يوسف ذنون ..شيخ الخطّاطين ابداع عراقي بنكهة عالمية

رافع السراج

رافع السراج

صحفي- محام

ان من اهم مايواجه كاتب المقالة حين يروم الحديث عن شخصية موسوعية كبيرة كالاستاذ الدكتور يوسف ذنون والذي يعد اسطورة كانت تمشي على الارض يوما ما وبكل ابداعه وتميزه واسلوبه وبجميع مفردات حياته التي هي من الالف الى الياء كان ايقاعها الابداع والرقي الفكري وبلوغ اجمل معاني النجاح وبكل ما تحمله من قيم راقية ومواقف عظيمة سجلت في ارشيف حياته المليئة بكل ماهو مشرف وعظيم وكريم ، ليصنع له ولعائلته ولمدينته ولوطنه مجدا عاليا زاهيا ظل يرفرف مدى سني حياته التي قاربت التسعين عاما قضاها بالجهد والبحث والدراسة والمتابعة الحثيثة لبلوغ تلك المنزلة التي صار اليها وستظل تلك الراية الخفاقة التي عنوانها الكبير يوسف ذنون ابد الدهر يستظل بها ويعتز بعلوها وسموها ابناؤه وحفدته وطلابه وتلاميذه واخوانه وكل أبناء مدينته ووطنه الكبير بما تركه من ارث عظيم يعتبر مفخرة عالية القيمة والمقام تراها ماثلة للعيان اينما تلتفت حين تقرأ وتتابع موسوعة يوسف ذنون الكبيرة .

حتى ليصاب المرء بالذهول وهو يطالع هذا الكم الهائل من الابداع الفكري الثري والعطاء السخي الذي يزين مفردات تلك الموسوعة العالية الكبيرة تحت عنوان يوسف ذنون والتي بناها وانشأها وسهر على اكمالها وبذل الغالي والنفيس من اجل تمامها ودوام رقيها فكان رحمه الله لايهجع له قرار حتى يطمئن بنفسه على كل مفردة تدخل في تكوين هذه الموسوعة مهما بلغت من الصغر او الاهمية ، فلا عبث لديه ولا اهمال ولا يقبل في احقاق الحق ووضع الامور في نصابها اي لوم او جدال… وقد نشأ عصاميا حادا لا يعرف اللين في التصميم لبلوغ الهدف الذي رسمه لنفسه وخطط له واعد له خريطته واستحضر مكوناته واجزاءه وبدقة بالغة دون ان يتكل على احد مهما قرب اوبعد منه فسلطة القرار لديه قوية ومبادرة ومتكاملة ، ورغم شدة اصراره لبلوغ الهدف لكنه يهييء ويستحضر جميع مقومات الوصول الى الهدف المنشود في مخيلته ويستجلب كل اساسيات النجاح في تحقيق برامجياته والتي يسعى اليها حثيثا ولكن بهدوء المتمكن الواثق من سعيه والذي لايضيع ولو لحظة من وقته دون ان يستثمرها لصالح انجاز ما يبتغيه من اهداف .

لذلك حقيقة فإننا كنا نرى رأي العين ونلمس لمس اليد ان الاستاذ يوسف ذنون رحمه الله وان كانت اهدافه واحلامه عظيمة الشأن وبعيدة المراس لكنه خطط وهيأ لها كل مستلزمات نجاحها وحققها ولمس وجودها امام عينية وبين يديه وبدون ضجيج مفتعل او تخبط محبط (حاشا قدره) ، وكانت نتائج انجازانه تصل الى مرتبة الامتياز العالي والذي طبع مشوار حياته ورتب خطى مسيرته وفق ذلك المنظور الذي سار عليه ،” احلام “، “رغبة ، ” اصرار” ،” تهيئة” ، “اعداد” ،” تحضير” ، “ارادة” ، “صبر” ، “هدوء” ،” روية” ، “اتمام” ، “انجاز” … تلك كانت خطواته التي ارنكز عليها حينما بدأ يخطط للنجاح الفكري والعقلي والعلمي والبحثي والتراثي والفني الذي ينشده والذي صار ماثلا للعيان وفي جميع مناحي الابداع التي تفنن فيها واجاد ، حتى نال في مجال الخط العربي رتبة (شيخ الخطاطين العالمين) وهي اعلى منزلة ينالها خطاط على مستوى العالم بجدارة واستحقاق غلب فيها اعتى شيوخ الخطاطين الذين كانت لهم مواقع كببرة على مسنوى العالم العربي والاسلامي لكن يوسف ذنون رحمه الله طفقت شهرته في العالم اجمع ونال مرتبة عالمية لم يصل لها مبدع عربي او اسلامي من قبل  …

