يعقوب بن إسحاق الكِنْدي            

1637

يعقوب بن إسحاق الكِنْدي

الفيلسوف المُبدع

عـلاء لازم العيـسى

لا يختلف اثنان من العقلاء المنصفين في أن التفلسف بمعناه العام      ـــ كنشاط عقليّ معرفيّ ـــ ليس قاصرًا على أمّة دون أمّة ، أو شعب دون شعب ، بل هو حظّ مشترك بين جميع البشر ، وقد أثبت تأريخ الشعوب والحضارات والمذاهب أنّ الإنسان في كلّ زمان ومكان استوقفته الأسئلة نفسها التي استوقفت من كان قبله من الأسلاف ، تلك الأسئلة التي تتعلّق بوجوده ووجود الكون الذي يعيش فيه ، وهل أنّ هذا الكون أوجد من العدم أم أنّ هنالك قوّة خارجيّة أوجدته ، وما علّة الظواهر السماويّة أو الأرضيّة التي يراها ، واسئلته عن ولادته وإلى أين يصير بعد الموت ، وما علّة وجود الشّر ، إلى آخره من الأسئلة التي تعدّ من صميم التفكير الفلسفيّ . ومن هنا صار الفكر الفلسفيّ فكر متطوّر وليس فكرًا جامدًا ،  وبناء تشترك فيه جميع الأجيال الإنسانيّة من مختلف الأصقاع والألوان والديانات والقوميّات ، فيضيف إليه كلّ جيل شيئًا جديدًا يمهّد به السّبيل لمن يجيء بعده ، كما أنّ الكلمة الأخيرة في الفلسفة لم يقلها جيل بعينه بعد وإلّا أصيب الفكر بالجمود وحُكم عليه بالعقم الأبديّ . ومن هنا كان للفلاسفة والمفكّرين المسلمين ـــ من خلال رؤاهم وآرائهم الابداعيّة الخاصّة ـــ دورًا لا يستهان به في الفكر الفلسفي العالمي ، ولعلّ أبرز هؤلاء هو الفيلسوف يعقوب بن إسحق الكندي ، نسبة إلى قبيلة كندة العربيّة من بني كهلان ، الّذي ولد في البصرة ، وتوفّي في بغداد وقيل في دمشــــــــــق  سنة 252 هـ ، وقيل 260هـ .

   يُعدّ الكندي أوّل من تفلسف من العرب ، بدأ حياته متكلّمًا وشارك المعتزلة في بعض بحوثهم ثمّ انصرف إلى التفلسف النظري ، تأثّر بفلسفة أرسطو مصطبغة بالأفلاطونيّة المُحدثة ، وهو أوّل من حاول التوفيق بين الفلسفة والدّين ، وبذلك فقد مهّد بمصنّفاته لمن جاء بعده من الفلاسفة والعلماء . انماز في مباحثه الطبيعيّة بأسلوب علميّ مرن يعتمد أساسًا التجربة الحسيّة ، والملاحظة المباشرة أخذًاً بمبدأ (( إنّ الشيء إذا كان خبرًا عن محسوس ، لم يمكن نقضه إلّا بخبر عن محسوس ، ولا تصديقه إلّا بخبر عن محسوس )) ، وقد طبّق هذه المبدأ عمليًّا على حكاية السهام التي نسبت إلى الفيلسوف اليوناني أرسطوطاليس ، وملّخصها أنّ نصول السهام إذا ملئت رصاصًا ورمي بها في الجو ذاب الرصاص الملصق بها والموصل بالنصول بسبب حرارة الهواء . فلم يقتنع الكندي بذلك ، وكي يتحقّق من صحّة ما نُسب لأرسطو ، أجرى تجربةً حيث عمل آلة كالسهم موضع نصلها كرة من قرن البهائم وثقب ثقبًا خارقًا إلى الكرة موازية لطول السّهم ، ثمّ ملأ باطن الثقب برصاص رقيق ، وبعدها رمى السّهم في الهواء من قوس شديدة ، وعند وقوعها شاهدها خالية من الرصاص مؤكّدًا أنّ الهواء قلعة من غير إذابة ، والدليل هي أنّه وجد رائحة حول الثقب كرائحة القرن الذي مسّته النار ، وهكذا أكّد الكندي أنّ الحركة هي المحدثة للحرارة .

