يوميات الدكتور كاظم هاشم نعمة بشأن لجنة الإنسحاب من الكويت: أنا والرئاسة

427

 

 

 

حاتم  العزاوي باغتنا بالقول ان الرئيس صدام اختاركم لجنة للشؤون الخارجية ترتبط به مباشرة

يوميات الدكتور كاظم هاشم نعمة بشأن لجنة الإنسحاب من الكويت: أنا والرئاسة

طارق عزيز يملك قدرة اقناع والرئيس يستأنس بآرائه لإعتبارات ايديولوجية والثقة والخبرة والنصح السديد

{  إستدعيت من الرئاسة وانا في محاضرة جامعية عن الإستراتيجية.

{ إكتشفت احمد حسين خضير طالبا معي في إعدادية الأعظمية 1958 وكان لقائي به بارداً.

{ اللجنة تشكلت بعد مرور 7 سنوات على إندلاع الحرب الإيرانية.

{ التعيينات في وزارة الخارجية تتم على أساس المنحة وليس الإختصاص والكفاءة.

{ موظفو الخارجية لم يقرأوا دراسات وطارق عزيز والصحاف لم يحمّلاً الرأي الوزاري المؤسسي على محمل الجد.

في الآونة الأخيرة، كثر الحديث عن بعض الاحداث ذات الصلة بحرب الكويت، وعن وجود لجنة خاصة لم يعلن عنها، امر شخصياً بتشكيلها الرئيس صدام حسين، ترتبط به مباشرة، خلال السنة الاخيرة من الحرب العراقية الإيرانية. واللجنة تتألف من اربعة اعضاء اثنان دبلوماسيان هما الاستاذ عبد الملك ياسين وكيل وزير الخارجية الاسبق و الاستاذ عبد الحسين الجمالي رحمه الله، وكيل وزارة الخارجية الاسبق والاستاذان الاكاديميان الدكتور صادق الاسود رحمه الله والدكتور كاظم هاشم نعمة .

وقد اقترحت اللجنة الانسحاب من الكويت، لكن ملابسات كثيرة اعاقت أن يفضي المقترح الى التنفيذ.  واثراءً لما تم كشفه يتناول الاستاذ الدكتور كاظم هاشم نعمة، عضو تلك اللجنة بالتوضيح، ما تلازم مع تلك التطورات التي تطرق لها البعض وقرأوا فيها ما ليس منها، فترتب على ذلك تفسيرات مختلفة، منها انها كانت من بين الاسباب وراء اعدام الدكتور فاضل البراك رئيس اللجنة وغيرها. وفيما يلي الجزءان الاول والثاني من اليوميات.

الاستدعاء

في يوم من شهر شباط 1988 كنت القي محاضرتي على طلبة الصف الثالث بكلية العلوم السياسية بجامعة بغداد بمادة (الاستراتيجية) وقبل نهاية المحاضرة طرق باب القاعة الفراش واخبرني أن الدكتور شفيق السامرائي، عميد الكلية، يود أن يراني. لم يكن قد وقع شيء بذي أهمية لكي يود العميد أن يلتقي بي فلم أكن حينها عضوا في أية لجنة كي أشارك في الواجبات الإدارية للكلية، عندما ذهبت إليه كان يجلس في مكتبه شخص لم ألقه من قبل. كان يرتدي الزي الزيتوني ويحمل مسدسا فحسبته واحدا من بين الذين يعملون في الأجهزة الأمنية أو الحكومية أو الحزبية الذين دأبوا على ارتداء هذا الزي من الوزير إلى أدنى رتبة. وحسبته جاء يقصدني في أمر كنت قد الفته منذ أن عدت إلى العراق من الجزائر. فقد كان يتردد إلى الكلية أو بيتي بعض العسكريين من الرتب الرفيعة أو القياديين الحزبيين ينشدون المساعدة في إعداد بحوث أومهمات علمية أو فكرية. وكنت لا أتردد في تقديم المساعدة لمن أعرفه ممن دَرستهم في جامعة البكر للدراسات العسكرية أو في الحلقات الدراسية التي كان يطلب مني إلقاء محاضرات أو المشاركة في ندوات علمية أو حزبية أو أمنية، و كان يطلب مني آخرون مساعدتهم من خلال معارفي. وقد تذمرت من بعض الطلبات لأنها كانت تتخطى المساعدة بل يطلب البعض التوسع في إعطاء المعلومات بغية إعفاء النفس من مشقة الدرس والبحث والتفكير. ولما كانت أغلب الموضوعات في السياسة الدولية والاستراتيجية تستدعي البحث عن مراجع باللغة الحد المعقول في كثير من الاحيان.

