يوسف المحسن يسرد لعنة إغتيال الذاكرة

يوسف المحسن يسرد لعنة إغتيال الذاكرة

رواية النساي تؤرّشف حقباً زمنية مظلمة

وليد النعاس

 يوسف المحسن كاتب له انشغالاته الصحفية والسينمائية ،كانت حاضرة في ذهنه مهنة وممارسة ،مكنته من امتلاك صياغة الحكي ،مع ما يكتبه مدوناً سردياً ،مع أنه يعد نفسه مقلاً في كتابة الراوية ،كأنه يمارسها غواية وتعمية في تصيير الواقع فناً .

 يوسف المحسن على وعي أن الراوية –اليوم-هي ديوان العرب ،بما تضطلع به من كشف وتعرية للمؤلم والمشروخ من ماضينا وحاضرنا ،من خلال أعادة تمثيل الاحداث التاريخية او المعاشة ،وصفاً متخيلاً في احجية ومتاهات حكائية ،تنتظر قارئاً يفك شفراتها وغرائبيتها التي لا تصالح الواقع .

 في روايته (النساي)يعيد (يوسف المحسن)تفلية الذاكرة هوية، للفرد أو الجماعة ،لينفذ من خلالها الى الامكنة الموجوعة ،لمعايشتها وسبر عمقها ،وليكشف عن سواد الازمنة ،قلقاً يستبد حياتنا اليومية، حين يصوغ الوقائع متخيلاً مخلوقاً من كلمات، تستطيع أن تصف المغمور من تأريخنا القامع .كان رواية (النساي)محكي يؤرشف أوجاع العراقي تحت مختبر المآسي والاحداث المؤلمة ،التي افقدته الذاكرة وافقدته معرفة تاريخه المأزوم رعباً وخوفاً واقصاءاً.

 وأحسب أن يوسف المحسن في روايته (النساي) أعاد صوغ الذاكرة سرداً جمالياً وفنياً، نحو متاهات مفتوحة في عوالمها ، متخيلة في احداثها .تقصى فيها مناطق العتمة في الذات الانسانية ،عبر مسارات متمايزة في فهمها ودلالاتها ،باستنطاق تخييل يوهم القارئ بواقعية أحداثها ، وهو ينسج أمكنة وأزمنة تستظهرها ذاكرة شخصياته ،في محكيات تضج بالمثير من الانتقالات المعرفية ،من التاريخ الى الجغرافية ،ثم الى النقد والميثولوجيا والدين ،لتعرج الى الشهوة والجنس ،وصولاً الى عادات الشعوب ومجاهلها وصفات الحيوان ،رحلة فكرية تجعل القارئ يتيه بين تصديقها حقيقة أو تحريفها.

    وقد أدعي أن هذه الرواية (النساي)مخبراً لفهم العالم الذي نعيشه ،واصدار بيان عن اهانة الذاكرة الجمعية ،في مجتمعات القهر وفقدان الأمن ،حين يساءلها الكاتب مشككاً في افتراضاتها ،ليكشف المخبوء في هويتها وماضيها المقيد بسرديات الذنب والخدش، ذلك الماضي المأزوم، الذي  حبكه الكاتب أرشفة تحكيها شخصيتيه الرئيستين ،باستدراج ما يرد على لسانهما ،ثقافياً وتاريخياً واسطورياً وسياسياً …، ومما حصل من أحداث متخيلة ،وإن كانت أقل صدقاً من التأريخ  ،ليوهم القارئ أنه يفلي معه وعي الساردين ،وأنه لم يكتب هذا المتن ،إنما أعاد تدبيج ما عثر عليه.

