‏أحزاننا الجميلة-رباح آل جعفر

622

لكل منطق زمان، ولكل زمان منطق.. وما كنّا نراه جميلاً أيّام زمان لم يعد الآن جميلاً في عيوننا كما كان.. لا الورد. لا الريحان. لا شقائق النعمان!.

‏كان عميد الأدب العربي طه حسين يقول: إن أجمل اللحظات في حياته حين كان طائر الكروان يشدو في طفولته فينام بلا وسادة على ألحانه. لأن أخاه الأكبر خطف وسادة النوم من تحت رأسه!.    

‏وأنا أشعر بالحنين للعودة إلى فتح الدفاتر الأولى. أحنّ إلى مسمار في حائط. إلى عمود نور حفظنا تحت ضوئه ديوان المتنبي. إلى رائحة الخبز الصاعدة من تنانير الطين قبل الفجر. إلى مئذنةٍ قديمة حطّ عليها سربُ حمام وقت الغروب. إلى عريشة عنبٍ في بستان. 

‏أهرب من هذا الجفاف العظيم إلى منابع الماء والعذوبة. أتذكر الأيام الخالية حين كنّا نجلس على الجرف نسمع «نغيط الوز» ونملأ زجاجات العطور الفارغة بالرازقي، وبالزعفران، وبزهر الجنبذ من الورد ونصدرها إلى الدنيا. ونجعل منها أحمر الشفاه، وورد الخدود، ولوحات أنيقة، وديواناً فخماً في الشعر، ورسائل رقيقة، وأحضاناً وقبلات. 

‏فمن أين هذه الرقة والكلمات التي تمتصّ رحيقها من شفاه العسل فيستولي عليها شاعر بالأحضان والقبلات؟. 

‏ما هذه الفلسفة التي تجعل من بستان مشمش في حديثة. يشبه الجنة المفقودة، والأرض الموعودة، واليوتوبيا، والدولة المثالية، والقارة الحالمة في جمهورية أستاذ الأساتذة أفلاطون؟!. 

‏ليت من يستطيع اليوم أن يبعث لنا قليلاً من تلك الأنفاس تحمل إلينا عناقاً من تلك القبلات، والهواء أحضان. 

‏كانت الدنيا كبيرة. وكنّا نحسب أيّام العمر مثل حساب العصافير لحبّات البيدر.. ونحن نبيع حصتنا من الفلسفة بفنجان قهوة.. ونبيع أفلاطون ألف مرة ومرة في الساعة، ونبيع حصتنا من الحلاج، والسهروردي، وابن عربي، وسقراط، وبريتراند رسل، بدشداشة مطرّزة بالكلبدون!.

‏تداهمني صور عميقة متلاحقة طافحة بالحنين كأنها شريط سينمائي. تنتابني أحاسيس ندم في مدائن الألم. تذكرت أصدقاء غادروا شباب العمر من دون وداع أخير. أعرف أن العمر سيّاف لا يرحم. غادر وغدّار. مثل غيمة مدلهمة أمطرتنا وابلاً من الحزن.

‏وتتابعت علينا أيام ثقيلة الوطأة. تضاءلت الأبعاد والمسافات. صرنا نبحث عن تعلات لملامحنا التي تزداد هرماً في موسم كآبة طويل. رأينا مدناً تسقط. رأينا مدناً تحاصر. رأينا مدناً تحترق. ونحن لا ندري متى تنجلي الغمّة عن هذه الأمة؟.

‏الأشياء الجميلة لا تكرر نفسها. إنها جزء من عمر ومن تاريخ. والجميل لا تاريخ له. هو نفسه تاريخ.. قوس قزح في عيوننا كان أجمل من عيون إلزا التي رسمها أراغون بأجمل ألوان اللهفة. شجرة النارنج والياسمينة المتسلقة على أصابعنا رسمناها بالفحم الحجري أحلى من موناليزا التي رسمها دافنشي.. وذلك الشارع الذي كنّا نسيره إلى المدرسة ونحن نتوكّأ على الحيطان لكي لا تنزلق أقدامنا في الدروب الضيقة فتتسخ ثيابنا بالطين كان أوسع من كل شوارع الدنيا.. لأننا من الأصل لم نكن نعرف أين هي الدنيا، وما هي الدنيا؟. 

‏لقد قالها شاعرنا القديم: 

‏خرجنا من الدنيـا ولسنا من اهلها 

‏فلا نحنُ بالأحياءِ فيها ولا الموتى

‏إذا جاءنا السجّـانُ يـومـاً لحاجــةٍ 

‏عجبنا وقلنا: جاءَ هذا من الدنيـا!.

مشاركة