‏كنّا عشاقاً هناك – ‏رباح آل جعفر

699

رباح آل جعفر

إذا‭ ‬كان‭ ‬الكائن‭ ‬الحي‭ ‬كائناً‭ ‬كلما‭ ‬جاع‭ ‬يضعف،‭ ‬فإن‭ ‬الشوق‭ ‬كائن‭ ‬كلما‭ ‬جاع‭ ‬يكبر‭. ‬أيّام‭ ‬زمان‭ ‬ونحن‭ ‬صغار‭ ‬كنّا‭ ‬نحضر‭ ‬في‭ ‬مجالس‭ ‬الدراويش‭. ‬كانوا‭ ‬يردّدون‭ “‬الله‭ ‬حيّ‭” ‬هو‭ ‬الحيّ‭ ‬الباقي‭ ‬واجب‭ ‬الوجود‭.. ‬فنقول‭ ‬مثلما‭ ‬يقولون،‭ ‬وندور‭ ‬في‭ ‬حلقاتهم،‭ ‬وننشد‭ ‬معهم‭ ‬أشعار‭ ‬ابن‭ ‬الفارض‭:‬

‏أدِرْ‭ ‬ذِكْرَ‭ ‬مَن‭ ‬أهوى‭ ‬ولو‭ ‬بملامِ

‏فإنّ‭ ‬أحاديـثَ‭ ‬الحبيـبِ‭ ‬مُدامي

‏كانت‭ ‬أنفاسنا‭ ‬ابتهالات‭ ‬وفي‭ ‬نظراتنا‭ ‬صلوات‭.. ‬وكانت‭ ‬قلوبنا‭ ‬تبكي‭ ‬شوقاً‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الحبيب،‭ ‬ونحن‭ ‬نتأوّه‭ ‬ونتوجدن‭ ‬ونتعذب‭ ‬ونكتم‭ ‬ونريد‭ ‬الوصل‭ ‬في‭ ‬مقام‭ ‬الحبيب‭. ‬

‏وعندما‭ ‬كبرنا‭ ‬قرأنا‭ ‬الفلسفة‭ ‬وقرأنا‭ ‬كتب‭ ‬التصوف‭.. ‬وعرفنا‭ ‬أن‭ ‬الشوق‭ ‬حال‭ ‬من‭ ‬أحوال‭ ‬التسامي‭ ‬في‭ ‬العلياء‭. ‬وأن‭ ‬الفلسفة‭ ‬من‭ ‬طاليس‭ ‬إلى‭ ‬ديكارت‭ ‬لا‭ ‬تزيد‭ ‬عن‭ ‬كلمتين‭: ‬الوجود‭ ‬موجود،‭ ‬وواجب‭ ‬الوجود‭ ‬هو‭ ‬الله‭. ‬أعظم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬العظماء‭ ‬وأحكم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الحكماء،‭ ‬وما‭ ‬سواه‭ ‬عدم‭ ‬وفناء‭.. ‬ثم‭ ‬تتعطل‭ ‬لغة‭ ‬الكلام‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬طيف‭ ‬كلام‭ ‬يحلّ‭ ‬محلّ‭ ‬طيف‭ ‬المنام‭!.‬

‏فما‭ ‬هذه‭ ‬الأشواق؟‭ ‬ما‭ ‬هذه‭ ‬المقامات‭ ‬التي‭ ‬في‭ ‬العلياء؟‭ ‬ما‭ ‬هذا‭ ‬الإنسان‭ ‬أمام‭ ‬عظمة‭ ‬الكون؟‭ ‬إنه‭ ‬عود‭ ‬من‭ ‬القشّ‭.. ‬إنه‭ ‬أضعف‭ ‬المخلوقات‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬باسكال‭. ‬قطرة‭ ‬ماء‭ ‬إذا‭ ‬وقفت‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬فمه‭ ‬كانت‭ ‬كافية‭ ‬لقتله‭. ‬

‏كان‭ ‬شيخ‭ ‬الفلاسفة‭ ‬سقراط‭ ‬يجمع‭ ‬حوله‭ ‬التلامذة‭ ‬ليبدأ‭ ‬التفكير‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭. ‬وكان‭ ‬أستاذهم‭ ‬أرسطو‭ ‬يمشي‭ ‬ويقول‭: ‬إن‭ ‬المعرفة‭ ‬تعني‭ ‬بداية‭ ‬الدهشة‭.‬‭ ‬وكان‭ ‬ديكارت‭ ‬يفكر‭ ‬ويتأمل‭ ‬من‭ ‬الشك‭ ‬حتى‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬اليقين‭. ‬ومن‭ ‬أجمل‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬قرأتها‭ ‬كتاب‭ “‬المنقذ‭ ‬من‭ ‬الضلال‭” ‬للإمام‭ ‬الغزالي‭. ‬إنه‭ ‬كتاب‭ ‬قليل‭ ‬الصفحات‭ ‬لكنه‭ ‬عميق‭ ‬المعاني‭ ‬يدعونا‭ ‬إلى‭ ‬حرية‭ ‬الأسئلة‭ ‬بلا‭ ‬حدود‭.‬

