يا بابَ الحانة أدركني – علي السوداني

562

مكاتيب عراقية

لا‭ ‬أعرف‭ ‬حتى‭ ‬اللحظةَ‭ ‬،‭ ‬السببَ‭ ‬الحصينَ‭ ‬الذي‭ ‬جعلني‭ ‬أُواصلُ‭ ‬مشاهدة‭ ‬هذا‭ ‬الفلم‭ ‬المملّ‭ .‬

كان‭ ‬الأداء‭ ‬بطيئاً‭ ‬رتيباً‭ ‬يتحرك‭ ‬مثل‭ ‬ناعورٍ‭ ‬نائم‭ ‬على‭ ‬جرف‭ ‬المساء‭ . ‬

بطل‭ ‬الفلم‭ ‬المطلق‭ ‬سمينٌ‭ ‬،‭ ‬ظلّ‭ ‬يكرع‭ ‬أقداح‭ ‬الويسكي‭ ‬ويلتهم‭ ‬سندويجات‭ ‬الهمبركر‭ ‬والنقانق‭ ‬المشوية‭ ‬المطلية‭ ‬بصاص‭ ‬القرية‭ ‬،‭ ‬منذ‭ ‬اللقطة‭ ‬الأولى‭ ‬للشريط‭ ‬حتى‭ ‬ثانيةَ‭ ‬عضَّ‭ ‬لسانه‭ ‬ومات‭ ‬فوق‭ ‬كرسيه‭ ‬النابت‭ ‬،‭ ‬قبل‭ ‬انطفاء‭ ‬القصة‭ ‬بربع‭ ‬دقيقة‭ .‬

صاحبُ‭ ‬الحانةِ‭ ‬يشبه‭ ‬صديقي‭ ‬معاذ‭ ‬الآلوسي‭ ‬،‭ ‬وهذا‭ ‬سببٌ‭ ‬عظيمٌ‭ ‬لمواصلة‭ ‬السهرة‭ . ‬ساقية‭ ‬الزبائن‭ ‬الرثّين‭ ‬،‭ ‬كان‭ ‬وجهها‭ ‬مسحولاً‭ ‬من‭ ‬امرأة‭ ‬عمانوئيل‭ ‬ماكرون‭ ