يوسف سلمان فهد.. جدل في إشكالية تعريق النسخة السوفييتية من الماركسية

325

يوسف سلمان فهد.. جدل في إشكالية تعريق النسخة السوفييتية من الماركسية
عبدالحسين شعبان الماركسية اللينينية الستالينية تأويل قومي روسي في نسخة غير قابلة للجدل والقراءة والحوار
حوار يوسف محسن
إن موضوع المراجعات والتي نعمل عليها تقوم على أساس الالتزام العقلي والأخلاقي لجهود الأشخاص والمؤسسين والرعيل الأول في نقل الأفكار العالمية ودمج العراق في الحداثة، وفي هذا الجزء نناقش الماركسية العراقية وأعمال يوسف سلمان يوسف التي لم تقدّم أي شكل من أشكال المعرفة السياسية، وإنما قدّم في اغلب أعماله الفكرية معرفة بالسياسة الفاعلة البراكسيس وبقيت الماركسية العراقية التي يظهر فيها العراق كمنطقة رمادية غامضة، تابعا إلى إنتاج المعرفة من المركز السوفيتي، والتي تعدّ الماركسية اللينينية الستالينية والتي وصلت إلى العراق، وهي تأويل قومي روسي للماركسية الكونية، نسخة غير قابلة للجدل والقراءة والحوار، نسخة مقدسة تحوّلت وظيفتها من أداة للمعرفة إلى وظيفة آيديولوجية تتمثل في إضفاء الشرعية على المصالح الإستراتيجية للإمبراطورية السوفيتية ومدرسة كادحي الشرق وجهاز الكومنترون إلى توابع لهذه الإمبراطورية.
هل استطاع يوسف سلمان يوسف فهد تعريب، تعريق النسخة السوفيتية من الماركسية؟ هل استطاع يوسف سلمان يوسف تقديم قراءة متحرّرة للماركسية؟ هل لدية صور واضحة أم فهم مشوّش وغامض عن الأفكار الاشتراكية؟ إن أية قراءة تأملية دقيقة لأعمال يوسف سلمان يوسف السياسية يكتشف أنها أعمال بسيطة في أطروحاتها الفكرية والاقتصادية والسياسية؟ مع العلم أن الحقل الفكري العالمي والعراقي كان يعجّ بالحركات السياسية والتيارات الفكرية؟ فضلا عن ذلك أن تلك الأعمال تفتقد إلى التأهيل الفكري والفلسفي، وكذلك أنها غير مفارقة للثقافة العراقية التقليدية في تلك الفترة التاريخية؟ من سماتها، يطغي عليها الأسلوب التعليمي المدرسي وفي بعضها عنف تطهير وأتصور أنه يعود إلى النزعة الستالينية؟ في هذا الجزء من المشروع نحاور المفكر العراقي عبد الحسين شعبان وهو أكاديمي ومفكر من الجيل الثاني للمجددين العراقيين، يساري النشأة والتوّجه،، لم يتقيّد بتعاليم المدرسة الماركسية التقليدية، ومنذ الثمانينات كانت له مساهمات متميزة في إطار التجديد والتغيير والنقد للتيار الاشتراكي واليساري العربي، تعكس مؤلفاته وكتبه ومساهماته المتنوعة انشغالات خاصة بقضايا الحداثة والديمقراطية والإصلاح والمجتمع المدني، واهتمامات فكرية لتطوير الفهم المتجدد لقضايا حقوق الإنسان ونشر ثقافته وخصوصاً من خلال وسائل الإعلام. ولد في مدينة النجف الأشرف العراق في 21 آذار 1945. ودرس وتعلّم في مسقط رأسه ثم استكمل دراسته الجامعية في بغداد وتخرج من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بغداد، وواصل دراسته العليا في براغ، حين نال درجتي الماجستير والدكتوراه مرشح علوم في القانون دكتوراه فلسفة في العلوم القانونية من أكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية. باحث في القضايا الإستراتيجية العربية والدولية ومختص في القانون الدولي وخبير في ميدان حقوق الإنسان واستشاري في عدد من المنظمات والدوريات الثقافية والإعلامية، وعضو في عدد من المنظمات العربية والدولية، مؤسس الشبكة العراقية لثقافة حقوق الإنسان والتنمية كردستان لندن بغداد وأول رئيس لها في مؤتمرها التأسيسي بغداد نقابة المحامين 5»11»2004 . الأمين العام المساعد للرابطة العربية الديمقراطية صنعاء صدر له النزاع العراقي الإيراني، 1981. و المحاكمة المشهد المحذوف من دراما الخليج 1992 . وعاصفة على بلاد الشمس، 1994 . و بانوراما حرب الخليج 1995 . والإختفاء القسري في القانون الدولي 1998. والسيادة ومبدأ التدخل الإنساني 2000. و من هو العراقي؟ إشكالية الجنسية واللاجنسية في القانونين العراقي والدولي، 2002 . والإنسان هو الأصل مدخل إلى القانون الدولي الإنساني، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، القاهرة 2002 والمجتمع المدني الإصلاح والنبرة الخافتة 2004.
