


مروان ياسين الدليمي
1- (صباح الإثنين 3 أكتوبر – في الطريق إلى المستشفى)
المدينة
تفرش شوارعها بأعلام بلا دم،
وتصفّر مثل غلاية ماء نسيت على نار خافتة،
تغلي لأجل لا أحد.
أنا،
كنت أسحب خطواتي خلف ظلّ زوجتي
كما يسحب اللّيل ثقله عبر نافذة مغلقة.
هي تمشي بخفّة حجر مبلّل،
تبتلع الوقتَ كأنّه حبوبُ ضغط،
واحدة كل سبعة أشهر.
الريح
لم تكن تهب،
كانت تتثاءب في وجه المرضى،
كأنها تتهكم علينا بلغتها القديمة،
لغة النوافذ التي لا تُفتح،
والأبواب التي تصدأ من التردّد.
في الانتظار،
“الطفل الأصلع،
رقد في حضنٍ
لا أحد فيه إلا وجع أمّه
يمسح جبينه بقطعة سكر
ذابت في يدها.
الكرسيّ البلاستيكي
ارتجف من تحت جسده،
كأنّه يعرف ما لا يجب أن يُقال،
وكأنّ البلاستيك يشيخ من الحزن.
أنا لم أتكلم.
كنت أرتدي الصمت
كما ترتدي المدن زينتها يوم العيد،
فوق الجراح،
فوق الهواء الذي يمرّ على الرئة ولا يدخل.
2- (في الطريق إلى البيت، بعد الخيبة )
كان الإسفلت
يمدّ ذراعيه مثل عجوزٍ أنهكته الحروب،
والمرايا الجانبية للسيارة
تعكس وجوهًا غادرت المشفى
كأنها تغادر جنازة مؤجلة.
كلّ شيء كان يزحف
بصمتٍ
يتكلم.
السماء مثقوبة من وسطها
كأن ملاكًا سقط ولم يقم.

أنا
لم أنظر إلى عيني زوجتي،
كانت تمسح الزجاج بكمّ قميصها،
لكنني أعرف:
ما كانت تنظّف المطر،
بل تحاول أن تمحو توقيت الانتظار من الذاكرة.
السيارات تمرّ،
كأن لا شيء حدث،
كأن الألم حفرة جانبية
نتفاداها في طريقنا إلى الصراخ.
أحدهم مرّ بجانبنا،
وكان يلوّح بعلمٍ صغيرٍ من نافذة سيارته،
كأنّه يلوّح لجرعة الكيمياوي
التي لم تصل في موعدها.
أنا
عضضت لساني
حين رأيت جدال العيد على الفيسبوك،
كأن الكلمات سكاكين على مائدة خالية.
واحدة تقول:
“3 تشرين يوم الخلود.”
وأخرى تضحك:
“أي خلود هذا ونحن نعيش في فاصل إعلاني دائم؟”
وأنا
أعرف أن الوطن لا يحتفل،
هو ينام على سرير صدئ
في جناحٍ مكتظ،
ويُسقَى بالكانيولا،
مثلنا تمامًا.
3- (تجلّي التافه، ظهوره ككائن حي، وعبوره بين العقول)
رأيته.
كان يمشي أمامي
بجسد من ضوءٍ زائف ،
خفيف، كأنه فكرة سيئة
تنتعل وجهًا بشريًّا وتبتسم.
كان “الزَّائف”
يلبس بدلة رسمية
وربطة عنق بلون الصراخ،
ويحمل بيده دفترًا للمنشورات
وقلمًا يخطّ به التاريخ من جديد:
“في هذا اليوم، وُلدت دولة…من فكرة مستوردة.”
مرّ من أمام بيتنا،
وتشمّم الهواء كما لو أنه نبيذ فاخر،
ثم بصق على شجرة التين في الحديقة،
وهمس لها:
“في ظلك يُصنع الجدل، وفي جذرك ينام النسيان.”
أنا
راقبته يخطو فوق خيبتنا،
فوق الأوراق الطبية
التي نُسيت على الطاولة،
وفوق الأمل اليابس
الذي كنّا نعلقه كل أسبوع على حبل الغسيل.
كان “الزائف”
يلامس الأشياء ويوقظها:
الساعة على الحائط صارت تصفر كصفارة حكم،
الستائر اختنقت من فرط الجدال،
حتى الملعقة
أرادت أن تغرز نفسها في صدر فنجان القهوة،
هربًا من الصوت.
قال لي بصوته المعدني:
“أنتم لا تحتاجون دواءً، بل قصة.
شيء تقتتلون حوله…
فتنسون أنكم تموتون ببطء.”
ثم ضحك.
ليس ضحكًا،
بل خريرُ لهبٍ يسخر من الماء.
صوتهُ
فاحَ كدخانٍ يتصاعد من قميص محترق،
وخلّف في فمي
طعمَ مفتاحٍ صدئ…
نسيَ أن يغلق شيئًا.

