يكاد يكون صوم زكريا عند العرب عبادة-دكتور نزار محمود

613

لا أعتقد أن هناك شعباً أو أمة تتكلم أكثر من العرب؟ ولست أدري اذا ما كانت تلك نعمة أم نقمة؟!

اتذكر اسطورة كنت قد سمعتها، وربما رددتها، وهي بالتأكيد نوع من الطرافة، حيث تقول احدى الروايات بأن البشرية على الأرض كانت قد تكونت جراء سقوط أحد الآلهة من السماء على الأرض فتمزق جسده وتبعثر على أجزاء تلك الأرض. فعقله سقط في بريطانيا، فجاء الانجليز يحكمون العقل في أفعالهم، وسقطت ذراعيه في ألمانيا فتميزت الأمة الألمانية بالبطش، وهكذا حتى كان من نصيب الجزيرة العربية لسان ذلك الإله، فجاء العرب أرباب حديث وكلام!

نحن أصحاب دواوين ومضافات، تعجبنا الحكايات والقصص والأساطير، والأحاديث والمناظرات والسجالات. وسواء كنا نحن أصحاب ألف ليلة وليلة أو لم نكن، فقد جاء هواها تبعاً لثقافة الحياة والرواية التي نعيشها.

نحن قوم يعجبنا الاستماع ونطرب للأساطير، ونفخر بالرجالات والمواقف والشهامة والبطولة. واذا أخذت العنتريات منا زمناً جميلاً، وغيرها من الأساطير الجميلة، فإن بنى حياتنا الاجتماعية والثقافية والسياسية تقوم كذلك على الكلام والدوي الكثير. نحن نتحدث سنين لكي نعمل ساعات أو على الأكثر أيام!

ليس هناك من شعب أو أمة لا تتحدث ولا تتكلم، ولا ينبغي ولا يمكن لها ذلك، لكنهم يعملون كذلك، واكثر مما يثرثرون في ما يسليهم أو في ما هم فيه من تناكف أو تناظر!

ان مراجعة لعدد الساعات التي يقضيها الفرد في احاديث وثرثرة ولغو في البيوت الاسرية والمقاهي والمنتديات الاجتماعية و « الثقافية» وأمام برامج الترفيه والتسلية القائمة كذلك على الثرثرة بين مجتمعات العمل ومجتمعات الكلام تكشف عن بون شاسع في اختلاف مساحاتها الزمنية.

ان الاعراض عن اللغو والكلام غير النافع، والابتعاد عن الجدل والنقاش دون ضابط أو رابط، وخير الكلام ما قل وما دل، هي من ثقافتنا التي جرى تجاهل تطبيقاتها في حياتنا اليومية والاجتماعية.

من هنا فإننا بحاجة الى صيام آخر، هو صيام زكريا في امتناعه عن الكلام تهذيباً وترويضاً وتدريباً على ضبط النفس في هواها وما تهفو اليه.

كم سيكون ذلك مفيداً لنا نحن العرب في السياسة والثقافة والاجتماع واحترام الزمن والانتفاع منه وبه.

برلين، 

مشاركة