 ففي مرة كان أحد المسؤولين قد طلب مني أن أعد له بحثا ليلقيه في ندوة عالمية خارج العراق. وحسبت انه طلب شخصي بيني وبينه، وذهبت إليه في مكتبه لكني وجدت عددا من الأساتذة في مكتبه فطلب مني أن أعرض عليهم ما كنت قد كتبته وفتح النقاش في الموضوع فمنهم من عقب لمجرد التعقيب ومنهم أراد ان يتوسع البحث في هذه القضية أو تلك ومنهم من التزم الصمت. لم أكن على بينة بأن ما كتبته سوف يكون بمثابة ورقة عمل لفتح حوار إذ كنت قد عرضت فيها خطوطا عريضة كما طلب مني ذلك المسؤل على ان يجتهد هو فيما يشاء له من غرض.. فرجاني ان أقرأ الورقة على الحاضرين. استغربت من الطلب. امتثلت لرغبته. وبعدها فتح الحوار في المضمون. فما كان من بعض الحاضرين سوى ان يظهر عضلاته، ليدلو كل من يشاء بدلوه بما لديه وما يرغب صاحب الطلب في أن تتضمنه ورقة بحثه. وللأسف أفاض البعض في نقده فما كان مني سوى أن أوضح للحاضرين بأنني جئت إلى اللقاء ولا علم لي بأن ما كتبته سوف يكون مادة للتقييم فما أنا بحاجة إلى ذلك. وقلت إني أجد نفسي كمن خطط مسودة لبناية فلم يعجب صاحب المشروع الشبابيك أو الابواب أو الغرف، لذلك تراه يطلب ان يكون هذا هنا وذاك هناك وهذا أصغر وذاك أكبر. إن في  وسع من يشاء ان يأتي ببديل لما جئب به متكاملا ويعرضه. إن الامر ليس في تعديل الابواب والشبابيك بل في فكرة التصميم فهذا هو الاجتهاد. وبعد المناقشة انصرف الجميع وطلب مني صاحب الشأن البقاء فأخبرني إنه يود لو أنني كتبت له الدراسة كاملة كما عرضتها ، بل رجاني أن تكون باللغة الانجليزية. قلت له لماذا لم تطلب ذلك منذ البداية. ابتسم.

 قدم الدكتور شفيق ضيفَه إلي بأنه الرفيق عبد الله الدوري وإنه قادم من الرئاسة. تيقنت أن الأمر لا يتعدى ما توقعته، لكن د.شفيق لم يفصح لي عن ما ذا يريده مني ضيفه. انتظرت لحظات كي استمع إلى ما يقوله فبادر بالثناء على جهدي العلمي وفضلي على الكثير من المثقفين وكتاباتي في الصحافة وما أشير إليه في المقابلات الاذاعية والتلفزيونية. وكان حديثه مقدمة سمعتها من الكثير وكنت دائما التمس من المتطرقين لمثل هذا الإطراء أن يعفوني من تجميل ما أقدمه، وكنت أكرر عبارة “أن لا يكسوني عباءة أكبر من قياسي.”وأعربت عن استعدادي لتقديم المساعدة طالما كان ذلك في مجال اختصاصي وأني لن ابخل عليه بالعون.

 ابتسم الضيف ونظر إلى د.شفيق لكن شفيقا التزم الصمت. أخبرني الضيف بأنه لم يأت لغرض شخصي وإنما هو مُبعث من قبل الرئاسة وإنني مطلوب للحضور الآن وسوف يصطحبني إلى هناك. كان وقع قوله عليّ مباغتة وانتابني قلق شديد وخشيت أن ثمة أمراً خطيراً ما قد اجتنيته.فكان الانطباع السائد أن المرء الذي قد يكون ناشطا أو مصدر مصاعب قد يتعرض للمساءلة والعقاب.ولكني لم أكن من بين الذين قد تعرض لتنبيه أو تحذير أو تهديد لما أكتبه أو أقوله في محاضراتي ومناقشاتي والتي كنت أدرك أن الكثير مما أتطرق إليه قد لا يرتضيه الكثيرون ويعدونه نقدا مبطنا وقد يلمح بعض مَن يستمع إليّ ما أقول بأن وراء ما قلته أفكارا تستحق النظر فيها أي وكأنني أود من مستمعي أن يذهب أبعد ما أنا ألمح إليه، فمن لديهم معرفة واسعة يستطيعون الربط بين ما أشرت إليه وما عندهم من ذخيرة معرفة. فقد اعتدت على أن لا أكون حبيس المعلومة بل ما يمكن أن يستخلص منها.لقد كان وقع ما قاله الضيف مخيفا حقا، ولكني حاولت أن أتستر على ما انتابني واصطنعت ابتسامة كي اخفف من شدة التصلب في عضلات وجهي وجفاف ريقي، وبدأ أني لم أفلح في محاولتي فحاول د.شفيق وهو أكثر خبرة مني في عيش مثل هذه اللحظات بحكم عمله الحزبي ونشاطاته الأخرى أن يخفف أثر كلام ضيفه عليّ فنظر إليّ بابتسامة مطمأنة، سألت السيد عبد الله عن سبب استدعائي الآن، فأجاب إنه مجرد موظف في ديوان الرئاسة ولا عِلم له بالسبب وأن السيد رئيس ديوان الرئاسة هو الذي وجهه ليصطحبني. فطلبت منه أن يمهلني بعض الوقت كي أجلب حقيبتي من مكتبي. وخطرت لي فكرة أن أتصل هاتفيا بزوجتي لأخبرها بأن تذهب لجلب ابنتي علا من الجامعة التكنولوجية عوضا عني لأني سوف لن استطيع جلبها كما هو معتاد يوميا. وقلت لها إنني سوف أتأخر في العودة إلى البيت لأن لدي التزام طارىء وأن تخبر أخي الدكتور زيد بأنني سوف لن أتمكن من مقابلته هذا المساء. استغربت زوجتي من هذا الحديث غير المترابط. فكيف يكون لقائي مع أخي زيد غير ممكن وهو جار ملاصق لي. ألحت في الاستفسار متى سوف أعود إلى البيت، لكني حاولت أن اهون عليها الاندهاش فقلت لها قولي له لينتظرني في بيته حتى أعود فقد كان أخي لديه التزامات كثيرة غير واجباته العسكرية فهو عميد في البحرية ويعمل في هيئة التصنيع العسكري وله درجة حزبية. وكان غرضي من قولي هذا أن يكون لديه علم في حالة أن يقع لي شيء كي يتقصى عما قد يقع لي، ففي مثل هذه الحالات لا يعرف أقرباء الشخص المطلوب حضوره أو الذي يُختطف أين مكان وجوده وماذا فعل وما ذا سوف يحل فيه. أصرت زوجتي على أن تعرف   مكان الاجتماع أو الجهة التي استدعتني لكني ظنا منها ان ليس سوى مثل هذه الحالات التي تجعلني اتأخر عن العودة إلى البيت. لم استطع اطلاعها إذ أن الحديث يدور داخل مكتب العميد.