4- (هبوط الزائف إلى لُبّ الروح، واختناقه في رئتي الصمت)
في الليل،
دخل “الزائف” غرفتي
كما يدخل الهواء من شقّ في الجدار.
لم يقرع الباب،
بل تسلّل مع الأخبار العاجلة
ومع نغمة الهاتف التي لم أغيّرها منذ وفاة أمي.
جلس عند حافة سريري،
خلع حذاءه،
وشرع يحدّثني عن الأعياد الوطنية
كأنها سكاكر توزّع على جرحى المعارك.
قال:
“العيدُ لا يحتاج مناسبة،
يكفي أن تختلفوا عليه حتى يصير وطناً.”
حاولت أن أطرده،
لكنّه استحال إلى سحابة صفراء
دخلت رئتيّ
وتركت في داخلي رنيناً
كأنّ رئةً تتحدث إلى الأخرى،
“لا تنتظري الهواء، لقد صار رأياً.”
كانت الجدران
تتبادل النظرات،
وكان الضوء يرتجف على حافة المصباح
كأنه يشهق
من ثقل العبارات التي لم تُكتب.
حتى الأوراق على مكتبي
راحت تنزف كلمات
لم أكتبها،
لكني أعرفها جيداً:
“أخفّ من وجع…
أثقل من تافه.”
أنا
لم أنم تلك الليلة.
راقبت ظلّي وهو يصغر تحت عتبة السؤال،
واكتشفت أن اللغو لا يُقتل،
بل يُنسى.
وحين ننساه،
يتكاثر.
5 –(صمتٌ له طنين…وجرسٌ يرنّ في الجمجمة كلما صرخ أحدهم لأجل اللاشيء)
في الصباح،
لم أفتح فمي.
كنت أمشي داخل جسدي
كما تمشي فكرة نادمة في رأس طفلٍ فقدَ لعبته الأخيرة.
زوجتي أعدّت الشاي،
ورائحة النعناع كانت
صوتًا أخضر
يقول لي بهدوءٍ بارد:
“اصمت، ودع الغُصّة تتوضّأ بك.”
أمسكت الكوب،
ورأيت فيه
انعكاس رأسي بلا ملامح.
كأن الزائف الذي دخل البارحة
نهش المرايا
وترك لي صورةً لا تُقنع أحدًا بالبقاء.
فتحت الفيسبوك مجددًا،
لا لأشارك،
بل لأراقب الجنون وهو يتكرّر بلونٍ أزرق.
أحدهم كتب:
“العراق أعظم من كل تواريخكم!”
وآخر ردّ:
“العراق خرافة أوجدها مَللُ الإنكليز!”
وثالث
علّق بصورة…
لطفل مريض بلا شعر، يبتسم.
أنا،
وضعت إصبعي على تلك الصورة،
كمن يضغط جرحًا ليتأكد أنه لا يزال حيًّا.
ثم كتبت سطرًا
ولم أنشره:
“كلما اختلفتم على العيد، ماتَ أحدهم دون دواء.”
وأقفلت الهاتف.
وقلت في داخلي:
“الصمتُ علاج.
لكن ليس للجسد، بل للعدوى.”
هكذا، انتهيت.
لكنّ “الزائف” لم ينتهِ بعد،
إنه الآن
يمسح حذاءه بقميص الحقيقة،
وينام تحت سرير العقل.



















