اليهود وشجاعة العراقيين – صلاح الحسن

448

حكاية جبرة

اليهود وشجاعة العراقيين – صلاح الحسن

كانت جابريلا ذات الثمانية والعشرين ربيعاً تقود طائرتها الفانتوم الاسرائيلية وتقصف بشدة القطعات العراقية في الجولان المشتبكة مع نخبة الجيش الاسرائيلي الزاحف باتجاه دمشق في حرب أكتوبر عام 73.. كان لديها الكثير من الأوسمة لمثابرتها وذكائها..

شرحت لامها في المساء وهي منبهرة ومتعجبة من شجاعة العراقيين واستبسالهم فقد كانوا ينزفون بغزارة دفاعاً عن ارض ليست لهم ولايتراجعوا رغم سقوطهم بالمئات جثثا هامدة واشلاء مقطعة دون ان يتراجعون شبرا واحداً.. بل إنهم يفترسون أعداءهم بجنون..

اجابتها الام ياعزيزتي هؤلاء اكثر شعب حزين وغاضب في هذا الكون .. يتناولون الالم والحزن في كل تفاصيل حياتهم.. وحتى في اغانيهم .. نحن يهود العراق اعلم من غيرنا بطباعهم .. الا تتذكرون كيف هجرونا من بغداد قبل عشرين عاما وانت صغيرة في السابعة ، وكيف نهبوا اموال ابيك الصائغ واثاث بيتنا…

بعد يومين عادت جابريلا الى الجبهة في طلعة قتالية .. وأثناء قصفها هناك .. ابلغوها بوجود طائرتي ميك عراقيتين .. ولقد .. لاحت لها إحداهما.. فأطلقت باتجاهها صاروخاً .. وكانت فرحتها شديدة عندما رأتها تنفجر .. ولكن اين الطائرة الأخرى .. ولم تتم كلامها حتى رأتها تتجه نحوها..كانت تظن أنها ستلوذ بالفرار ..لكن العكس حدث ..فهذا العراقي مصر على الانتقام لأخيه..وجهت له صاروخاً ثانيا ورأت دخانا يخرج من طائرته .. واستدارت راجعة ..لكن رجة عنيفة أصابت طائرتها وانفجارا مدويا وناراً اندلعت من محرك طائرتها ..أصابها الارتباك والرعب الشديد  ..تزايدت النار المندلعة والدخان الذي يجري وراءها منذراُ بالموت .. لقد أصابها ذلك الطيار العراقي .. ضغطت بيد مرتجفة على زر انطلاق البراشوت .. فقذف جسمها بعيداً وسقط متهاديا بمظلتها للاسفل لتصل الارض وتتلقفها سيارة الإسعاف الى مستشفى هاداسا..كان جرح صدرها بليغاً وتكاد تختنق.

استيقظت في المستشفى بعد غيبوبتها لتجد امها باكية بجانب سريرها..

بقيت اياماً..تعاني ..وشاءت امها أن تخبرها بسر عظيم …فشنفت اذانها بصمت ..للسماع..

قالت إمها :اسمعي ياعزيزتي..كنا في الأربعينات في جنوب العراق .. وكانت هناك شابة جميلة مسكينة هي الزوجة الثانية لأحد صائدي السمك .. وكان يسومها سوء العذاب مما اضطرها للعمل في السر في بيوت الأغنياء لتحصل على قوتها وقوت ابنتها الصغيرة (جبرة)ذات العامين.وكنا من بين تلك الأسر الغنيه لكون ابيك صائغا يهوديا ..سمع زوجها بالأمر .. فقتلها غسلا للعار متهما إياها بهتانا بالرذيلة . ولم تشفع دموعها وقسمها  بقرآنهم وائمتهم وانبيائهم ..لقد ضربها حتى فارقت الحياة … ودفنها بملابسها المضرجه جنب قبر سيد يزوره اهل القرية دائماً..

بقيت ابنتها الصغيرة جبره جائعة مريضة مهملة تلبس اسمالاً..وكنا نتصدق عليها وندس لها الطعام خلسة … وقد لسعوا يديها الصغيرتين بأعقاب السجائر عندما رأوا عليها ثوبا البسناه لها وحانت الفرصة عندما هاجرنا الى بغداد .. فحمل زوجي يعقوب تلك الطفلة بين الامتعة وغادرنا ليلا …

لم يفتقدوها ابدا .. وقالوا ربما غرقت في النهر البارد المتلاطم ونسوها..كانت تلك الطفلة ..هي انت .. أصبحت انا امك ويعقوب ابوك فنحن عقيمان .. ولم يشأ يعقوب أن يغير اسمك كثيرا .. فحولك من جبرة الى جابريلا .. وعندما هجرونا من العراق حملناك معنا … كنت مدللة مكتنزة جميلة.اقسم ابوك أن يدخلك في ارقى المدارس وهو ما حدث .. وعندما رأى فيك شجاعة وشراسة قرر ادخلك الجيش رغم استحالة ذلك .. نعم .. في احسن مكان في القوة الجوية ..لقد كان فخورا بك قبل أن يموت ..

ها انت ياجبرة .. كتب الله لك أن تضربيهم ويضربوك .. أنهم اهلك القساة.بقيت جبريلا طريحة الفراش .. تصارع جرحها العراقي .. واخيراً ماتت ..وكان من وصيتها ..أن يديروا وجهها تجاه العراق لتنظر الى قبر امها القتيلة ..وان يكتبوا على قبرها (وما تدري نفس باي ارض تموت ).. هكذا العراق واهله وأن مررت السنين.

– بغداد

مشاركة