انطلق بي السيد عبد الله إلى الرئاسة وسار معي حتى مكتب المدير، استقبلني السيد أحمد حسين خضر وكان لقاؤه رسميا وبارداً ويغلب عليه الطابع الرسمي في مقابلة أشخاص لا تربطه بهم صلة ما وحرص على أن يُظهر أبهة المنصب والسلطة الملازمة له. فأنا الأستاذ الجامعي ذو الحقيبة المتواضعة لأني لم أكن محبذا للحقيبة الدبلوماسية، التي يستخدمها كثير من الأساتذة والمسؤولين حتى باتت سلعة تعطى في الندوات وفي تقديم الهدايا ، والنظارات الطبية المعلقة بخيط حول عنقه بما ينم على أنها لا تفارقه ، أما هو فهو المسؤول والرجل القريب من الرئيس في منصبه ودرجته الحزبية وبدلته الخضراء. عرض علي الجلوس وسألني إن كنت أود تناول شيئا ما فرجوت منه أن يطلب لي قدح ماء. ظن أنني اعتذر عن ما يقدم في العادة للزائرين فنظر إلي واستفسر أهذا حقا ما أطلبه. أخبرته أنني لا اشرب الشاي أو القهوة أو العصائر لأنها تؤذيني. سرعان ما توقف الحديث بيننا وانصرف إلى مراجعة أوراق رسمية منتشرة على مكتبه. ولم يبدأ معي الحديث الاجتماعي المألوف. واصبحت انظر إليه بامعان متفحصاً وجهه بدقة. لم يخبرني لماذا استدعيت. ترددت في فتح الحديث معه، بعدما رأيت منه هذا الجفاء وعدم الاكتراث. اطلت النظر في وجهه وحاولت أن أتذكر هل التقيت معه في مكان ما أو في مناسبة، وما شدني إلى الأمر هو نبرة صوته فكأنها مألوفة. حينها تذكرت.إنه لا ريب أحمد حسين ذاك الذي كان معي في الصفين الرابع والخامس أدبي في ثانوية الاعظمية.

عاد شريط الذاكرة إلى تلك الحقبة مابين 1958 و1959. فقد ألقت الأحداث السياسية في العراق بعد ثورة 14 تموز بظلالها على الثانوية وتوترت العلاقات بين الطلبة وبينهم وبين المدرسين. فالتيار القومي والإسلامي والمحافظ وجد له أرضا خصبة في ثانوية الاعظمية بحكم كونها في حي الاعظمية الذي تتجسد فيه الطبقية الاجتماعية  الوسطى والثرية ، فمعظم سكان المنطقة من الموظفين بمختلف الدرجات ومن أصحاب  الشهادات وكثير منهم من ضباط الجيش والشرطة. فكانت أرضا خصبة لنمو الفكر المحافظ والقومي والديني وكان فيها كلية الشريعة الدينية، ثم إن مرقد الإمام أبي حنيفة كان يمثل تجمعا للفكر الديني من اخوان المسلمين. كان احمد من الناشطين في الصف في  مناهضة حكم الزعيم عبد الكريم قاسم.

في انتظار لقاء الرئيس

لم يمض وقت طويل على انتظاري حتى قدم شخص فنهض له أحمد وحيا كل منهما الآخر تحية دافئة. قدم نفسي لي بعد أن جلس بأنه عبد الملك ياسين وكيل وزارة الخارجية الأسبق. وقال إنه يقرأ ما اكتب في الصحافة. دار حديث بينهما عن أشخاص واحوال فهمت منها انها ذات صلة بوزارة الخارجية، فكما يبدو أنهما عملا في الخارجية. وبعد قليل من الوقت جاء عبد الحسين الجمالي. وكنت قد التقيت به عندما كان وكيلا للخارجية واستقبلني بعدما تمكن والد زوجتي أن يرتب مع خير الله الطلفاح احتمال تعييني في الخارجية بعد  1968.

وجرى حديث بين الثلاثة في مواضيع مشتركة متنقلة ومتفرقة لم أجد سوى أن أكون مستمعا اقلب نظري من متحدث إلى آخر. بعدها قدم الدكتور صادق الاسود. حيا الجميع. نظر في وجهي نظرة مستطلع وكأنه يسأل ما الذي جاء بك إلى هنا وبادلته النظرة نفسها.

