يوم من أيام النجف

884

رائعة مكي زبيبة.. رواية خلّدت مبدعها فأوصى بدفنها معه

يوم من أيام النجف

عبد اللطيف الموسوي

هل يمكن ان يوصي مؤلف ما بدفن كتاب معه ؟ في مدينة مثل النجف الاشرف وإزاء  اديب انساني حد النخاع ينتسب لتلك المدينة ، مثل الراحل مكي زبيبة، يمكن ان يحدث هذا الامر ،ولعمري ان رواية مثل “يوم من ايام النجف “، لتستأهل ان تدفن مع مؤلفها ،وقد نفذت وصيته بالفعل.وكيف لا ، وقد قال عنها المرجع الديني السيد عبد الأعلى السبزواري(قدس سره) انها (احلى ماكتب عن النجف).

مكي زبيبة روائي خلد رواية، و”يوم من ايام النجف “رواية خلدت كاتبها ،فعندما كان زبيبة يكتب روايته، كان”كأنه يكتب من داخل أسوار الصحن الشريف والفسيفساء والريازة والبلاط المرمري والإستدارات المذهلة للأقواس الأخاذة والذهب الذي ينساب على كل شيء والمآذن التي يكبر عليها اسم الله العظيم والحمام الذي يرسم بأجنحته واحة الأمان ( اللهم إن قلوب المخبتين إليك والهةٌ) وتستمر الصلاة، ليستمر النشيد ينساب بداخله أولاً ثم يتفجر من تحت جلد النجف الصخري”.

رواية “يوم من ايام النجف”هي الرواية الوحيدة التي قرأتها اكثر من ثلاث مرات ،لأنها ببساطة كانت عبارة عن سياحة في عالم تلك المدينة السحرية والآسرة ،سياحة لاتملك إزاءها ،الا العودة اليها ثانية، حالما تفرغ منها . لقد ابدع زبيبة في روايته التي قدمها لقارئ يروم ان يعرف كل شيء عن مدينة علي بن ابي طالب “عليه السلام”،لكنها لم تكن مجرد رواية، بل كانت اشبه بلوحة ابدع في انجازها يراع فنان متمكن من صنعته .

في كل مرة ،كنت اعاود قراءة تلك الرواية، اكتشف اشياء واشياء ، لأنها رواية لم تؤلف لتقرأ فحسب، وانما كتبت لتدفن مع صاحبها ، من دون ان تموت في ذاكرة قرائها، وبالفعل فقد دفنت مع كاتبها عندما توفي تنفيذا لوصيته.

تصور الرواية 24 ساعة يقضيها زائر للنجف في هذه المدينة التاريخية ،الامر الذي يتيح للمؤلف تقديم وصف مذهل للمدينة وماتضم من مواقع تاريخية ودينية مثل الحضرة العلوية المطهرة ومقبرة النجـــــف وغيرهما بالاضافة الى مكتباتها وسراديبها وازقتها وكل شـــيء فيها، ولكنه ركز اكثر على الحضرة العلوية المطهرة وما تضمه من روائع وعجائب.

ويقيناً ان كتابة رواية  عن النجف امر في منتهى الصعوبة ، ذلك ” لأن النجف لا تمنح نفسها بسهولة”، كما يقول قريبه ورفيقه ناجي زبيبة ،الذي يرى ان النجف مدينة “بحاجة إلى غواصين ماهرين ليكتشفوا أسرارها، لأن الذهاب إلى هناك إلى أي مكان أسهل بكثير من المكوث هنا وأن استكشاف العوالم من خلال الحركة أسهل بكثير من استكشافها وأنت ساكن. إن التوغل في النجف توغل في المجهول، وقد حاول مكي وربما نجح … وربما سينجح آخرون إذ امتلكوا مهارة الغوص؛ لأن النجف مخبوءة داخل النجف وتلك مخبوءة داخل أخرى فإلى أي حد ستصل تلك هي المهمة الماجدة والنبيلة” .