الماركسية اداة تحليل
إشكاليات الدستور العراقي المؤقت الحقوق الفردية والهياكل السياسية، 2004. والعراق الدستور والدولة، من الإحتلال إلى الإحتلال، القاهرة، 2004. وجذور التيار الديمقراطي في العراق2007. والمعاهدة العراقية الأمريكية من الاحتلال العسكري إلى الاحتلال التعاقدي، وفقه التسامح في الفكر العربي الاسلامي، ط1، بيروت 2005 وط2 إربيل 2012، وأبو كاطع على ضفاف السخرية الحزينة، دار الكتاب العربي، لندن، 1998. والجواهري جدل الشعر والحياة، بيروت، ط1، 1997 وط2 2008، وط3 بغداد 2010، وسعد صالح الضوء والظل، الوسطية والفرصة الضائعة، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2009.جدل الهويات في العراق المواطنة والدولة، الدار العربية للعلوم، بيروت2009. وتحطيم المرايا في الماركسية والاختلاف، 2009، وكوبا الحلم الغامض، 2011، والشعب يريد… تأملات فكرية في الربيع العربي، 2012 والمجتمع المدني سيرة وسيرورة، 2012.
الماركسية نتاج لحظة تنويرية أوربية وبني اجتماعية وصناعية وانساق ثقافية وفكرية وحواضن طبقية؟ أتساءل كيف جرت عملية نقلها إلى المجتمعات اللاغربية وبالذات العراق؟
الماركسية أولاً وقبل كل شيء منهج وأداة للتحليل، وتعاليمها ليست سرمدية أو ثابتة أو غير قابلة للتغيير، لاسيما للتجديد والتطوير، بل هي تتطور مع تطور الواقع والعلم واكتشافاته وكان انجلز نفسه قد أشار إلى أن علينا أن نغيّر إستراتيجيتنا بعد كل اكتشاف مهم في العلوم العسكرية، فما بالك بالمجتمع وما يزخر به من تراكم وتغير مستمرين. وبهذا المعنى فالماركسية جدلية ولا توجز في شخص أو كتاب أو نظام أو مجتمع أو حضارة أو فكر مُصاغ مضى عليه نحو قرن ونصف، والاّ ستكون قد تحنّطت أو تجمّدت، لاسيما بإهمال التطور التاريخي. إنها خلاف ذلك حيوية ومتخالقة بحكم منهجها وتفاعلها مع محيطها فلا توجد وصفة جاهزة تصلح لكل زمان ولكل مكان. ويُعتبر ماركس بداية الماركسية وليست نهايتها، والماركسية مفتوحة وقابلة للتطور، لاسيما بالنقد وبالمنهج الجدلي الذي جاءت به. وقد كانت ماركسية ماركس نفسه، أي جدليته، قد عممت معارف القرن التاسع عشر وسعت لاستنباط حلول ومعالجات للتنمية والتطور تنسجم معها، ولهذا يمكن اعتبار ماركسية ماركس هي علم الرأسمالية بامتياز، لأنه اكتشف قانون التطور التاريخي، ولاسيما عبر فائض القيمة، في حين أن الكثير من تعاليم ماركس عفا عليها الزمن.