افصح أحمد أن السيد الرئيس قد اختارنا كأعضاء لجنة خاصة في الشوؤن الخارجية. نظر كل واحد منا إلى الآخر مما يعني أنني ليس الوحيد الذي لم يعرف لماذا جيئ به. الفارق أنني استدعيت من الكلية ولم يطلعني الذي جاء بي على الغرض من دعوتي إلى الرئاسة. لم يعط أحمد تفصيلات اخرى. قال إن الرئيس سوف يستقبلنا. مضى وقت ولم يطلب منا الرئيس الدخول. دار الحديث بين الثلاثة حول شخصيات لهم معرفة بهم. وكنت صامتا الوقت كله.خرج من مكتب الرئيس بعد ساعات قليلة من الانتظار السيد حاتم العزاوي كما قدم نفسه لي كوني الوحيد الذي لا يعرفه. تبادل الحديث مع الثلاثة وأحمد. ولم اشترك في حوارهما المتقطع والمتنقل من أمر الى آخر. ثم جاء حاتم العزاوي على الأمر الذي نحن استدعينا من أجله.لقد طلب مني الرئيس أن التقي بكم لأنه قد بدأ اجتماع مع القيادة العسكرية العليا وذلك أن معارك تجري في بعض الجبهات ويتعذر عليه اللقاء معنا. أنتم اعضاء في لجنة خاصة ترتبط بالرئيس شخصيا وأنا صلة الارتباط بالرئيس. كانت عباراته مباغتة للجميع، ولكن بقدر مختلف ذلك أن عبد الحسين الجمالي وعبد الملك ياسين كانا بحكم عملهما قريبين من مستويات صناعة القرار في السياسة الخارجية ولا شك أنهما التقيا بالرئيس في مناسبات، أما دكتور صادق الأسود فقد كان قد عمل مع نخبة من الاساتذة في مكتب صدام حسين عندما كان نائبا للرئيس. أنا العضو الغريب الوحيد عن طبيعة العمل في بيئة قريبة من الرئيس.

عرض جاسم علينا الخطوط العريضة. إننا لجنة خاصة بالرئيس مباشرة. ليس بيننا وبينه سوى السيد جاسم. إن تقاريرنا سوف يرفعها إليه شخصيا. وإننا سوف نعالج القضايا العراقية في الحرب العراقية الإيرانية، وكذلك أن ندرس ما يطلب منا دراسته وتقديم النصح والمقترحات.  إننا سوف نلتقي في مكتب خاص في بناية بالقرب من فندق المنصور. ونحن نتفق على طبيعة العمل وموعد اللقاء.

ثمة أسئلة لا مفر من إثارتها ومناقشتها في هذا الأمر:

اولاً، لماذا اقدم الرئيس على هذه الخطوة؟

ثانياً، ما هي الغاية من تشكيلها ؟

ثالثاً، كيف سيكون التعامل مع ما تقدمه اللجنة من مقترحات وأراء؟

رابعاً، هل أجندة اللجنة مفتوحة أم مقيدة؟

خامساً، ما هي مساحة الحرية التي يعبر فيها الأعضاء عن آرائهم؟

سادساً، هل الآراء بالتوافق أو بتقديم التحفظات على بعض منها من قبل أي عضو؟

لقد تطرقت الدراسات في سياسة دول العالم الثالث إلى طبيعة صناعة القرار في هذه الانظمة والمقارنة بين الدول الغربية الديمقراطية وبين الدول السلطوية والعسكرية والحزب الواحد وذات إيديولوجية. وثمة اجماع بين الدارسين أن صناعة القرار في الدول غير الديمقراطية لا تتم عبرعملية وإجراءات مؤسسية لها أساس دستوري يحدد المهمات والوظائف لتلك المؤسسات وطبيعة عملها وعلاقاتها فيما بينها وان هناك مراكز قوة ومصالح وكينات اكاديمية تتفاعل في العملية السياسية من خلال التأثير في عملية صنع القرار باجراء بحوث وحوارات ونشر دراسات ذات صلة بقضايا ومصالح الدولة. وفي دول العالم الثالث تتسم عملية صنع القرار بالمركزية من درجات مختلفة. وتأخذ المركزية صورا كثيرة في العالم الثالث. المركزية الفردية لزعيم أو قائد أو حاكم أو ملك. وقد يكون معه فئة محددة من قيادة جماعية أو أسرة حاكمة. وفي البلدان العربية وعلى الرغم من مجيء الرئيس بالانتخابات او الترشيح من قبل جماعة حاكمة إلا إنه لا يتقيد بالمقيدات الدستورية، بل يذهب الى التعامل مع الدولة حسب الثقافة السياسية والاجتماعية في ذلك البلد. وفي الجملة، هناك سمات مشتركة بين الانظمة العسكرية والقبلية والاسرية. أولاً، إن الحاكم يقيم العلاقة بينه وبين الدولة وبينه وبين المجتمع على أسس قبلية وأسرية، وليس الشرعية القانونية. ثانياً، إنه يؤمن بضرورة الإذعان والرضا بحكمه وبسلطاته. ثالثاً، لا توجد مقيدات قانونية على قراراته.رابعاً، إن العلاقة بين الحاكم والفرد تقوم على المنة ” يمنون عليكم أنهم يحكمونكم”. فالحاكم يرى نفسه المانح للمزايا والمنافع وليس الممثل للشعب وعليه مسؤلية اداء مهمات. رابعاً، لا يأخذ الحكام قراراتهم بعد مرورها عبر مراحل صناعة القرار التي يشترك فيها هيئات من مستويات عديدة ذات صلة بالقضية. خامساً، عصمة الحاكم من المسآلة.

لقد مر على الحرب سبع سنوات حين أقدم الرئيس على تشكيل هذه اللجنة لذا فليس من أسباب تتطلب تشكيل لجنة ذلك أن تعقيدات الحرب قد تكشفت فليس ثمة قضايا مستعصية كان من الممكن أن تقع. وقد تأسست خلال هذه السنوات سياقات عديدة لإدارة الحرب عسكريا وسياسيا واقتصاديا وعلى جميع الصعد الأخرى، وتراكمت خبرات كثيرة للتعامل مع التطورات. من هنا فليس من حاجة ملحة تستدعي من الرئيس أن يذهب إلى تشكيل لجنة خاصة بالسياسة الخارجية العراقية ترتبط به مباشرة وغير معلن عنها.

صنع السياسة الخارجية العراقية

إن صنع السياسة الخارجية في العراق لها مؤسسات تتفاعل فيما بينها بطريقة لا ضوابط دستورية لها، وإنما حسب ما تستدعيه المواقف. والرئاسة بشخص الرئيس هي المركز في المبادرة. فقد قال طارق عزيز مرة إن الرئيس هو المهندس للسياسة الخارجية اما وزارة الخارجية فهي المنفذ.وهذا يسري أيضا على بقية سياسات الدولة. ومن الصعوبة بمكان الجزم بأن الرئيس كان يسمح لغيره في المشاركة في القرار، لكن كان لا مفر من وجود بعض الجهات التي تمد الرئاسة بالمعلومات والتحليلات. واعتقد أن هناك مصادر خارجية وداخلية. والخارجية إما مباشرة من الدول التي للعراق علاقات معها كالدول الكبرى والتي من مصلحتها أن تطلع العراق على سياستها ومواقفها من تطور الحرب، وكذلك من سياسة العراق بصورة عامة. ويتم نقل هذه المواقف عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية أو من خلال وسطاء كرؤساء الدول والحكومات. ويتعذر التاكد من ما كان يجري  حقا من اتصالات على هذا المستوى، ولكن مما لا ريب فيه أن الملك فهد والرئيس حسني مبارك والملك حسين كانوا يحملون معهم رسائل وتنبيهات من أمريكا وغيرها من العواصم وينقلونها إلى الرئيس، كما كان هناك تعاون استخباراتي بين العراق وأمريكا والاتحاد السوفيتي وفرنسا وغيرها من الدول التي كان يرجح عندها صمود العراق في وجه إيران خاصة بعد احتلال الفاو. ولا شك أن تلك الاراء والمعلومات المنقولة إلى بغداد على مستوى شخص الرئيس لا تستدعي أن يعرضها على لجنة، بل الأصوب أن يكون للخارجية رأي فيها، والراجح عندي إن الرئيس كان يعتز بها ويدخرها لنفسه كي تكون من المراجع لقرارات لاحقة ولا يطلع الخارجية عليها.