    ومن الوسائل المعرفيّة التي عُرف بها الكندي ـــ أيضًا ـــ هي الطريقة الاستنباطيّة ، وتتجلّى طريقته الاستنباطيّة في اهتمامه بتحديد الماهيّات والعلل ومعرفتها ، وذلك لكي تتيسّر معرفة ما يعرض للماهيّات من أحوال  وما يصدر عن العلل من آثار ، فإذا أتقن الناظر معرفة جوهر النفس وقواها استطاع أن يعرف ماهيّة النوم والرؤيا ، هذا إلى أنّ طبيعة معرفة الشيء تعين على معرفة فعله والعكس . وكثيرًا ما ذكر أنّ لكلّ رأي فلسفي مقدّمات قد تكون من علم آخر ، ولا بدّ منها للبحث فيه ، وهو يسمّيها الأوائل . وقد رتب تحصيل العلوم بحسب أهميّتها لطالب الفلسفة مبتدئًا بكتب الرّياضيّات ، فقال : (( ينبغي لمن أراد علم الفلسفة أن يقدّم استعمال كتب الرّياضيّات على مراتبها التي حدّدنا ، والمنطقيّات على مراتبها التي حدّدناها أيضًا ، ثمّ الكتب على الأشياء الطبيعيّة على القول الذي حدّدنا ، ثمّ ما فوق الطّبيعيّات ، ثمّ كتب الأخلاق وسياسة النّفس بالأخلاق  المحمودة )).

رسالة خاصة

   ومن ابداعات الفيلسوف الكندي المهمّة وضعه رسالة خاصّة بالتعريفات سمّاها  (( رسالة في حدود الأشياء ورسومها )) ، تشتمل على نحو من مائة تعريف في علوم مختلفة كالمنطق والرياضيّات والطبيعة وما بعد الطبيعة والنفس والأخلاق ، وغيرها ، وإنّ هذه المجموعة من التعريفات ـــ كما يرى أحد الباحثين ـــ هي على الأرجح (( أول قاموس وصل إلينا للمصطلحات الفلسفيّة عند العرب  وتدلّ المقارنة بين ما فيها وبين ما في كتب التعريفات ، بعد عصر الكندي ، على جودة البداية في تحديد المفهومات ، وعلى الضبط الذي يتجلّى في الاختصار )) . وبالرغم من صفة الاختصار التي انمازت بها المصطلحات التي ضمّتها هذه الرسالة لكنه ربّما توسّع في بعض التعريفات إذا لزم الأمر ، كتوسّعه في تعريف الفلسفة ، فقد عرّفها من اشتقاق اسمها ، ومن جهة فعلها ، ومن جهة علتّها حتى أوصلها إلى خمسة تعريفات ، ثمّ ختمها بقوله : (( فأمّا ما يُحدُّ به عينُ الفلسفة فهو أنّ الفلسفة علم الأشياء الأبديّة الكليّة ، إنيّاتها وماهيتها وعللها بقدر طاقة الإنسان )).

   إنّ القراءة الدقيقة للإرث الفكري الذي خلّفه الكندي يوصلنا إلى نتيجة مهمّة وهي أنّه كان مجتهدًا في تعامله مع الفلسفة اليونانيّة وليس ناقلًا فقط  ففي الوقت الذي يتمسّك به بالفكرة اليونانيّة التي عدّت الأرض في مركز الكون ، كرويّة الشكل ثابتة في مكانها ، وأنّ الأفلاك ابتداءً من فلك القمر حتى الفلك الأقصى الذي ليس خارجه لا مكان ولا متمكّن ، تتحرّك حركة دائريّة حول نقطة ثابتة هي مركز العالم ، لكنه سجّل موقفًا جديدًا في الفكر الفلسفي عند العرب  وهو قوله بأنّ العالم مُحدث ، حدث ضربة واحدة حدوثًا مطلقًا ، وابتُدع ابتداعًا في غير زمان من علّة فاعلة قادرة ؛ والمقصود بالإبداع عمومًا هو إيجاد شيء غير مسبوق بمادة ولا زمان . وبهذا يكون الكندي قد تحدّى مقوّمات الفكر اليوناني التي نهضت على دعامتين أساسيّتين : أولاهما أنّ الشيء لا يكون عن عدم مطلق ، وأنّ الأشياء تُعدم بنظر إضافي فحسب ، لذا اعتبر عدمهم مبدأ عرضيًّا يضاف للمبدأين الرئيسين الهيولي والصورة . والدعامة الأخرى تعتمد قاعدة أنّ الواحد من حيث هو واحد لا يصدر عنه إلّا واحد .

   أخيرًا ، فمن الإنصاف أن أقول ، بأن فيلسوفنا الكندي ، إضافة إلى نبوغه وإبداعه ، كان داعية من دعاة التنوير والانفتاح على الآخر ، فقد دعا إلى شكر السابقين من الفلاسفة والمفكّرين من غير أهل لساننا وديننا (( إذ أشركونا في ثمار فكرهم وسهّلوا لنا المطالب الحقيّة الخفيّة بما أفادونا من المقدّمات المسهّلة لنا سبل الحقّ ، فإنّهم لو لم يكونوا لم يجتمع لنا ، مع شدّة البحث في مُدَدنا كلّها ، هذه الأوائل الحقيّة التي بها تخرّجنا إلى الأواخر من مطلوباتنا الخفيّة ، … ، وينبغي لنا أن لا نستحي من استحسان الحقّ واقتناء الحقّ من أين أتى ، وإن أتى من الأجناس القاصية عنّا ، والأمم المباينة لنا ، فإنّه لا شيء أولى بطالب الحقّ من الحقّ )).

مشاركة