‏وتهون الأرض إلا موضعا-رباح آل جعفر

‏في‭ ‬الملحمة‭ ‬الشعرية‭ “‬الإلياذة‭” ‬و‭ “‬الأوديسة‭” ‬تقرأ‭ ‬لشاعر‭ ‬الإغريق‭ ‬هوميروس‭ ‬أن‭ ‬الحب‭ ‬معناه‭ ‬الشهامة‭ ‬والبطولة‭. ‬والفيلسوف‭ ‬أفلاطون‭ ‬يفسّره‭ ‬بحب‭ ‬الناس‭ ‬والجميلات‭. ‬وعند‭ ‬أستاذ‭ ‬الفلاسفة‭ ‬أرسطو‭ ‬هو‭ ‬حب‭ ‬الله‭.‬

‏وفي‭ ‬كتاب‭ “‬طوق‭ ‬الحمامة‭” ‬لمؤرخ‭ ‬العشق‭ ‬والعاشقين‭ ‬ابن‭ ‬حزم،‭ ‬وهو‭ ‬عالم‭ ‬دين،‭ ‬تقرأ‭ ‬من‭ ‬أشعار‭ ‬الغرام‭ ‬وأسرار‭ ‬الهيام‭ ‬وأخبار‭ ‬النساء‭. ‬مثلما‭ ‬تقرأ‭ ‬عن‭ ‬الحب‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬نظرة،‭ ‬وفن‭ ‬الرسائل،‭ ‬وملامح‭ ‬المرأة‭ ‬وملاحتها‭!.‬

‏ومن‭ ‬مواضع‭ ‬العشق‭ ‬التي‭ ‬يحنّ‭ ‬إليها‭ ‬الشعراء‭ ‬والمحبّون‭ ‬والعشاق‭ ‬المعاميد‭. ‬ويشتاقون‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬أشعارهم‭ ‬جبل‭ ‬التوباد‭:‬

‏جبل‭ ‬التوباد‭ ‬حياك‭ ‬الحيـا

‏وسقى‭ ‬الله‭ ‬صبانا‭ ‬ورعى

‏هناك‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬كل‭ ‬عاشق‭ ‬جبل‭ ‬توباد‭. ‬لا‭ ‬أروع‭ ‬منه‭ ‬ولا‭ ‬أوقع‭. ‬مكان‭ ‬يشتاق‭ ‬إليه‭ ‬المصابون‭ ‬بالحنين‭ ‬ويجعلون‭ ‬القمر‭ ‬شاهداً‭ ‬على‭ ‬لوعتهم،‭ ‬ورمزاً‭ ‬لكل‭ ‬مكان‭ ‬ينبت‭ ‬العز‭. ‬يستعيدون‭ ‬بتذكره‭ ‬حزمة‭ ‬من‭ ‬الذكريات‭. ‬يعيشون‭ ‬على‭ ‬أطلالها‭. ‬ويهربون‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬عيون‭ ‬الناس‭ ‬ومن‭ ‬قسوة‭ ‬الزمن‭!. 

‏ويمكنك‭ ‬أن‭ ‬تتخيّل‭ ‬كم‭ ‬غرام‭ ‬وكم‭ ‬هيام‭ ‬وقع‭ ‬عنده؟‭ ‬وكم‭ ‬معذب‭ ‬ومقهور‭.. ‬ويا‭ ‬ليل‭ ‬ويا‭ ‬عين؟‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬حكايات‭ ‬يجتاحها‭ ‬الأسى‭ ‬وروايات‭ ‬يغمرها‭ ‬الندم؟‭ ‬وكم‭ ‬كتب‭ ‬له‭ ‬الشعراء‭ ‬أيام‭ ‬كانت‭ ‬الدنيا‭ ‬قصائد‭ ‬موزونة‭ ‬ومقفاة‭. ‬من‭ ‬شيخهم‭ ‬قيس‭ ‬إلى‭ ‬أحمد‭ ‬شوقي‭. ‬وعزف‭ ‬أهل‭ ‬الهوى‭ ‬على‭ ‬ذكراه‭ ‬لحناً‭ ‬اهتزت‭ ‬لموسيقاه‭ ‬القلوب‭ ‬من‭ ‬محمد‭ ‬عبد‭ ‬الوهاب‭ ‬إلى‭ ‬ناظم‭ ‬الغزالي؟‭!.‬

