‏صوتٌ من السماء- رباح آل جعفر

‏من‭ ‬سنوات‭ ‬بعيدة‭ ‬وفي‭ ‬الأيام‭ ‬الخوالي‭ ‬التقيت‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬حفّاظ‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬المشاهير‭ ‬في‭ ‬العراق‭. ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬الحناجر‭ ‬الذهبية‭. ‬لكل‭ ‬قارئ‭ ‬منهم‭ ‬سحنة‭ ‬خاصة‭. ‬هؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬حرمهم‭ ‬الله‭ ‬نعمة‭ ‬البصر‭ ‬ورزقهم‭ ‬نعمة‭ ‬البصيرة‭. ‬كانوا‭ ‬يعدون‭ ‬بحق‭ ‬مواهب‭ ‬ومدارس‭ ‬وعبقريّات‭ ‬في‭ ‬التلاوة‭ ‬والتجويد‭. ‬استطاعوا‭ ‬بأصواتهم‭ ‬الباهرة‭ ‬التحليق‭ ‬بأفئدة‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬السموات‭ ‬العلى‭.‬

‏كان‭ ‬أشهرهم‭ ‬الحافظ‭ ‬خليل‭ ‬إسماعيل‭ ‬فقد‭ ‬وسعت‭ ‬حنجرته،‭ ‬رحمه‭ ‬الله،‭ ‬جميع‭ ‬ألوان‭ ‬المقامات‭ ‬والطبقات،‭ ‬واستطاع‭ ‬بدفء‭ ‬صوته‭ ‬الشجيّ‭ ‬الجميل‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬الخشوع‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬المنصتين‭ ‬من‭ ‬عشّاق‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬فأحبّوه‭ ‬وأطالوا‭ ‬الوقوف‭ ‬عند‭ ‬تلاواته،‭ ‬التي‭ ‬كتب‭ ‬لها‭ ‬الخلود‭ ‬مع‭ ‬الأيام،‭ ‬ورشّحوه‭ ‬بلا‭ ‬انتخاب‭ ‬ليكون‭ ‬شيخ‭ ‬القرّاء‭ ‬العراقيين‭.‬

‏كان‭ ‬الحافظ‭ ‬خليل‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬أمراض‭ ‬كثيرة‭ ‬أشدّها‭ ‬مرض‭ ‬البروستات‭ ‬الذي‭ ‬أكل‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬عمره‭ ‬وشطب‭ ‬على‭ ‬آخر‭ ‬يوم‭ ‬في‭ ‬حياته‭. ‬وكنّا‭ ‬نأتي‭ ‬له‭ ‬بوصفات‭ ‬العلاج‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تعسّرت‭ ‬عليه‭ ‬الظروف‭ ‬وزادت‭ ‬الآلام‭ ‬حتى‭ ‬قال‭: ‬إنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يفهم‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الدنيا‭ ‬شيئاً‭.‬

‏ولم‭ ‬يكن‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬من‭ ‬أنيس‭ ‬ولا‭ ‬جليس‭ ‬بعد‭ ‬أسر‭ ‬ابنه‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬أعوام‭ ‬الثمانينات‭ ‬غير‭ ‬زوجه‭ ‬المريضة‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭. ‬وكان‭ ‬صوته‭ ‬مثل‭ ‬ناي‭ ‬شجيّ‭ ‬يوجع‭ ‬الأعماق‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬يبغي‭ ‬من‭ ‬دنياه‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬إليه‭ ‬ابنه‭ ‬الأسير‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬طالت‭ ‬من‭ ‬الغياب‭. ‬لذلك‭ ‬كان‭ ‬دائم‭ ‬التلاوة‭ ‬من‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬يوسف‭: “‬أذهبوا‭ ‬بقميصي‭ ‬هذا‭ ‬فألقوه‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬أبي‭ ‬يأت‭ ‬بصيراً‭”.‬

‏وكان‭ ‬ينتظر‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬يلقاه،‭ ‬ويشعر‭ ‬أنه‭ ‬سيموت‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تردّ‭ ‬عليه‭ ‬ريح‭ ‬الغائب‭ ‬بصره،‭ ‬ولقد‭ ‬حدث‭ ‬بالفعل‭ ‬أن‭ ‬مات‭ ‬الحافظ‭ ‬خليل‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2000‭ ‬بعدما‭ ‬اشتد‭ ‬عليه‭ ‬المرض،‭ ‬ثمّ‭ ‬رجع‭ ‬الابن‭ ‬من‭ ‬أسره‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يشفي‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬قلبه‭ ‬من‭ ‬شوق‭ ‬إلى‭ ‬اللقاء‭!.‬

‏ولقد‭ ‬وجدت‭ ‬في‭ ‬مجلسه‭ ‬ظرفاً‭ ‬وفكاهة‭. ‬كنت‭ ‬أطرق‭ ‬الباب‭ ‬فيعرفني‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأصدقاء‭. ‬أجلس‭ ‬عن‭ ‬شماله،‭ ‬فيقول‭: ‬تفضل‭ ‬بالجلوس‭ ‬عن‭ ‬يميني‭. ‬وكنت‭ ‬أمازحه‭ ‬فأقول‭: ‬إنني‭ ‬جالس‭ ‬عن‭ ‬يمينك،‭ ‬فيبتسم‭ ‬ويقول‭: ‬بل‭ ‬أنت‭ ‬جالس‭ ‬عن‭ ‬شمالي‭!.‬

‏وله‭ ‬قفشات‭ ‬ونكات‭ ‬وحكايات‭. ‬وكان‭ ‬يقول‭ ‬لي‭: ‬إنه‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يحسب‭ ‬الملعقة‭ ‬واللقمة‭ ‬التي‭ ‬آكلها‭ ‬حين‭ ‬أجلس‭ ‬إلى‭ ‬مائدة‭ ‬الطعام،‭ ‬ويعدّ‭ ‬كم‭ ‬كوباً‭ ‬أشرب‭ ‬من‭ ‬الماء‭ ‬ولا‭ ‬يُخطئ‭ ‬في‭ ‬الحساب‭.. ‬فأستغرب‭ ‬الأمر،‭ ‬وأجرّب،‭ ‬ويحسب‭ ‬ويكون‭ ‬الناتج‭ ‬صحيحاً،‭ ‬وأسأل‭ ‬نفسي‭ ‬بعجب‭: ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬معقول؟‭!.‬

‏نعم‭ ‬معقول‭ ‬جداً‭. ‬وحدث‭ ‬ذلك‭ ‬كثيراً‭. ‬وكان‭ ‬يردّد‭ ‬دائماً‭: ‬نحن‭ ‬القراء‭ ‬من‭ ‬فاقدي‭ ‬البصر‭ ‬فتح‭ ‬الله‭ ‬علينا‭ ‬لنرى‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬فنقرأ،‭ ‬ونكتب،‭ ‬ونتخيّل،‭ ‬ونفكر،‭ ‬ونتفرج‭ ‬على‭ ‬الدنيا،‭ ‬ونبتسم،‭ ‬ونبكي‭ ‬بقلوبنا‭!.‬

‏عميان،‭ ‬لكنهم‭ ‬ظرفاء‭ ‬وطيّبون‭ ‬لديهم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬المرح‭ ‬والفكاهة‭ ‬والابتسامة،‭ ‬عرفت‭ ‬منهم‭ ‬أشخاصاً‭ ‬لا‭ ‬أجمل‭ ‬من‭ ‬روحهم‭ ‬ولا‭ ‬أزكى‭ ‬من‭ ‬نفوسهم‭ ‬إذا‭ ‬طابت‭ ‬النفوس‭.‬

‏وكثير‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬القرّاء‭ ‬يعملون‭ ‬بالقطعة،‭ ‬ويعيشون‭ ‬من‭ ‬أصواتهم‭. ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬عمل‭ ‬لهم‭ ‬ولا‭ ‬وظيفة،‭ ‬إنهم‭ ‬يرتّلون‭ ‬ويجوّدون‭ ‬القرآن‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬وبعضهم‭ ‬ينتظر‭ ‬الأجر‭ ‬والمكافأة‭!.‬

‏ومع‭ ‬الأسف‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬عذر‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يصدر‭ ‬تشريع‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬مهنتهم‭ ‬الكريمة‭ ‬وظيفة‭ ‬مقابل‭ ‬رواتب‭ ‬شهرية،‭ ‬والأكثر‭ ‬أسفاً‭ ‬أن‭ ‬يتكسّب‭ ‬الفقراء‭ ‬منهم‭ ‬وأكثرهم‭ ‬من‭ ‬الفقراء‭ ‬بقراءة‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬أرزاقهم،‭ ‬وهم‭ ‬يرفعون‭ ‬أكفّهم‭ ‬داعين‭ ‬ربّهم‭: ‬اللهمّ‭ ‬هذه‭ ‬حالتنا‭ ‬البائسة‭ ‬لا‭ ‬تخفى‭ ‬عليك‭!.‬

مشاركة