وأحد اهم الامثلة على عصاميته والتي هي احدى اهم صفات يوسف ذنون الراقية وهي العنوان الكبير والباب الواسع لفهم سر النجاح الهائل الذي طفق يغطي العالم كله بشهرته ومكانته ومنزلته ، فقد قال لي في احد اللقاءات المسجلة بيني وبينه رحمه الله انه حين كان يخطط لانجاح او تحقيق هدف معين فانه يضع شعار “”اصبو الى النتيجة”” اي تطلع وانظر الى النتيجة التي ستحققها فكلمة “اصبو” اشتقاق “صبا…يصبو” (صبا الى المجد: أي تطلًّع اليه وابتغاه) (معجم المعاني الجامع) ، وذلك من اهم وسائل النجاح التي اعتمد عليها في تهيئة اسباب البلوغ الى الهدف الذي ينشده والذي وضع خارطة الطريق للوصول اليه ، وحين بدات بكتابة هذه المقالة، فحقيقة فقد انتابتني الحيرة والقلق وسألت نفسي كيف  اكتب عن يوسف ذنون وكيف اتحدث عنه وهو الموسوعة المتكاملة التي تتطلب فيمن يتصدى للكتابة عنها ادراك وفهم واسع وكبير لاستيعاب اركان وزوايا وقواعد نجاح هذه الموسوعة التي يزين عنوانها الكبير يوسف ذنون وبكل الهالة والمهابة التي تحيط بهذه الشخصية التي ليس من السهل سبر اغوارها واستيعاب اسرارها وفتح مكنوناتها ليس لانها طلسم من الطلاسم التي لايفك عقدها ولاتعرف اسبابها او انه يبدو معادلة رياضية صعبة ومعقدة ليس لها نتيجة او حل ، بل  العكس صحيح فشخصية يوسف ذنون رغم مهابتها وسمو الابداع فيها الا انها تتميز بالبساطة التكوينية والاخلاقية رغم مافيها من رقي  فحين نقترب من يوسف ذنون الخطاط العالمي والمفكر الراقي والكاتب المتميز والباحث المتجدد والاثاري المنجد والتراثي المبدع وبكل العناوين الضخمة والعالية المقام والقيمة فكنا نحس ونحن نجلس اليه او تقترب منه اول مرة فإننا سرعان ما نشعر بالامان والطمأنينة ونشد الانتباه اليه وتحس باننا متفاعلون معه روحيا ونفسيا وحسيا … ورغم اننا كنا نشعر بالرهبة والمهابة التي يفرضها وجوده اين ماجلس وحضر ، وحين نبدا بالانصات والانتباه الى حديثه وكلامه بطواعية منا وكأن موحي يوحى الينا ويشدنا للانصات اليه ومتابعة حديثه الشيق الطيب ، وكنا ومن خلال حضورنا للكثير من جلساته ولقاءتنا معه وحين نلتم من حوله وننصت له كنا نشعر وكأن فوق رؤوسنا الطير مهابة وهيبة لشخصه ولرقي حضوره وتواجده الكبير المؤثر فيمن حوله…كل تلك المسائل وضعتها امامي حين هممت بكتابة مقالتي هذه عن يوسف ذنون الخطاط العالمي وشيخ الخطاطين ويوسف ذنون الباحث ويوسف ذنون الاثاري ويوسف ذنون التراثي  ، لقد اغنى الاستاذ الكبير رحمه الله الحركة الفكرية والمد الثقافي والنشاط الابداعي برعايته الكربمه واحتضانه المميز والمدروس والحاني  لكل ابداع وتميز يلجأ اليه ليجد له صدرا رحبا يقبله واياد كريمة ترعاه وتكريم يعطى وفقا لاستحقاقه دون مجاملة او مواربة او ود ، وهذه سياسته  التي وضع اسسها واعتنى بها وأكد عليها الاستاذ الدكتور يوسف ذنون رحمه الله والتي لم يحيد عنها طوال فترة نشاطه الى قبل حادثة وفاته الاليمة في تموز من العام الماضي حين داهمته الجلطة الدماغية على حين غفلة والتي انتهت بوفاته وانتقاله الى الرفيق الاعلى تاركا وراءه ارثا عظيما وراقيا يصعب احصاءه وعده من الفخامة والعظمة والرقي والتفرد والنجاح .

ولم يكن ورث يوسف ذنون ذهبا او دنانير او عقارات اواملاكا او بساتين لكنه كان اكبر وابدع واعظم من كل ذلك بما تركه من بعده عظمة ونجاحا يصعب الوصول اليها الا بتضحيات جسام كالتي واجهت يوسف ذنون وبارادة حديدية كالتي امتلكها يوسف ذنون وعزم لايلين كالذي كان عند يوسف ذنون وعصامية عالية كالتي سار على نهجها بوسف ذنون ،وتلك لعمري صعاب تنوء بحملها الجبال الراسيات لكنه يوسف ذنون الذي قهر الصعاب وتحدى المخاطر ووضع روحه بين اصابع كفيه وضحى براحته وصمد وصبر لما واجهه من محن واحزان وجعل منها عزائم تدفعه الى الامام .

ذلك هو يوسف ذنون ابن الموصل البار الذي كان ولم يزل بيرقا عاليا من بيارق زهوها وعلوها ونجما ساطعا في سماء مبدعيها ولوحة بيضاء ساطعة من تاريخ ابناءها الكرام الذين انجبتهم ليطرزوا تاريخها بكل ما تزين به صفحاته واوراقه واخباره ، يوسف ذنون الذي خط للاجبال سبل النجاح والسؤدد ان ارادوا السير على ضوء مسيرته وبهديها وبالاضاءات التي تركها تضيء طريق النجاح لمن اراد النجاح وسعى اليه بارادته وعزمه وبجد وارادة لا تلين ولا تعرف المراوغة بعيدا عن التحايل والروغان والضحك على الذقون كما فعل ويغعل بعض من يظن ان طريق النجاح سهل لا تعتريه الصعاب والمطبات…

رحم الله استاذنا الكبير وقدوتنا الغالي الدكتور يوسف ذنون رحمة واسعة ورفع منزلته في الاخرة الى عليبن في مقعد صدق عند مليك مقتدر

 

 

 

مشاركة