عن موهبة زبيبة القصصية، يمضي ناجي قائلاً”امتلك مكي زبيبة مهارة خاصة في القصة، كان يفتش عن جزر القصة، ذلك الفن الصعب ،حتى قال احد النقاد ان (القصة النجفية مرت بمخاض عسير وهي تنظر بعين المتتبع الى المشهد القصصي العربي والعالمي وخطت بخطوات واثقة حتى ولدت مطلع الثمانينيات على يد مكي زبيبة ) ،وحيث ما يضع مكي الكلمة الأولى تتسع الحلقات والدوائر ليكتمل الحديث كما يلقى الحجر في الماء يرسم دوائره، إنه يخبئ أشخاصه وأحداثهم ومصائرهم داخل الكلمة الأولى كأنه يذكرنا بنظرية الكون حيث الأجيال الإنســــــــانية كلها في آدم (- عليه السلام -) ثم بدأت تتناسل ثم تبدأ القصة عنه بالانفلات حتى الكلمات الأخيرة وبعدها يصحو ليعود من سفره، يستريح من رحلته البعيدة عبر الزمان والمكان”.

وعلى عهدة ناجي ، “سمعته يوما يقول ((عرضت هذه الرواية على السيد عبد الاعلى السبزواري وقال عنها ((هي احلى ماكتب عن النجف)). وينقل  عبد الاله الصائغ عن الروائي الكبير عبد الرزاق المطلبي قوله عنها( لم اقرأ في حياتي رواية أعظم منها ، لا عراقيا ولا عربيا ).

عنوان الرواية

اختار زبيبة ،في بادئ الامر، لروايته عندما كانت مخطوطة عنوان ( في رحاب علي بن ابي طالب”،غير انه استبدل هذا العنوان في مابعد لتصدر بعنوان”يوم من ايام النجف” ومن دون شك، فإن اسباباً منطقية دعته في حينه الى استبدال عنوان روايته ،في مقدمتها ضمان ان يرى جهده  النور ، وتفادي تعرضه لمضايقات من النظام السابق ، وبرغم ذلك فإن عبد الاله الصائغ يرى ان صدور هذه الرواية كان استفزازا كبيرا لقوى الأمن والمخابرات في النجف !

كان مكي  زبيبة يعد روايته هذه بمثابة ولد من اولاده وقد صرح بذلك لصديقه ذياب مهدي آل غلام الذي يتحدث عن واقعة اهداء مكي الرواية له كما يأتي”حين التقينا مصادفة وانا اتخذ الطرق الفرعية للاختفاء من مطاردة الامن البعفاشستي في (عكد خانية ) في دخلة صغيرة تؤدي الى شارع الخورنق امام بيت من بيوت البو زيارة ، فرحت وانسر هو : ذياب وينك مشتاق ؟ تلفت خلفي ومن ثم عانقته وبكينا قلت : استاذ مكي انا مطارد ، هؤلاء لا يريدون ان اتنفس فنا او ادبا ولا حتى عطاء للاجيال تربويا المهم “أشلونك “يا يها القديس النجفي .

ضحك من اعماقه وكانه طفل يتمتع بحلوى العيد :ذياب لا اخلص من تصوراتك ، ضحكت وقلت : له اقسم يا مكي انك راهب دير (الحنانه) .ارتفعت ضحكته مرة اخرى وقال : لايسمعك احد فالحنانه قلت له : مكي لن انساك . ضحك من جديد وقال “ذياب انت ابو البلاوي فكني “

قلت له: استاذ مكي سمعت ان كتاباًً جديداًً لك عن النجف صدر الان .ابتسم ، وقال من يخلصني من أبن غلآم ؟ وضع حقيبته السوداء ارضا وفتحها واخرج كتاباً انيقاً كأنه مصباح اخضر بغلافه الجميل ،لإيوان من الصحن الحيدري ، هكذا ترأى لي ، قلت له مازحاً:أستاذ مكي هذا كتاب لو (علك أخضر) وربما من تشابيه عاشوراء في (موكب عزاء الدروغي ) حين يرتدي الاطفال ملابس خضراً ؟ وبصوت خفيض قال: يا ملعون : انها صورة جميلة نعم هذا طفل من اطفالي لكنه مفعم بالحياة النجفية انه (يوم من أيام النجف).

ولم ينسَ مكي زبيبة ان يقدم جانبا كبيراً من تجربته الضخمة في محراب الوطن.. وحتى في هذا الشأن كانت لفتته صوفية تعبر عن الانتماء الصميمي فقد كتب أربع روايات اخرى هي : “رجال الفوج الثاني، وهكذا الرجال، وتجليات في ممرات الشهادة، وممرات مضاءه”. وكانت هذه التجارب الاربع تعبر بصدق عن مكي زبيبة الانسان فهو طيب القلب وشرطه الوحيد على صديقه أيا كان هو أن يكون طيب القلب ايضاً، ومقياس الإبداع في الكتابة عنده هو أن تكون طيب القلب، فعنده أن الكاتب لايمكن أن يكون أخلاقياً ولا أخلاقياً بوقت واحد فالطيبة عنده تكبر وتكبر حتى تصبح قانوناً عاماً في الحياة. والإعلان عن النيات الطيبة عنده هو رد فعل ضد الإعلان عن النيات الخبيثة عند الآخرين، فالموقف الأخلاقي عنده يتجسد بالشعار الأخلاقي في الممارسة الأخلاقية، فلا تجد عنده بطلاً شريراً يغلف شره ويدافع عنه، إن جميع أبطاله طيبون، فهم ربما يمتلكون خفة دم ويشاكسون ضد بعضهم ولكنه مكنهم جميعاً من أن يهرولوا فوق الســـــطر الذي كتــبوا عليه (الطيبة).

