‏من حكاياتهم الغريبة- رباح آل جعفر

‏في‭ ‬دمشق‭ ‬اتصلت‭ ‬بالشاعر‭ ‬عبد‭ ‬الرزاق‭ ‬عبد‭ ‬الواحد‭. ‬قلت‭ ‬له‭: ‬أنا‭ ‬عازمك‭ ‬على‭ ‬الغداء‭.‬

‏معقولة؟‭.‬

‏طبعاً‭.. ‬معقول‭ ‬جداً‭!.‬

‏طيّب‭ ‬أنت‭ ‬تعرف‭ ‬وين؟‭.‬

‏لا‭ ‬يهم‭.. ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬مكان‭.‬

‏لكن‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬معقولاً‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدعوة‭ ‬ولا‭ ‬مقبولاً‭ ‬أنني‭ ‬رحت‭ ‬أستمع‭ ‬بذهول‭ ‬إلى‭ ‬حديث‭ ‬فنطازي‭ ‬لطيف‭ ‬وطريف‭ ‬أشك‭ ‬أنه‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬الواقع‭. ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬حدث‭ ‬مع‭ ‬شاعرنا‭ ‬الكبير‭.. ‬وماذا‭ ‬قال؟‭.‬

‏أخبرني‭ ‬أنه‭ ‬مرت‭ ‬سنوات‭ ‬كلما‭ ‬انتهى‭ ‬من‭ ‬كتابة‭ ‬قصيدة‭ ‬ارتفع‭ ‬عنده‭ ‬الضغط‭ ‬عشرين‭ ‬درجة‭ ‬فنقلوه‭ ‬إلى‭ ‬المستشفى‭. ‬وأثناء‭ ‬كتابته‭ ‬ملحمته‭ ‬الشعرية‭ “‬الصوت‭” ‬وكان‭ ‬ساهر‭ ‬الليل‭ ‬رأى‭ ‬أشباحاً‭ ‬ظهرت‭ ‬من‭ ‬حوله‭. ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يرد‭ ‬ولا‭ ‬يصد‭. ‬وانتقل‭ ‬إلى‭ ‬غرفة‭ ‬مجاورة‭ ‬فرآهم‭ ‬يجتمعون‭ ‬أمامه‭. ‬يقول‭ ‬الشعر‭ ‬فيقولون‭ ‬من‭ ‬بعده‭ ‬شعراً‭. ‬وكانوا‭ ‬طوال‭ ‬السهرة‭. ‬يتمايلون‭ ‬يمنةً‭ ‬ويسرة‭. ‬فلمّا‭ ‬أكمل‭ ‬القصيدة‭ ‬اختفوا‭ ‬فجأة‭!.‬

‏وكان‭ ‬من‭ ‬عادات‭ ‬صديقنا‭ ‬الكاتب‭ ‬الممتع‭ ‬عبد‭ ‬المجيد‭ ‬الشاوي‭ ‬أن‭ ‬يقصّ‭ ‬علينا‭ ‬في‭ ‬سعادة‭ ‬وشهية‭ ‬مفتوحة‭ ‬كلما‭ ‬التقينا‭ ‬حكايات‭ ‬كأنها‭ ‬خيال‭. ‬وكنّا‭ ‬نلتقي‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭ ‬مرة‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬يروي‭ ‬عن‭ ‬جدّه‭ ‬كيف‭ ‬كان‭ ‬راكباً‭ ‬بغلته‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬فعثرت‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الطريق،‭ ‬فقال‭ ‬لها‭: ‬العمى،‭ ‬فعميت‭!.‬

‏وفي‭ ‬يوم‭ ‬كان‭ ‬جده‭ ‬عائداً‭ ‬إلى‭ ‬منزله‭ ‬في‭ ‬كرادة‭ ‬مريم‭ ‬ليدرك‭ ‬صلاة‭ ‬المغرب،‭ ‬فتعب،‭ ‬فجلس‭ ‬على‭ ‬حائط‭ ‬ليستريح‭. ‬فإذا‭ ‬الحائط‭ ‬يمشي‭ ‬به،‭ ‬وإذا‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬داره‭!.‬

‏وقال‭ ‬لي‭ ‬الشاوي‭ ‬إنه‭ ‬ورث‭ ‬عن‭ ‬والدته‭ ‬كرامة‭. ‬فما‭ ‬يناله‭ ‬أحد‭ ‬بسوء،‭ ‬فيقول‭: ‬حسبي‭ ‬الله‭ ‬ونعم‭ ‬الوكيل،‭ ‬إلا‭ ‬أصاب‭ ‬ذلك‭ ‬الإنسان‭ ‬مكروه‭!.‬

‏وجرّبنا‭ ‬مرة‭ ‬أن‭ ‬يدعو‭ ‬على‭ ‬صديق‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬الثقلاء‭. ‬كان‭ ‬طويل‭ ‬اللسان‭. ‬حقوداً‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الناس‭. ‬وعلى‭ ‬نفسه‭ ‬أكثر‭. ‬مثل‭ ‬فيكتور‭ ‬هيجو‭. ‬وألححنا‭ ‬ندعوه‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يفعل‭!.‬