 تبدأ رواية (النساي) من لحظة تؤرخ سيرة، تتمظهر مزجاً متداخلاً ما بين وعي الساردين وأحداث عوالم (النساي)،من خلال انتقالات متكررة عبر الماضي والحاضر والمستقبل ،تصاغ منها أحداث القرية ،خلطاً بين الوقائعية والمتخيلة ،بما يحرك كوامن مجهولة من تلك الذاكرة المفقودة ، المتتبعة من الساردين الرئيسين ملاحقة في وصفها، عبر مسارات لا يمكن التنبؤ بها ،كأنها احجية ملغزة ،تتطلب قارئاً واعياً يمسك بها ، وبالعوالم التي تحتويها ،التي سنقف عليها لاحقاً .

      وقبل ذي بدء نتساءل من هو (النساي)؟ فهو عنوان يحمل حقيقة ذات معان تحتمل دلالات مختلفة، إذ إن الاتيان به لم يكن وليد صدفة، إنما قصد ثقافي استنطقته مخيلة الكاتب من رصيدها المعرفي ،نحو تخليق متن مستفز ،عن حقبة زمنية تخبرنا عن تأريخ مظلم ، كأنه حاضراً في ذواتنا وما يحيط بنا ،قد لا يكون ظاهراً لكنه مخبوء فينا ،في متاهات مصيرنا ،في صراعنا ومذابحنا واسفارنا ولغتنا .نستظهره في حواراتنا ،عن عالم عاصرناه وما يزال يجري حولنا، بإمكان القارئ أن يعيه حقائق عالمنا المعاش ،أو ربما رحلة تذكر مرتبطة بالزمن الذي صاغه (مارسيل بروست )في روايته (البحث عن الزمن المفقود)ذلك الزمن الذي أعاد صوغه (يوسف المحسن ) ،هماً انسانياً واغتراباً فكرياً ،يمكن أن نلمحه في” أعلى تصوراته للأسباب الحقيقية التي تقف وراء تفشي مرض النساي ،حيث بدو متشبثين بما اطلقوا عليه فرضية الكبت ،التي تدعي ان النسيان العكسي للرغبات والامنيات المكظومة”()

حقبات مظلمة

  قد يكون (النساي ) ذلك الإدراج التاريخي الذي أرشف حقبات زمنية مظلمة ،ربما زمن ما بعد (2003أو زمن ما قبله ،في حقبة ما ،ثم اخترعها متخيلاً ،عبر عالم ابتكره الكاتب عن مجتمع(القرية التي كبرت…)،مفتقا ما حصل فيها من أوجاع.

وقد يكون (النساي) تعبيراً عن فكرة المؤامرة ،التي واجه بها اخفاقاتنا ،حين تسلعنا السلطة كأية بضاعة ،لنبحث عن انهزامنا وفشلنا، لننسج خيوط النسيان حولنا ،كأنها إرادة كونية تشابه عقيدة الانتظار للغائب ،التي صاغتها مخيلة الاجيال ،وبسببها نخضع لنمطية الاستبعاد المزدرى من قبل السلطة ،التي تمتهن ذاكرتنا بلعبة مثيرة ،تجسدها وحشية(النساي)وغريزته المتحققة بنشوة محو الذاكرة ،واصابة ضحاياه واحداً تلو الآخر الى الموت الجماعي .”النساي محا ذاكرة الفريسة والصياد ،والآكل والمأكول، والهارب والمطارد في المدينة”().

“الاهالي وبفعل النساي أصيبت اعداد منهم بالعمى ،لأنهم نسوا خطورة البحلقة طويلاً في الشمس”()

” الأهالي باتوا يخشون الشقاء من النساي ،لا يجدون أو يجتهدون للبحث عن طريق الخلاص منه”() .

 وقد نزعم أن (النساي) محمول تأريخي ،يغوينا البحث عن هويتنا التي اضاعتها السلطات بجميع مسمياتها، السياسية والدينية والبطريكية والخرافية …،بدءاً من تأريخ مغفول الى يومنا هذا ،المتناسل من قمع وحروب وقتلة…،  وفق صوغ لغوي تخييلي ،يرمي الى الكشف عما قابع تحت السطح، إن ساكن قرية(النساي) نحن المقموعين والمهمشين والتائهين ،السائرون الى الموت بإرادة سلطتنا وفقيهنا، أهل القرية نحن حائط الحدود والجغرافيا ،التي سورتها الأرامل ،(النساي)هو الكشاف الذي أرغم ذاكرتنا على فقدان هويتها الذاتية .بفعل ما حيك ضدها من قساوة .