وهنا نأتي على دور الخارجية في تدبير السياسة الخارجية العراقية. إن الكادر في الخارجية قد تطور تاريخيا مع تقلبات الحكم من فترة إلى اخرى، وليس على غرار ما في الدول المتقدمة التي تكون فيها الخارجية لا تتغير مع تغير الحزب الحاكم أو الوزير فالوزارات ليس خادمة للاحزاب بل للدولة والدولة هي العامل الثابت والحكام هم المتناوبون على سلطة الدولة. ولعل اوضح شاهد على ذلك إن وزير الخارجية اسماعيل خير الله في عهد الرئيس عبد الرحمن عارف لم يكن قط ممن له اهتمام ودراسة وشغف في السياسة الخاريجة. لقد قابلني عندما قدمت طلبا للتعين في الخارجية بعد عودتي من بريطانيا واحمل معي شهادة الاعدادية البريطانية والبكالوريس شرف في السياسة الدولية وشهادة الماجستير وانا طالب بعثة، شرحت له إني ما جئت طمعا في أن اكون قنصلا أو سفيرا بل كباحث في السياسة الدولية اعين على صنع القرار الصحيح.

 رد عليّ بما ما كنت ارتقبه من وزير خاريجة” نحن ليس لدينا وحدة او دائرة للبحوث”.

لم يغريه قولي أن يشرع في أن يشكل واحدة حتى وإن لم يكن يوافق على تعييني بل من اجل اداء الخارجية لدورها. كنت احسب ان الاشياء متشابه.

 إن معظم التعيينات في الخارجية على اساس المنحة والمحسوبية وليس على أساس الاختصاص والكفاءة. وليس هناك تقاليد متبعة في الجدل والحوار وتباين الأراء في القضايا. ولا يوجد في الخارجية وحدة البحوث الاستراتيجية بالمعنى الصحيح وفيها من ذوي الأختصاص. إن التركيب الإداري لوزارة الخارجية لا يعني أن تلك الدوائر تنهض بما يوحي إليه عنوانها. فقد المحت مرة وأنا في إحدى زياراتي لها إلى ضروروة أن يكون فيها دائرة البحوث الاستراتيجية. فقيل لي إن فيها واحدة. واستقبلني مديرها. كان هو رئيسها والعامل فيها ومعه سكرتيرة. ولم يكن هو ممن له مؤهلات علمية في الشؤؤن الخارجية  والدراسات المستقبلية، لذلك فليس في الخارجية تصورات مستقبلية أو رسم الخطوط العريضة للسياسة الخارجية. إن وزير الخارجية هو مركز القرار في الخارجية حسب قناعاته وما يراه يتساوق مع سياسة الرئيس. ومن معلوماتي ومراقبتي لدور الخارجية في زمن طارق عزيز ومحمد سعيد الصحاف، فإن كلا من الوزيرين لم يحمل الرأي الوزاري المؤسسي على محمل الجد، بل يغلب الرأي الشخصي لكل منما في هذه القضية أو تلك. ويعترف طارق عزيز بأن المفكر والمخطط والمهندس للسياسة الخارجية العراقية الرئيس والخارجية ليست سوى ألية التنفيذ. وكان هناك مقت شديد لما ينعت بالتنظير كونه يقرن مع النهج غير العملي ويقترن بالتمني. ولا تتغذى الخارجية من مراكز البحث أو توظف ما يصدر من دراسات عن العلاقات بين العراق والدول الخرى أو الاقاليم. ولا أحسب أن موظفي الخارجية يولون اهمية لقراءة الدراسات، واغلبهم تعوزوه لغة اجنبية حية، بل إن السفير لا يكلف نفسه عناء تعلم لغة البلد الذي يرسل إليه ويمكث هناك من ثلاث إلى اربع سنوات. وحدث ان حضرت المناسبات التي تقيمها الخارجية أو السفارات في الخارج ولم اشاهد سفيرنا يتجول بين السفراء الاجانب يتبادل معهم الحديث بل يحيط نفسه بالسفراء العرب، والسبب إن السفير لا يتقن لغة اجنبية.