وماذا بشأن لغته؟

يرى ناجي ان زبيبة” لغة مفتوحة تكتنفها الشاعرية ،حتى تكاد الشاعرية تكون صفة ملازمة للغته في اكثر لحظات القص توترا ،التي تستدعي من الكاتب لغةً اكثر حدة، وتتصاعد لديه حتى تصل باللغة إلى مرحلة التوهيم فترسم مجموعة من علاقات مبتوره مثل (أرى صوتي يتصاعد عالياً نحو السماء) أو (إنني سأرسم عشقي) أو (ماذا يفعل أمام كتل التصميم) وتتبلور كلماته الشعرية إلى قصيدة شعر أحيانا وإن لم يعرف عنه انه كان شاعراً”. بل ويرى ان زبيبة قد “ألغى المساحة التي كانت تفصل بين القصة والشعر”.

ولد مكي زبيبة في عام 1937، وتوفي في 29 شباط 1992 .

عنه يقول قريبه ورفيقه ناجي زبيبة ان مكي ترك دراسته وهو في الصف الثالث الابتدائي ودخل معترك الحياة، فأصبح عاملاً ميكانيكيا في مثل هذا العمر المبكر،لكنه كان يقرأ كل ما تقع عليه عيناه،ثم دخل الامتحان الخارجي للدراسة الابتدائية ونجح بتفوق وهكذا كان الحال مع الصف الثالث المتوسط ،ليعود ثانيةً إلى مقاعد الدراسة،فدرس في الوجبة المسائية الصفين الرابع والخامس الأدبي واجتاز امتحانهما بنجاح. وتحول محل عمله إلى منتدى أدبي صغير يرتاده محبو الأدب وعشاق الكلمة المضيئة ثم دخل كلية الفقه وتخرج فيها عام 1970 وعين مدرساً للغة العربية.

النجف في عينيه

لماذا يؤلف زبيبة رواية بأكملها عن مدينته النجف ؟ إذا تقصينا العلاقة بينه وبين مدينته ،سنعرف حينئذ الاجابة على  هذا السؤال ،عن  هذه العلاقة ،يقول قريبه ناجي “هكذا عرف مكي زبيبة النجف ،أبوابها مفتوحة نحو السماء، مدينة تستحم بالضوء والصلوات، كانت هذه الكلمات أثيرة إلى نفسه يكررها دائما، وبتكرارها تتركز في الذاكرة كأنه يشير إلى هذه الصلوات لمن يراها”.اجل،ارتبط  زبيبة بمدينته ارتباطاً وثيقاً ،وسعى الى خدمتها ثقافياً ، ولعل روايته”يوم من ايام النجف”هي الدليل القاطع على تعلقه وولعه بها ووفائه لها .

الى ذلك،أقام الأماسي الثقافية فيها منذ أيام الرابطة الأدبية ونشر الكثير من قصصه على صفحات مجلتها، كما أقام الأماسي في دور الثقافة الجماهيرية آنذاك حتى افتتاح أول فرع لاتحاد أدباء العراق في النجف الأشرف عام 1985 وكان عضواً في أول هيئة إدارية للاتحاد قبل ان يصبح رئيسا لإتحاد ادباء النجف ،فعمل على بناء أول مقر للاتحاد في المدينة، واسهم في إقامة المهرجانات القطرية للشعر العربي والندوات الفكرية وتضييف المفكرين والأدباء والنقاد .