  أما متخيل الذاكرة فله استدعاءات مع فضاءات أخرى ،فمن المعلوم أنه لا يمكن لأي كاتب أن ينتج نصاً دون مرجعيات يتلاقى معها تنصيصاً ثقافياً ،مستقطباً منها زاده المعرفي .وليس بدعاً أن يكون الكاتب (يوسف المحسن) قد قرأ متوناً سردية ،فتنته بنيات محكياتها ،وصياغتها، وطقوسها السحرية ،ونحو ذلك مما يعرفه صائغ حكاية (النساي)،وهو مما يحسب له قدرة في استشفاف متخيل الآخر.

 لذلك كان عنوان الرواية(النساي) ثيمة تستدعي تماهياً في اختراعها لعبة الذاكرة ،مع نتاجات روائية سابقة ،قد تلمحها ذاكرة القارئ في رواية (مائة عام من العزلة)،مشخصة في قرية (ماكو ندو)،التي أصابها الوباء المتشابه لفعل (النساي)،بما يستفز ذاكرة افرادها ،حين فقدت نحو بديل آخر للتذكر ،كأنها ذات قرية (ماكوندو)،التي مرت بمراحل ثلاث ،مكاناً للأحداث ،لتكبر أرضاً ومتخيلاً ،بعد أن كانت بضعة بيوت من الطين” تذكروا دائماً أن الماضي ما هو إلا كذبة أنه ليس للذاكرة دروب للعودة”().

   هذا التوصيف في تشابه فقدان الذاكرة ،والقوى الغيبية والسحر والخوارق والموت ،تشعرنا برباط وشيج بين الروايتين ،وأن علاقتهما تتحدد في كونية خطابهما تصنيفاً مفهومياً ،في انتاج معرفة سوسيولوجية ،تتقصد تفلية ذاكرة الشعوب ، “وجعل ما لا يمكن الاستدلال عليه مرئياً وانتاج ما لا يبلغه أي تصور آخر سواه”().

وعليه قد تبدو ثيمة الذاكرة منبعاً في أعمال روائية أخرى ،لكن دون تشابه مع رواية (النساي) في أشكالها السردية أو وقائعها أو متخيلها ،إنما بتسليط الضوء على ثيمة التذكر ،التي تنفتح على اشتغالات أخرى ،تتشارك مفهومياً ،في إعادة صوغها عبر نافذة التخييل.

إذ يعتقد القارئ ثمة استدعاء آخر ،قد يكون مضمونه وقيمه ودلالاته مبايناً لرواية (النساي) ،لكن انتفاء (الذاكرة) صوغ مكرر،يظهر أهميته مبرزاً مفصلياً في رواية(الشعلة الخفيفة للملكة لوانا) لــ(امبرتو إيكو) حين يفقد بطل الرواية (يامبو) ذاكرته نتيجة حادث ،لكن ذاكرته تستدعي خزينها المؤرشف صوراً وعلامات للأشياء ومسيماتها ،كأنها ولادة قسرية ،تريد ولوج الحياة من جديد، حياة تعيد تسمية الأشياء ،باستنطاق خبرة الذاكرة البسيطة، على مستوى الحوادث والمعلومات والأزمنة ،تلك المرتبطة بهوية مؤقتة ،كأنها إفاق من غيبوبة لا وضوح فيها، إنما تريد الحفاظ على جزء من حضورها . يقول (يامبو)عن نفسه” إنمحت ذاكرتك الشخصية…،لديك ذاكرة من ورق يا يامبو”()،وفي استدعاء آخر من محكيات(النساي) النص أدناه”بعد ما يقارب من الساعة على شروعه بالبكاء،والتي تبعت عشيات ومساءات عدة،مسح دمعه بكم الرداء ،والقى بنظرة متأملة طويلة الى الحصان ،عانقه ثانية ثم قبله وابتعد خطوات الى الخلف مصوباً فوهة البندقية الى رأسه().