‏فماذا‭ ‬وجد‭ ‬الإنسان‭ ‬هناك؟‭ ‬وجد‭ ‬أن‭ ‬الكون‭ ‬عمره‭ ‬15‭ ‬ألف‭ ‬مليون‭ ‬سنة‭ ‬في‭ ‬أقل‭ ‬تقدير‭. ‬وأن‭ ‬الكرة‭ ‬الأرضية‭ ‬ليست‭ ‬إلا‭ ‬أحد‭ ‬الكواكب‭ ‬التابعة‭ ‬لنجم‭ ‬واحد‭ ‬هو‭ ‬الشمس،‭ ‬والشمس‭ ‬ليست‭ ‬إلا‭ ‬إحدى‭ ‬النجوم‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬هائلة‭ ‬اسمها‭ ‬المجرّة،‭ ‬وفي‭ ‬المجرّة‭ ‬ملايين‭ ‬النجوم،‭ ‬وفي‭ ‬الكون‭ ‬ملايين‭ ‬المجرّات،‭ ‬وكلها‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬نفسها،‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬يعرف‭ ‬أين‭ ‬مركز‭ ‬الكون،‭ ‬ولا‭ ‬يعرف‭ ‬إلى‭ ‬أين؟‭!.‬

‏وكلما‭ ‬انطلق‭ ‬مسبار‭ ‬فضائي‭ ‬قلنا‭ ‬هانت‭ ‬علينا‭ ‬المسائل،‭ ‬وتيّسرت‭ ‬الأمور،‭ ‬واقتربنا‭ ‬من‭ ‬المعرفة‭. ‬ثم‭ ‬نكتشف‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نزال‭ ‬ندور‭ ‬عند‭ ‬القشور‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬قيل‭ ‬لم‭ ‬يُقل‭. ‬والعلماء‭ ‬يكتشفون‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬شيئاً‭ ‬جديداً‭ ‬يُدهشهم‭. ‬إنهم‭ ‬حيارى‭. ‬ولا‭ ‬جواب‭ ‬لديهم‭ ‬عن‭ ‬ملايين‭ ‬الأكوان‭ ‬إلا‭ ‬قوله‭ ‬سبحانه‭: “‬وما‭ ‬أُوتِيتُم‭ ‬من‭ ‬العِلمِ‭ ‬إلا‭ ‬قليلاً‭”.‬

‏والذي‭ ‬نفسه‭ ‬بغير‭ ‬جمال‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬الوجود‭ ‬شيئاً‭ ‬جميلاً‭. ‬قالها‭ ‬أبو‭ ‬ماضي‭. ‬فكلهم‭ ‬متفقون‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التشكيل‭ ‬الأعظم‭ ‬من‭ ‬التدبير‭ ‬والعناية‭ ‬والنظام‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬البارئ،‭ ‬المصور،‭ ‬المصمم،‭ ‬المدبّر،‭ ‬الخالق،‭ ‬العلّة‭ ‬الأولى،‭ ‬وسبب‭ ‬جميع‭ ‬الأسباب‭.. ‬إنه‭ ‬العقل‭ ‬عند‭ ‬انكساغوراس،‭ ‬والوجود‭ ‬عند‭ ‬بارمنيدس،‭ ‬والصانع‭ ‬عند‭ ‬أفلاطون،‭ ‬والمحرك‭ ‬عند‭ ‬أرسطو،‭ ‬والفيض‭ ‬عند‭ ‬أفلوطين،‭ ‬وواجب‭ ‬الوجود‭ ‬عند‭ ‬الفارابي،‭ ‬والكامل‭ ‬عند‭ ‬ديكارت،‭ ‬والمطلق‭ ‬عند‭ ‬هيجل‭. ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬ليس‭ ‬كمثله‭ ‬شيء،‭ ‬عندي‭ ‬وعندكم‭ ‬وعند‭ ‬هؤلاء‭ ‬جميعاً‭.‬

‏يقيناً‭ ‬لو‭ ‬قام‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفلاسفة‭ ‬والعلماء‭ ‬من‭ ‬اليوناني‭ ‬سقراط‭  ‬إلى‭ ‬الألماني‭ ‬أينشتاين‭ ‬برحلة‭ ‬أسطورية‭ ‬حول‭ ‬الفضاء‭. ‬ورأوا‭ ‬بعيونهم‭ ‬ماذا‭ ‬يجري‭ ‬تحت‭ ‬تلك‭ ‬السماوات‭ ‬الواسعة‭ ‬البديعة‭ ‬من‭ ‬معزوفة‭ ‬كونية‭ ‬هندسية‭ ‬متناسقة‭ ‬الأنغام؟‭ ‬لعادوا‭ ‬إلينا‭ ‬مثل‭ ‬دراويش‭ ‬في‭ ‬تكية‭. ‬ولو‭ ‬نادى‭ ‬بهم‭ ‬أحد‭ ‬المريدين‭: ‬ماذا‭ ‬وجدتم‭ ‬هناك؟‭. ‬سيقولون‭ ‬رغم‭ ‬غرورهم‭: ‬الله‭!.‬

مشاركة