‏وتنازل الشعراء عن معلقاتهم -رباح آل جعفر

727

‏المثل العربي يقول: «من فات قديمه تاه» وكل قديم أروع وأمتع وأعمق وأجمل. ومن ذلك القديم الذي نسيناه في يوم من الأيام فضاع علينا بآماله وتاه بأحلامه، وقع بين يدي كتاب «الأوائل» للشاعر والعالم اللغوي أبي هلال العسكري من أدباء القرن الرابع الهجري.. والكتاب ممتع في معلوماته، مشوق في تسليته، ظريف في حوادثه، طريف في وقائعه.

‏فهؤلاء «الأوائل» هم المبدعون الرائعون، والآباء المؤسّسون لحوادث جرت على أيديهم قبل أن يظهر علينا «غينيس» بموسوعة أرقامه القياسية قبل ألف عام.

‏فأنت تقرأ في هذا الكتاب عن أول من حرّم الخمر في الجاهلية كان الوليد بن المغيرة. وهو أول من خلع نعليه لدخول الكعبة فخلع الناس نعالهم من بعده. 

‏ثم أنك تقرأ عن سيف بن ذي يزن أول من قال أهلاً ومرحباً. قالها لعبد المطلب بن هاشم حين جاءه على رأس وفد من قريش. وأهل اليمن أول من ابتكر طريقة المصافحة بالأيدي دليلاً على المحبة والاحترام. وكانوا «أرق قلوباً» ولم يكن في ذلك الوقت لاعناق ولا قبلات!. 

‏وفي الحديث الصحيح قالَ رجلٌ: يا رسولَ الله، الرجل منَّا يَلقى أخاهُ أو صديقه أينحني له؟ قال: لا، قال: فيلتزمه ويقبّله؟ قال: لا، قال: فيأخذُ بيده ويصافحه؟ قال: نعم. 

‏وإذا كان عبد الملك بن مروان من أوائل الخلفاء البخلاء على ذمة المؤلف. فإنه بالمقابل كان الوليد بن عبد الملك أول من أقام «طعمة» شهر رمضان وأجرى عطاءً للعميان. 

‏ولعل في هذا الكتاب الكثير من المضنون به على غير أهله. فأنت تقرأ مثلاً عن أول من وضع الكتابة العربية كان من أهل الأنبار.. وأمّا «أبجد، هوّز، حطّي، كلمن، سعفص، قرشت» فقد كان هؤلاء ملوكاً وضعوا اللغة العربية على أسمائهم.

‏وقيل إن أول امرأة ثقبت أذنها من النساء كانت هاجر أم النبي اسماعيل عليه السلام. وأول امرأة وضعت الكحل في عينيها زرقاء اليمامة. وكانت تبصر وترى من مسيرة أيام. وهذا مما لا يتحمله عقل عاقل ولا عقل مجنون!. 

‏وأول من ذهب إلى تشبيه النساء بالظباء الشاعر امرؤ القيس، والمهلهل هو أول الشعراء عند العرب. أما الفنان ابراهيم الموصلي فكان أول من علّم الجواري الموسيقى والأتكيت والغناء.

‏طبعاً لم يذكر لنا صاحبنا في كتابه إذا كان يعلم من هم الشهود على زواج أبينا آدم؟ ولا عدد ركاب سفينة نوح؟ ولا أول من زرع البطيخ؟ ولا أول الحمقى والمغفلين في التاريخ؟ مثلما فات عليه أن يذكر لنا أول من نال شهادة «الدكتوراه» قبل أن تغزو بلادنا قبائل «الدكتوراه» العربية في عصر الأنترنت!.

‏وكانت قريش تُسمّى في الجاهلية «العالمية» لفضلهم وعلمهم، والفضل بن العباس يقول: ألسنا أهل مكة عالمياً؟!.

‏والعرب في الجاهلية يسمّون يوم الجمعة يوم العروبة، وكان أول من سمّاها كعب بن لؤي.. عروبة الجاهلية أقوى من عروبتنا. 

‏ويوماً كانت العروبة حجراً دارساً وأطلالاً وجدراناً يعلّق عليه الشعراء معلقاتهم في سوق عكاظ، وحلماً يتغزلون به في المربد، وحالاً من أحوال العشق في الحدائق السوريالية.. ثم ترجلت الفرسان عن جيادها، وتنازل الشعراء عن معلقاتهم، واستبدل العشاق قلوبهم، وانقسمت الأمة الواحدة إلى ألف أمة.. أو كما قال ذلك الشاعر الأندلسي الحالم:

‏فتفرّقـوا شيـعاً فكلّ قبيلـة ٍ

‏فيها أميرُ المؤمنين ومنبرُ!.

مشاركة