زبيبة الانسان

انسانياً، كان زبيبة محبوباً، ولنقرأ ما كتبه عنه ناجي”وكل من يرى مكي زبيبة يشغف به، وقد حاولت كثيراً رسمه بالكلمات يوم كان يرافقني حد الالتصاق، جبينٌ متّغضٍ وخطوط متعرجة استعارت من الجغرافية خارطةً ما ،لكن هذه الخطوط سرعان ما تصبح لينة وتغادر شكلها عندما يبتسم لك، وابتسامته لايمكن هزيمتها مطلقاً، لأنها قانون المحبة الذي يربط بين أجزاء هذا الكون، فهو يبتسم عندما يراك ويبتسم عندما يودعك، إنه يدفع لك قسطك الخاص من المحبة ولكنه يبتسم لك أيضاً عندما تحرجه فيخترق بداخله الحزن، كنّا نحيط به ونبث همومنا وأحزاننا وخساراتنا الصغيرة التي أدمنت التراكم، كان يجمعها ويودعها هناك في السماء بالقرب من نجمةٍ صغيرةٍ ووحيدة وفي غفلة تمد النجمة جناحا صغيرا من الضوء لتطوي ما أودع إليها. لقد كانت هناك دعواته وصلواته في السماء ولكن على الأرض كانت النيات والأمنيات كلمات ترسم دوائر لانهاية من الحلم، لاشيء يروي ضمأهُ كانت الحمى في أعضائه وهو يواصل ركضه وراء الكلمات، فتراه يترنح مثل قارب أسلم مشيئته للقهر فكان يمخر عباب الكلمات والأحلام، يخرج من جيبه سلسلة المفاتيح ويضع المفتاح في سيارته القديمة ويدور المحرك العجوز وتبدأ سيارة مكي زبيبة بإيصال الجميع إلى بيوتهم ليبقى هو وحيداً غريبا بنفسه نعم لديه بيت وهو يذهب إليه كالآخرين، ولكنه لا ينصاع إلى قانون المكان، فيجلس بين الجدران أنه يحلق أينما كان كأن الأرض لاتسعه على ظهرها حتى في مكان عمله في معهد إعداد المعلمين، كان يؤثر الجلوس في المكتبة وبعد خروجه من المحاضرات يحدق في أرتال الكتب، سر عنفواننا وزهونا هذه الكتب لذلك كانت وشائجه مع الكلمات والكتب والأسئلة أشد التصاقا، وكان صراعه شديدا مع الكلمات لكي يضعها في سياقها تماما كما كان يصارع الحديد حيث عمل ميكانيكيا في مقتبل حياته، ليـــــــــــنشئ نفسه عصامياً”.

سافر زبيبة إلى الجزائر للإسهام في عملية التعريب للشعب الجزائري ،كما  ذهب الى ليبيا ،وزار مرقد المجاهد عمر المختار وقرأ سورة الفاتحة ترحماً عليه ،وفي باريـــــــــس وروما ،حرص على مشــــــاهدة روائع الفن العالمي.

