةِ‭ ‬والحياةِ‭  ‬بشكلٍ‭ ‬عامٍ‭. ‬وفي‭ ‬ختام‭ ‬هذا‭ ‬الحدثِ‭ ‬الثقافيِ‭ ‬الأبرزِ‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬الذي‭ ‬احْتَضَنَتْهُ‭ ‬اليمنُ‭ ‬بكلِ‭ ‬سخاءٍ،‭ ‬ونحن‭ ‬مشغولون‭ ‬بإعلانِ‭ ‬بيانِ‭ ‬الختام،‭ ‬كنت‭ ‬كعادتي‭ ‬أجلس‭ ‬في‭ ‬آخرِ‭ ‬مقعدٍ‭ ‬في‭ ‬القاعة،‭  ‬فاقترب‭ ‬مني‭ ‬روائيٌ‭ ‬عربيٌ‭ ‬معروفٌ،‭ ‬وبيدِه‭ ‬ورقةٍ‭ ‬تضمنت‭ ‬برقيةٍ،‭ ‬طالبًا‭ ‬مني‭ ‬قراءتَها‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬توصياتِ‭ ‬المؤتمرٍ،‭ ‬كونِها‭ ‬تعبرُ‭ ‬عن‭ ‬شكرِ‭ ‬المشاركين‭ ‬‭(‬العرب‭ ‬والألمان‭)‬‭ ‬لجهود‭ ‬اليمنيين‭ ‬في‭ ‬تنظيمِ‭ ‬ودعمِ‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬العالمي‭. ‬فحينما‭ ‬قرأت‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الورقة‭ ‬وجدتها‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬برقيةِ‭ ‬شكرٍ‭ ‬موجهةً‭ ‬بالاسم‭ ‬إلى‭ ‬الرئيس‭ ‬الراحل‭ ‬صالح‭ ‬والحكومة‭ ‬إلخ‭…. ‬أعادتني‭ ‬إلى‭ ‬السياق‭ ‬العراقي،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬النظام‭ ‬السابق،‭ ‬ففي‭ ‬كل‭ ‬مهرجانات‭ ‬المربد‭ ‬وغيرها،‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬برقيةُ‭ ‬شكرٍ‭ ‬تُرْفَعُ‭ ‬باسمِ‭ ‬المشاركين،‭ ‬لتشكرَ‭ ‬الرئيس‭ ‬العراقي‭ ‬والقيادة‭ ‬العراقية،‭ ‬بالطبع‭ ‬دون‭ ‬أخذ‭ ‬موافقةِ‭ ‬المشاركين‭ ‬من‭ ‬الضيوف‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬إصرار‭ ‬هذا‭ ‬الروائيُ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أُسلم‭ ‬البرقية‭ ‬للشاعر‭ ‬المقالح،‭ ‬وفي‭ ‬وسط‭ ‬الإرباك‭ ‬هذا،‭ ‬وغونتر‭ ‬غراس‭ ‬يصر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أجلس‭ ‬في‭ ‬المنصة،‭ ‬حيث‭ ‬يجلس‭ ‬هو‭ ‬والمقالح،‭ ‬همست‭ ‬في‭ ‬أُذُنِ‭ ‬الإمام‭-‬‭ ‬أقصد‭ ‬المقالح‭-‬‭ ‬ليمنحني‭ ‬فتواها،‭ ‬طالبةً‭ ‬منه‭ ‬ألا‭ ‬يسمح‭ ‬بقراءتها،‭ ‬كونها‭ ‬ستثيرُ‭ ‬حفيظةَ‭ ‬وحساسيةَ‭ ‬الأدباء‭ ‬الألمان،‭ ‬وسترسخ‭ ‬تقاليدَ‭ ‬النفاقِ‭ ‬للحكامِ؛‭  ‬وربما‭ ‬ستسبب‭ ‬لنا‭ ‬إشكالات‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬غنى‭ ‬عنها‭. ‬وبالطبع‭ ‬هكذا‭ ‬طَلبٌ‭ ‬من‭ ‬المقالح،‭ ‬والذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬حاضرًا‭ ‬بشخصه‭ ‬الشعري‭ ‬الأدبي،‭ ‬وكرئيس‭ ‬للمؤتمر،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يشعل‭ ‬منصبَ‭ ‬المستشار‭ ‬الثقافي‭ ‬لرئيس‭ ‬البلاد‭ ‬صالح،‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬محورُ‭ ‬الإشكالِ‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البرقية،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬سهلًا‭ ‬عليَّ،‭ ‬كوني‭ ‬كنت‭ ‬أشرف‭ ‬على‭ ‬تنظيم‭ ‬المؤتمر،‭ ‬بوصفي‭ ‬المستشارة‭ ‬الثقافية‭ ‬لليمن‭ ‬في‭ ‬سفارتها‭ ‬بألمانيا،‭ ‬لكن‭ ‬شجاعة‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬المقالح‭ ‬قد‭ ‬حسمت‭ ‬الموقف،‭ ‬ولم‭ ‬يتردد‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة‭ ‬بالقول‭ ‬لي‭ ‬وبهدوئه‭ ‬المعتاد‭ ‬‭”‬مزقيها‭ ‬وارمها‭ ‬في‭ ‬أقرب‭ ‬حاوية‭ ‬للنفايات‭”.‬‭ ‬فتواه‭ ‬هذه‭ ‬لي‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬أزاحت‭ ‬عني‭ ‬ثقلَ‭ ‬جبالٍ‭ ‬بأكمَلِها،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬أكدت‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬الحريةَ‭ ‬وشرفَ‭ ‬النفسِ‭ ‬وشجاعةَ‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬المقالح‭ ‬كلَّها‭ ‬كانت‭ ‬سماتٌ‭ ‬لم‭ ‬تنفصل‭ ‬أبدًا‭ ‬عن‭ ‬قيمة‭ ‬إبداعه‭ ‬الشعري؛‭ ‬لذلك‭ ‬عاش‭ ‬أيقونةً،‭ ‬وسيبقى‭ ‬درسًا‭ ‬إبداعيًا‭ ‬وأخلاقيًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬راسخًا‭ ‬وحيًّا،‭  ‬رسوخَ‭ ‬حضارةِ‭ ‬اليمن‭ ‬الحيةِ‭ ‬والحرةِ‭ ‬والمضيئةِ‭ ‬والغنيةِ،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬مر‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬محنٍ‭ ‬وفتنٍ‭ ‬وظلامٍ،‭ ‬لأنّ‭ ‬الله‭ ‬يأبى‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يُتِمَّ‭ ‬نوره‭.‬

لندن‭ ‬2023‭ ‬،‭ ‬أمل‭ ‬الجبوري‭ ‬

مشاركة