نسخة مدرسية
ألم ترى أن النسخة العربية من الماركسية التي وصلت إلى هذا العالم قد تحوّلت إلى نسخة مقدسة مدرسية؟ ماركسية بدون فلسفة الأنوار؟
لو جاء ماركس الآن لغيّر الكثير منها، بل وعارضها، وقد تستغرب إذا ما حاربه الكثير من غلاة الماركسيين أو المتمركسين الذين تمسكوا بتعاليمه وبعض مقولاته الشائعة وتركوا منهجه وجدليته، فتحوّلت عندهم الماركسية إلى كيانية مسطّحة بلغة شحيحة ونبض متقطّع ودون حرارة أحياناً، لدرجة بدت متحشرجة أو حتى مستنكفة من الجدلية الماركسية ذاتها، التي أخذتها عن طريق التكاتب والانبهار، دون قراءة ينابيعها والتعرّف على جوهرها الحقيقي والسعي لتكييفها لدراسة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتاريخية والقانونية الخاصة بكل مجتمع ووفقاً للمنهج. وبواسطة المنهج يمكن اكتشاف قوانين جديدة للتطور ووضع برامج وستراتيجيات ورسم تاكتيكات واستبدالها وتغييرها باستمرار وصولاً، لتحقيق الخطط والأهداف التي تم وضعها دون الوقوف عندها، لأن هذه متطورة ومتواصلة أيضاً. ولم يكن ماركس كلّي الجبروت والقدرة، فهو إنسان مثل غيره من البشر، وله عمر بيولوجي محدد، ولكنه يختلف عنهم بمحاولته المعرفية وثقافته الموسوعية ورؤيته العبقرية وعقله التنويري الاستشرافي، وإبداعه في اكتشاف قوانين التطور الاجتماعي التاريخية من خلال منهجه الجدلي، حيث وضع علوم عصره في خدمة قضية التقدم، لاسيما في موضوع النضال ضد استغلال الإنسان للإنسان.
منهح تحليلي
الماركسية إذن في الأصل منهج تحليلي فلسفي؟
الماركسية شاملة بمعنى أنها ليست فلسفة خالصة أو رؤية للتاريخ أو مشروعاً سياسياً واقتصادياً أو حركة اجتماعية ثورية للتحرير والتغيير حسب، بل هي كل ذلك التنوّع في حقوله المختلفة في إطار هارموني شامل، وبذلك اختلفت وتمايزت عن سواها من المدارس الفكرية التي سبقتها وعايشتها من الكانتية مروراً بالديكارتية وصولاً إلى الهيغلية. أعود وأقول الماركسية فكرة كونية غير محصورة بطبقة اجتماعية أو شعب أو مجتمع أو أمة أو لغة أو قارة أو دولة، إنها مثل كل الأفكار الإنسانية عامة وشاملة، ولاسيما من خلال مشتركات إنسانية فمحاربة الاستغلال ليست لحظة غربية أو أوروبية، والمساواة والعدالة وأنسنة الإنسان ليست اختراعا ماركسياً، وإنما هي قيم للحرية والجمال والحق، ضخّت فيها الماركسية رؤيتها، عبر قراءة لتطور المجتمعات البشرية. وإذا كان العمر البيولوجي لماركس لم يسمح له بدراسة علم النفس والتحليل النفسي والدين والميثولوجيا والانتربولوجيا والسرديات وعلم الجمال والنقد الأدبي، وأن تعاليمه بشأن الدولة وذبولها أي اضمحلالها كانت طوباوية، وبخصوص رجعية الشعب التشيكي ورؤيته لشعوب الشرق، لاسيما مصر والهند والجزائر، لم تكن صحيحة، فقد كان على الماركسيين عدم الاكتفاء بتعاليمه التي تصلح لعصره وليس للعصور التي تلته، وضع تعاليمهم في ضوء المنهج، لكنهم للأسف الشديد، تركوا المنهج واكتفوا بمقولات واطروحات، أصبحت مثل البسملة لدى المؤمنين. هكذا تم تحويل الماركسية إلى لاهوت وكان الكثير من الماركسيين ولا زال بعضهم، بمن فيهم الذي تلبرلوا من الليبرالية لاسيما الجديدة على الطريقة اليانكية الجديدة، قد حوّلوا الماركسية إلى تعاويذ وأدعية يرددونها حتى دون فهم في الكثير من المرّات وفي غير سياقاتها، بعد أن أغلقوا عقولهم واستعاضوا عن نعمة التفكير بنقمة التخدير، بالاستنساخ والتقليد وليس بالإبداع والتجديد، مثلما يفعل بعض أصحابنا المؤمنين الذين يرددون الكثير من الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية الشريفة أو تعاليم السيد المسيح، دون سياق تاريخي، مكتفين بالنقل وتاركين نعمة العقل الربانية، التي وهبها الله لعباده، كما يُقال.
أيقونة إيديولوجية
ألا ترى أن عدم إخضاع الماركسية إلى النقد والتفحص الدائم جعلها أيقونة آيديولوجية؟
الذين يتهيّبون من نقد الماركسية ويقصدون بذلك تعاليم ماركس، لم يهضموا حتى تلك التعاليم، ناهيكم عن منهجه، فالماركسية ليست أيقونة أو تحفة أو كتاباً مقدساً، لا يأتيها الباطل من خلفها أو من أمامها، كما أن ماركس لم يكن فيها نهاية مطاف، بل بداية له، وقد مثّل حلقة أساسية من الحلقـــــــــات الذهبية في الماركسية، التي ينبغي أن تكون حلقاتها مستمرة ومتواصلة ومتغيّرة وبلا نهايات.