‏وقال‭ ‬لي‭ ‬الدكتور‭ ‬فاضل‭ ‬السامرائي‭ ‬إنه‭ ‬مرت‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬سنوات‭ ‬كان‭ ‬يحلم‭ ‬في‭ ‬النهار‭ ‬ويحلم‭ ‬في‭ ‬الليل‭. ‬وكان‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬منامه‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬مرة‭ ‬أو‭ ‬مرتين‭ ‬من‭ ‬الرؤى‭ ‬والأحلام‭ ‬العجائب‭ ‬والغرائب‭ ‬وأحياناً‭ ‬المصائب‭. ‬وعندما‭ ‬يستيقظ‭ ‬من‭ ‬نومه‭ ‬كان‭ ‬يجد‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأحداث‭ ‬قد‭ ‬تحققت‭ ‬بالفعل‭. ‬أو‭ ‬أنها‭ ‬ستحدث‭ ‬كما‭ ‬رآها‭ ‬في‭ ‬المنام‭ ‬بالتمام‭. ‬

‏ورغم‭ ‬أن‭ ‬أستاذنا‭ ‬السامرائي‭ ‬عالم‭ ‬موهوب‭ ‬في‭ ‬بلاغة‭ ‬القرآن‭ ‬وأسراره‭. ‬له‭ ‬اجتهاداته‭ ‬وإبداعاته‭. ‬فقد‭ ‬أخجلني‭ ‬بتواضعه‭ ‬الشديد‭. ‬وكم‭ ‬مرة‭ ‬اعترض‭ ‬على‭ ‬وصفه‭ ‬بكلمة‭ “‬العالم‭” ‬قائلاً‭ ‬بأدبه‭ ‬المعروف‭: ‬بل‭ ‬قل‭ “‬طُويلب‭” ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يتعلّم‭!.‬

‏والشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الكبيسي‭ ‬غضب‭ ‬مني‭ ‬مرة‭ ‬لأنني‭ ‬اعترضت‭ ‬على‭ ‬قوله‭ ‬إن‭ ‬الجن‭ ‬يتلبّس‭ ‬بالإنسان‭. ‬وهجاه‭ ‬الشيخ‭ ‬جلال‭ ‬الحنفي‭ ‬في‭ ‬مقال‭. ‬وحاولت‭ ‬الصلح‭ ‬بينهما‭ ‬فكان‭ ‬الصلح‭ ‬أصعب‭ ‬من‭ ‬لقاء‭ ‬الجن‭ ‬نفسه‭ ‬أو‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬خاتم‭ ‬سليمان‭!.‬

‏وكان‭ ‬صديقنا‭ ‬الكتبي‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬القديفي‭ ‬دائم‭ ‬الشكوى‭. ‬دائم‭ ‬النجوى‭. ‬دائم‭ ‬الحديث‭ ‬أن‭ ‬الجن‭ ‬يجعلون‭ ‬من‭ ‬مكتبته‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬السراي‭ ‬مرتعاً‭ ‬لهم‭. ‬يأكلون‭ ‬فيها‭ ‬ويشربون‭ ‬ويترنحون‭. ‬وأنه‭ ‬يسمع‭ ‬منهم‭ ‬همهمة‭ ‬وغمغمة‭!.‬

‏وكنّا‭ ‬كلما‭ ‬سألناه‭ ‬عن‭ ‬كتاب‭ ‬نريد‭ ‬شراءه‭. ‬فلم‭ ‬نجده‭ ‬عنده‭. ‬استدار‭ ‬نحو‭ ‬الحائط‭ ‬وشغل‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬بين‭ ‬الرفوف‭. ‬ثم‭ ‬ضرب‭ ‬كفاً‭ ‬بكف‭. ‬وبادرنا‭ ‬قائلاً‭: ‬مع‭ ‬الأسف‭ ‬الجن‭ ‬سرقوه‭ ‬مني‭!.   ‬‏غفر‭ ‬الله‭ ‬لأبي‭ ‬مثنى‭. ‬فنحن‭ ‬لا‭ ‬نعلم‭ ‬ماذا‭ ‬تفعل‭ ‬الجن‭ ‬بكتاب‭ “‬البيان‭ ‬والتبيّين‭” ‬للجاحظ‭”‬،‭ ‬أو‭ ‬كتاب‭ “‬أدب‭ ‬الدنيا‭ ‬والدين‭” ‬للماوردي‭.. ‬ولا‭ ‬نعلم‭ ‬ماذا‭ ‬تفعل‭ ‬بمكتبة‭ ‬القديفي‭ ‬من‭ ‬الأصل؟‭!.‬

‏لكننا‭ ‬كنّا‭ ‬سعداء‭ ‬بهذه‭ ‬الحكايات‭ ‬والقفشات‭. ‬نتسلّى‭ ‬ونتلذذ‭. ‬ونضحك‭ ‬لها‭ ‬ونتضاحك‭ ‬من‭ ‬القلب‭. ‬ومن‭ ‬حناجرنا‭.. ‬ولا‭ ‬يصدّقها‭ ‬العقل‭!.‬

مشاركة