لقد حاول طارق عزيز أن ينشط الخارجية من خلال المعهد بهدف وضع شرائط للترقية من منصب إلى آخر. المبادرة جريئة ولكن المحنة في التنفيذ السليم والجاد. لا ريب إن كل شيء على الورق كامل الاوصاف، المصيبة في تنفيذ التخخطيط. دعاني الدكتور عزمي الصالحي ان القي محاضرة على الكادر في الخارجية، وطلب مني ان تكون باللغة الانكليزية. شرعت في الحديث  بلغة تلافيت فيها صعاب الافعال والكلمات، وبعد دقائق لاحظت الاستغراب على وجوه الكثيرين. كنت في وادي وكانوا في واد. فتجرأ احدهم من وسط الخط الامامي من ذوي مناعة القول وطلب مني أن اتكلم بالعربية، قلت ما كنت أنا الذي قد قررت القاء المحاضرة باللغة الانكليزية بل هكذا رجاني الدكتور الصالحي، ابتسم وهو إلى جواري، وكنت على يقين إنه هو الآخر لم يسر معي في حديثي بالانكليزية،  فاتفقنا على أن القيها بالعربية.  اعتقد أن الرئيس يستانس برأي طارق عزيز أكثر من رأي غيره لاعتبارات إيديولوجية والثقة والخبرة والكفاءة والنصح السديد وسعة الثقافة والمزاج الهاديء وعلاقات طارق مع مسؤلين خارجيين على نطاق واسع. واعتقد أن طارق تكونت لديه الجرأ ة أكثرمن غيره من وزراء الخارجية على اعطاء رأي قد يبدو فيه بعض الاختلاف عن قناعات وراي الرئيس. وإن طارق له قابلية وفن الاقناع أكثر، وأحسب أن طارق لا يتوقع ان يُزجر او يعاقب على رأي قد يعرضه لأنه يدرك بأنه قد أصبحت له منزلة مميزة عند الرئيس  أكثر من سواه. وفي أقل تقدير ان طارق لا يتواني في تبيان ما يعتري تنفيذ سياسة ما ومن المصاعب والعواقب غير الحميدة التي تكون خفية على الرئيس، لأن طارق يحرث في الحقل وليس ناظرا إلى ما فيه، فهذا ما يفعله الرئيس. واحسب أن الرئيس لم يكن بين يديه غير طارق ليتشاور معه في ما يروم أن يفعله أو لا يفعله إن أراد ذلك. فقد كان طارق يعبر عن الموقف العراقي بطريقة دبلوماسية تلتزم بالاعراف والمجاملة وحسن اختيار الكلمات والغموض تارة والافصاح في الأخرى، ربما لكي لا يظهر بأنه يحيد عن الخطاب السياسي العراقي المبالغ فيه في لغة بلاغية هدفها استهلاك محلي وخداع النفس والتمويه والتغطية على العجز الفعلي. ولإن طارق ملازم للسياسة العراقي لفترة طويلة وكثير التنقل بين الدول وفي المنظمات الدولية والإقليمية فإنه أصبح الناطق الرسمي والمنفذ لتلك السياسة، وعلى العكس من غيره، بل إنه الوحيد الذي يختزن المباحثات الرسمية واللقاءات الشخصية التي كان يقوم بها. وثمة أمر غير محسوم في هل إنه كان يعرض كل ما يسمعه على الرئيس أم يتكتم على بعض الحقائق. الراي عندي أن طارق يميل الى الحذر.

وينقل الى الرئيس ما يحلو له أن يسمعه. وقد يجمّله في عينه.

مشاركة