عنه يقول صديقه ذياب مهدي آل غلام “عرفته حين كنت طالبا ، ومن ثم زاملته في حدود المعرفة الاولى ، كان شاباً طموحاً يحمل في ثنايا روحه مشروع للنهضة وللريادة كما يعتقده … مكي زبيبة : رجل خفيف الظل قوي الشكيمة ، بسيط الرؤيا ، شاعر وحساس ، وفنان يلامس الاحساس ، يمسرح الحياة وحياته عبارة عن مسرحية ممزوجة مابين الواقع والخيال ، متصوف لكنه فقير الحال ، تقدمي في نوازعه ، ثوري في دواخله ، لكنه صموت ، رجل تماها مع الصعلكه لكنه ينوئ بعيدا عن عروة بن الورد مثلا ؟ في النجف كان ظله لايثير غبار ؟ لكنه كان مثيرا للجدل مع الشبيبة يرديهم كبار حيث الفن وروحه الفنانه بالعطاء شعرا ومسرحا وحتى موسيقى انه متعدد المعطيات والمواهب نعم مكي زبيبة موهب منذ الصغر وربما هو من المطبوعين وفي النشئة الأولى مابين الكدح والتفوق وحاكمية الدولة من طغاتها حيث القيود اينما ولى وجهه لتحقيق شيء ذاتي العطاء جمعي الفكرة ، وهو الطفل الشاعر الفنان الحالم بحرية الطيور فكان عاشقها ، حين عرفته شاعر وفنان مسرحي وموسيقي السمع ومربي من الطراز الرائع ، لم اسمعه بحدود معرفتي به انه تجاوز بلفظة ما على احد مهما كان هذا الاحد خجول حتى بضحكته اراد ان يشكل فرقة للتمثيل وللموسيقى الشعريه وسعى مع كل نشاط يوفر له ما يريد ان يكونه فنيا فشكل فرقة بكل مدرسة درس بها ، وانتج في الغالب مسرحيات مدرسية لطلبة المتوسطة والاعدادية ، وساهمة بريادة في المسرح المدرسي التي تقيمه تربيات العراق ايام زمان ! مرة التقيته في قضاء الشامية ، في أوائل السبعينيات من القرن الماضي ، قال : ذياب لقد نقلوني الى ثانوية الشامية كمدرس فيها ، وتحف به مجموعة من طلابه وهم يحملون بيديهم نصوص شعريه لمسرحية من اعداده واخراجه واتذكر انها كانت عن (بائع البرتقال الفلسطيني) نعم كان قومي النزعة غير المنغلق على اتساعها لتكون اممية هو محسوب على التقدمية ، لكنه يسير بخطوات وحده ؟ لم يخرج من سرب الدولة ، رجل وسطي ، لكنه يغني مع الناس كل الناس ؟ الا الكراهية والعداوة فهو من يعاديها دائما … عرفته حاد في مزاجه حين اتقاد الفكرة ، ووديع للأستماع ، محب وعاشق وانطوائي ! ومن ثم زاملته فنا وشعرا وسياسة احببته من اعماقي كاستاذ بالفن “رسم ومسرح وموسيقى واحيانا عنده الموهبة الاخراجية بسيط لحد الرقة والشفافية لكنه داكن في دواخله واسراره لا نعرف عن مكي زبيبة سوى الابداع والمحبة ولذلك حين التقينا صدفة وانا اتخذ الطرق الفرعية للاختفاء من مطاردة الامن البعفاشستي في (عكد خانية ) في دخله صغيرة تؤدي الى شارع الخورنق امام بيت من بيوت البو زيارة فرحت وانسر هو : ذياب وينك مشتاق ، تلفت خلفي ومن ثم عانقته وبكينا قلت : استاذ مكي انا مطارد ، هؤلاء لم يجعلوني ولا يريدون ان اتنفس فنا او ادبا ولا حتى عطاء للاجيال تربويا المهم “أشلونك ” يا يها القديس النجفي ، ضحك من اعماقه وكانه طفل يتمتع بحلوى العيد :ذياب لا اخلص من تصوراتك ، ضحكت وقلت : له اقسم يا مكي انك راهب دير (الحنانه) ارتفعت ضحكته مرة اخرى وقال : لايسمعك احد فالحنانه تحولت الى مسجد وهي من الاديرة المسيحيه القديمة في النجف وفيها مرت السبايا الكربلائيه والرؤوس اودعت بها قبل دخولها كوفان والحنانه تحوير لأسمها الصحيح (دير يوحنا) المهم مابين مكي والراهب امتزاج قدسي هو راهب مسلم ، يمشي بعشقه العراقي في درابين النجف التي تعج بالعشق والشعر والثورة هكذا كانت قبل غزو الخرافة والبدع الآن ، مكي لن انساك قلت له : ضحك من جديد ذياب انت ابو البلاوي فكني قال ؟ استاذ مكي سمعت ان كتاب جديد لك عن النجف صدر الان فكيف لي ولقد طوقني الحنين ، ابتسم ، من يخلصني من أبن غلآم ؟ وضع حقيبته السوداء ارضا وفتحها واخرج كتاباً انيقاً كأنه مصباح اخضر بغلافه الجميل لإيوان من الصحن الحيدري ، هكذا تراءى لي ، وبمزحة قلت له :أستاذ مكي هذا كتاب لو (علك أخضر) وربما من تشابيه عاشوراء في (موكب عزاء الدروغي ) حين يرتدي الاطفال ملابس خضراء ، وبصوت خفيض قال يا ملعون : انها صورة جميلة نعم هذا طفل من اطفالي لكنه مفعم بالحياة النجفية انه ( يوم من أيام النجف).  رحمك الله يامكي زبيبة فقد كنت تحمل معك نبوءة الموت في كل أعمالك تقريباً ، أجل فقد هيمنت عليه هذه الفكرة ،التي كما يبدو أنه لم يستطيع التخلص من هيمنتها، فروايته (هكذا الرجال) تبدأ بعبارة ( في مقبرة وادي السلام …)،ثم  يمتد هذا الاستهلال ويستمر ليصبح النهاية أيضاً ،إذ ان كل هذه الرواية هي مجرد لحظة في مقبرة وادي السلام. وفي ( يوم من أيام النجف ) تأخذ المقبرة حيزا واسعاً من روايته.