وسيكون من الإجحاف، بل والغباء اختصار الماركســـــــــية بماركس وحــــــصرها عليه، فذلك سيكون معارضاً لمنهج ماركس ذاته ولماركس نفسه. وليس من الصحيح وضع مسطرة ماركس وتجاربه الشخصية، وكأنها حقائق يتم التعامل معها باعتبارها قائمة وصالحة، وأية إضافة أو حذف أو نقد أو معارضة لها، وكأنه كفر أو انحراف أو تشويه أو خيانة، فقد كانت تجربة ماركس واجتهاداته الحياتية صالحة له ولعصره، ولا يقاس بها صحة أو خطأ تجارب غيره. وحتى ماركس يمكن نقده ماركسياً بمعنى استخدام منهجه واخضاعه للفحص في ضوء جدليته، ولذلك قلنا أن قراءته لشعوب الشرق كانت استشراقية وإن دمغه للشعب التشكيلي بالرجعية على إطلاق هذه الكلمة كان خطأ وأن رؤيته لفكرة الدولة فيها طوباوية ومثالية وغير ذلك. لقد أعلت الماركسية من شأن الجماعية، عدها تمثل الموضوعية الخالصة للتطور وفقاً لما سمي بالحتمية التاريخية ، مبررة تقليص الذات البشرية بكبواتها وتوهماتها وصبواتها على حساب المجموع.
مثقف جماعي
يعد البعض أن يوسف سلمان يوسف فهد مثقف جماعي أي يمثل جماعة سياسية، هل من علاقة بين الثقافة الفردية وثقافة الجماعة السياسية؟
ولعل هذا ما تقصده أنت في سؤالك بخصوص فهد يوسف سلمان يوسف أمين عام الحزب الشيوعي الذي أعدم في 14 شباط فبراير 1949 مع رفاقه حسين محمد الشبيبي ومحمد زكي بسيم، بوصفه مثقفاً جماعياً يمثل جماعة سياسية.
وقد يكون قصدك من المثقف الجماعي أن الماركسية السائدة استصغرت من دور الفرد والفردانية لدرجة الذوبان والانصــــــــــهار، وبتقديري أن ذلك أحـــــــد الأخطاء الفادحة في التعاطي مع الفرد، الإنســـــــــان، وهو الأمر الذي كان على الماركسية أن توليه اهتماماً كبيراً، فقد كان دور الفرد في التاريخ مؤثراً وكبيراً، مثلما كان دور فهد في تاريخ الحركة الشـــــــــــــيوعية في العراق، ولا يمكن الحديث عنها وعن تطورها دون التوقف طويلاً عند فهد ومكانته وكارزميــــــــــته كقائد كبير، كما لا يمكن الحديث عن الماركسية دون دور ماركس التأسيسي.
لكن هذا شيء، وعبادة الأفراد أو تقديسهم شيء آخر، مثلما حصل إزاء ستالين وقادة الأحزاب الشيوعية الحاكمة وغير الحاكمة، وانتقل مثل هذا الأمر إلى أحزاب وسلطات ما أطلقنا عليه حركات التحرر الوطني، دولاً أو منظمات، تلك التي طبقت الموديل الستاليني، بل أن بعضها زاد عليه تخلفاً ورثاثة.
ولكن مهما كانت مساهمة الأفراد جليلة في قيادة الناس لصنع تاريخها، فإن علينا أخذ الأفراد بمزاياهم الشخصية وقدراتهم الفكرية المحمودة، مثلما علينا أخذهم بأخطائهم ونواقصهم وبعض مواقفهم السلبية، ونقدهم من خلالها، والأمر قابل للمراجعة وإعادة النظر في الكثير من القضايا والمواقف، ابتداءً من الكاتب وانتهاء بالقادة والزعماء بمن فيهم ما أسميناهم الزعماء التاريخيون .وأظن إن أحسن من وصف هذه الحالة بجمع المجد مع الأخطاء هو الشاعر الجواهري الكبير حين كتب عن الزعيم جمال عبد الناصر قائلاً
أكبَرتُ يومك أن يكون رثاء
الخالدون عهدتهم أحياء
لا يعصم المجد الرجال، وإنما
كان العظيم المجد والأخطاء
تحصى عليه العاثرات، وحسبه
ما كان من وثباته الإحصاء
/6/2012 Issue 4228 – Date 18 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4228 التاريخ 18»6»2012
AZP07