يوم لا ينسى – مقالات – طالب سعدون

يوم لا ينسى – مقالات – طالب سعدون

لم تحظ موازنة في العالم  من الإهتمام والترقب ، والحراك ، والاشادة والنقد ، مثلما حظيت به موازنة العراق لهذا العام – 2015 .. وكأن الموازنة براءة اختراع تسجل لأول مرة ، أو طلت بعد طول إنتظار، كهلال عيد الفطرينتظره الصائمون بالفرحة والتهليل ، وتبادل التهاني ، ولم يبق الا أن يعلن يوم الخميس  المصادف 29 – 1 -2015 ، وهو يوم إقرارها عطلة رسمية  في كل عام ، ويدخل هذا اليوم في التاريخ ، وفي الموسوعة العالمية ، وموسوعة غينس للارقام القياسية لأنها كانت ( الاولى والوحيدة ) من بين موازنات العراق التي إقرت بهذا الزمن القياسي منذ عام 2003 ..

وبذلك كان هذا اليوم من الايام الخالدة التي لا تنسى !!.

وفي نظر من يرى ذلك  كانت الموازنة انجازا تاريخيا ، و( انتصارا للبرلمان والحكومة !! ) .. وأكدت صحة مبدأ التوافق الذي سارت عليه العملية السياسية و( أثبت جدارته وصلاحيته في الادارة والسياسة ! ) في هذه الموازنة .

 ويمكن أن تستفيد الدول التعددية من مبدأ التوافق  بعد(  هذا النجاح  ) ، فقد يناسب حالة الولايات المتحدة الامريكية ، ومن المفيد تعميمه على ولاياتها الخمسين  ، وتستعيره منظومة الاتحاد الاوربي  لتحقيق التكامل المثالي بين اعضائها ، وقد يكون مفيدا أيضا تضمينه جدول أعمال القمة العربية ، عله يخلصهم من الروتين ، وجدول الاعمال الممل للقمم ، على مدة خمسين عاما ويزيد ، وربما يساعد روسيا في سعيها لاعادة أمجاد الاتحاد السوفيتي السابق..

ورغم الاشادة  بالموازنة هناك من إعترض عليها ، وعدها موازنة سياسية قبل ان تكون مالية ، لأنها لم تنصفه في محاصصتها ، و( سيقدم طعنا للمحكمة الاتحادية !! ) ، وهدد أخر ( بقطع الطريق ) لانها لم تراع حال مناطقه !!… فيما يرى أخر أن قيمة أي موازنة في انعكاسها  الايجابي على الشعب .. فهل حققت الموازنة ذلك أم لا ؟ .. وكيف ..؟ .. وهناك من تساءل لماذا سعرت الموازنة برميل النفط ب ( 56 ) دولارا ، وحددت سقفا للتصدر 3, 3 مليون برميل ، في حين أن السعر والانتاج اثناء المناقشة أقل من ذلك ..؟

وبغض النظر عن الاراء التي كانت  ( مع أو ضد ) الموازنة ، فإن  صدور الموازنة شيء طبيعي في الدول ، ومن ضمن واجبات البرلمان التشريعية ، وتمر مرورا عابرا في الاعلام ، فلم كل هذه الضجة من المؤيدين ، والمعترضين ؟! .. والعراق  ليس استثناء عندما تصدر فيه موازنة في ظروف استثنائية جراء تدهور سعر النفط ، لكن الاستثناء في عدم التحسب لمثل هذه الظروف ، واستثمار اموال النفط في بناء قاعدة صناعية وزراعية واقتصاد قوي متنوع وليس احاديا يعتمد على مورد النفط فقط ، ويتحمل المواطن تبعات هذا الفشل !!..

لكن رغم ذلك كانت للموازنة حسنات لا يمكن إغفالها بتوفير رواتب الموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية والنازحين والحشد الشعبي والحرس الوطني  ، ولكنها في الوقت نفسه أكدت كم هو كبير التفاوت بين رواتب الرئاسات الثلاث ، وبقية موظفي الدولة ، بحيث كان هناك رأي في المناقشات حول الموازنة أن يقتصرالادخار الاجباري على هذه الفئة من الموظفين ، ليساهموا ، ولو بنسبة معينة ، في سد العجز في الموازنة ، ولو كانت رواتب الرئاسات الثلاث بمستوى رواتب الاخرين في الدولة ، أو بفروقات بسيطة ، لما كان المقترح أن يشملوا بالادخار دون غيرهم ، أما اذا كانت بمستواها ، فتلك وقفة كبيرة يجب أن تسجل لهم ، ومن الانصاف إعلانها للمواطنين ليحذوا حذوهم في الايثار ، والتضحية من أجل الوطن والمواطن ..( ولا تبخسوا الناس اشياءهم ) !!

كما سلطت الضوء على حجم الفساد في الدولة الذي كان مستشيرا الى حد أنه أصبح  هو السمة البارزة ، فكان التعبيرالمناسب الذي يطابق واقع الحال هو (الفساد فيه دولة ، وليس دولة فيها فساد ) على حد تعبير احد النواب ..

ولك ان تتصور حالة البلاد عندما يكون الفساد فيها ليس ظاهرة فحسب ، وإنما هو  القانون الطبيعي .. وعندها لم يكن مستغربا أن تكون حال البلاد بهذا المستوى من التدهور الامني ، وتدني  الانتاج والانتاجية ،  وتراجع الصناعة والزراعة عما كانت عليه ، وتعطيل التنمية  والاقتصاد ووضع مستقبل البلاد على ( كف النفط ) المتحرك ، الذي تتحكم فيه الشركات الاجنبية ، وليس المنتج.. ووجود تشكيلات ادارية لمكافحة الفساد ، كهيئة النزاهة ولجنة النزاهة ودوائر المفتشين في الوزارات هو إعتراف رسمي بتفشي  الفساد .. فالى متى تستمر هذه التشكيلات المستحدثة وتكلف موازنات البلاد الكثير ، ويمكن أن يصرف  ما يرصد لها في مجالات اخرى ، فمن غير المعقول ان يستمر الفساد الى مدى غير منظور !!

 وعلى ذمة النائب نفسه أن مسؤولا إستحوذ على 185 سيارة ، وأن مسؤولا أخر طلب كذا ترليون للتأثيث ، وغيرها ممن على هذا المنوال  من الترف ، وهي ارقام فلكية ، لا يمكن تبريرها تحت اي سبب كان ..

وفي كل الاحوال أن 119 ترليون دينار ليس بالمبلغ القليل ،  وربما يعادل موازنات 4 – 5 دول من المنطقة كما يقول من يدعي ذلك  … ولكن كم هو عائد المواطن منها ..؟ وذلك هو المهم في أي موازنة  ..

واذا كان المعنيون قد شخصوا الداء ، فلا بد أن يعقب ذلك تحديد الدواء اللازم  ، لأن التشخيص وحده لا يعني شبئا .. وما نتمناه السرعة في اعطاء الدواء ، لكي يستأصل الداء ، ويشفى المريض ويتعافى.. فليس في الجسد قدرة على التحمل ، بعد أن انهكه المرض .

{{{{{{

كلام مفيد :

  ( الأسوأ من الفساد حاميه ، والأخطر منه بيئته الحاضنة) .. ( حكمة عربية من الواقع ) .