‏والعشاق‭ ‬يبكون‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ذكرى‭. ‬يتحسّرون‭ ‬عليها‭ ‬أو‭ ‬يحلمون‭ ‬بعودتها‭. ‬مثل‭ ‬حمامة‭ ‬تنوح‭ ‬على‭ ‬هدم‭ ‬المآذن‭. ‬فتراهم‭ ‬يبكون‭ ‬على‭ ‬ليلى‭ ‬وديارها‭. ‬على‭ ‬عفراء‭ ‬وبثينة‭ ‬وجميلة‭. ‬على‭ ‬الأطلال‭ ‬والجدران‭ ‬والشبابيك‭. ‬إنهم‭ “‬مُذلون‭ ‬ومُهانون‭” ‬كما‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬دوستويفسكي‭. ‬يبكون‭ ‬على‭ ‬خرائط‭ ‬الضياع‭. ‬وعلى‭ ‬زمن‭ ‬يقولون‭ ‬إنه‭ ‬كان‭ ‬جميلاً‭. ‬على‭ ‬أحلام‭ ‬تبعثرت،‭ ‬وآمال‭ ‬تكسّرت،‭ ‬وأقفال‭ ‬قلوب‭ ‬تحطمت‭. ‬يقولون‭ ‬لو‭ ‬عادت‭ ‬بهم‭ ‬الأيام‭ ‬إلى‭ ‬زاوية‭ ‬أو‭ ‬ساقية‭. ‬إلى‭ ‬جرف‭ ‬على‭ ‬نهر‭ ‬أو‭ ‬نخلة‭ ‬في‭ ‬بستان‭. ‬إلى‭ ‬زقاق‭ ‬أو‭ ‬مقهى‭. ‬كأن‭ ‬الدنيا‭ ‬كانت‭ ‬تحت‭ ‬أيديهم‭. ‬إنهم‭ ‬يبكون‭ ‬على‭ ‬أغنية‭ ‬قديمة‭. ‬أو‭ ‬مسمار‭ ‬في‭ ‬حائط‭. ‬أو‭ ‬صورة‭ ‬على‭ ‬حائط‭. ‬أو‭ ‬وردة‭ ‬منسيّة‭ ‬في‭ ‬كتاب‭!.‬

‏وكل‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬يبكي‭ ‬على‭ ‬ليلاه‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬بلواه،‭ ‬وقد‭ ‬سألوا‭ ‬بدوياً‭: ‬من‭ ‬أي‭ ‬بلاد‭ ‬أنت؟‭ ‬قال‭: ‬من‭ ‬بلاد‭ ‬إذا‭ ‬أحب‭ ‬الإنسان‭ ‬فيها‭ ‬مات‭!.‬

‏هل‭ ‬كانوا‭ ‬مرضى؟‭ ‬هل‭ ‬هم‭ ‬مجانين؟‭ ‬ولماذا‭ ‬هذا‭ ‬العذاب؟‭ ‬لماذا‭ ‬هذا‭ ‬الألم؟‭ ‬ماذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬يبكي‭ ‬متمم‭ ‬بن‭ ‬نويرة‭ ‬عند‭ ‬كل‭ ‬قبر‭ ‬يراه‭ ‬ظنّاً‭ ‬أنه‭ ‬قبر‭ ‬أخيه‭ ‬مالك؟‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬بدر‭ ‬شاكر‭ ‬السياب‭ ‬يحنّ‭ ‬إلى‭ ‬عشّ‭ ‬عصفور‭ ‬على‭ ‬شبّاك‭ ‬وفيقة‭ ‬إذا‭ ‬عزّ‭ ‬في‭ ‬الفجر‭ ‬لقاء؟‭ ‬ومن‭ ‬هي‭ ‬الحبيبة‭ ‬المجهولة‭ ‬ك‭ ‬في‭ ‬غراميات‭ ‬توفيق‭ ‬صايغ؟‭ ‬وأين‭ ‬ذهبت‭ ‬جلنار‭ ‬ميشيل‭ ‬طراد؟‭ ‬وبلقيس‭ ‬نزار؟‭ ‬ولميعة‭ ‬جبرا؟‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬عميد‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬طه‭ ‬حسين‭ ‬يحتفظ‭ ‬بمنديل‭ ‬سوزان‭ ‬يستنشق‭ ‬عطره‭ ‬كلما‭ ‬داهمه‭ ‬الحنين؟‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬أديباً‭ ‬كبيراً‭ ‬مثل‭ ‬عباس‭ ‬محمود‭ ‬العقاد‭ ‬يبقى‭ ‬محتفظاً‭ ‬ببلوزة‭ ‬صوف‭ ‬أهدتها‭ ‬إليه‭ ‬محبوبته‭ ‬ليقول‭ ‬فيها‭ ‬شعراً‭:‬

‏ألم‭ ‬أنلْ‭ ‬منكَ‭ ‬فكرة‭   ‬في‭ ‬كل‭ ‬شكةٍ‭ ‬إبرة

‏وكل‭ ‬عقدةٍ‭ ‬خيــطٌ‭   ‬وكل‭ ‬جــفرةٍ‭ ‬بكرة

‏ما‭ ‬أوجعها‭ ‬من‭ ‬تذكارات‭ ‬عندما‭ ‬يُهال‭ ‬عليها‭ ‬التراب‭ ‬نسياً‭ ‬منسياً‭. ‬قال‭ ‬شوقي‭:‬

‏قد‭ ‬يهـون‭ ‬العمـرُ‭ ‬إلا‭ ‬ساعة

‏وتهون‭ ‬الأرضُ‭ ‬إلا‭ ‬موضعا‭!.‬

مشاركة