“كره المرايا شعور ترعرع معه منذ ان كان صغيراً …،يستشيط غضباً كلما لاحت شظية مرآة أمام وجهه”()

 إذ يذكرنا النصان أعلاه ،برواية (طبل الصفيح) لـ (كونتر هاس)وهي تصف لنا إنساناً تباطأ نموه بسبب حادث عارض ،أصابه زمن طفولته ،كان من تأثيره أنه يستطيع تحطيم زجاج الأبواب والنوافذ اذا ضرب على طبلة معلقة على صدره ،مع صراخ وعويل يرافق هذا الفعل .() مع إننا على يقين ،إن رواي (النساي)مستقل في خصوصيته الابداعية والتخييلية واحداثه ،لكن قارئه يمكن له التجوال في تداخل عوالم (النساي )مع سرود أخرى ،يعتقد أنها احتفاء آخر مع ثيمة التذكر والذاكرة.

وقائع بطل

وقد نلمح في وقائع بطل روايته(النساي) المنعوت بـ(ن-ب) تشاركاً مع بطل رواية (المحاكمة)  لـ (كافكا)،من حيث عبثية الحياة التي تقوده ،نحو متاهات لم تكن من اختياره ،أو من تصميم سابق لها، ذلك حين يسرد بطل رواية (النساي) أوجاعه وتيهه المنفلت عن واقعة ، فيقول:”ربما سيكون بمقدورنا أن نتقاسم هذا العالم مع كائنات ،لا يسايرنا شك بأنها تقترف الاخطاء والجرائم”().

وفي نص آخر يقول :”لقد تعلمت أن الاشرار يتم استنساخهم والدكتاتوريون يتم نسخهم ،والطغاة يتشبثون بأمزجة الكراسي”().

  وحين يحتج فلسفياً يقول:” تقولون  الأسد هو خراف مهضومة، لكن الكائن الذي يشبهكم هو الشكل النهائي لحيوانات دقت أعناقها ،وسلخت وطهيت وقطعت الى شظايا ومضغت ومن ثم دفعت الى الغائط”().

 يالها من أوجاع يتشارك بها مع بطل رواية (القلعة)في صرخته بوجه الحياة ،كأنهما يقصان للقارئ إقناعاً بعبثية ما يحيط بهما. مما مر ذكره يقودنا أن نزعم .أن استدعاءات ثيمة التذكر ،كانت حاضرة في متون سردية أخرى ،ولكنها في رواية (النساي)بقيت دلالاتها مسكونة بفراغات ،ذات ابعاد مفتوحة التأويل ،تتطلب قارئاً يفلي لها نصاً موازياً ،ويجلي مخبوئها ،جرحاً أحاطه الصمت والتعمية ،في تمثلات أخرى ،كأنها لعبة من الكاتب الى القارئ ،مقصود منها ،سحبه الى وقائعها ،مقنعاً إياه بحوادثها ،ومستسيغاً لسردها ،ليزداد جرياً وراءه وشوقاً لمعرفة غرائب عوالمه.

الهوامش

1- النساي :279.

2- نفسه:177.

3- نفسه:211

4- نفسه:258..

5- مائة عام من العزلة:62. .

6- هايدغر وعصره:405..

7- الشعلة الخفية للملكة لوانا:183 .

8- النساي:54..

9- نفسه:144.

10- ينظر :(رواية طبل الصفيح ): 236وقد صنع من أحداثها فلماً المانياً سنة :1979وحاز على جائزة اوسكار افضل فلم أجنبي.

11- النساي:158.

12 – نفسه:169.

13- م. نفسه:275 .

مشاركة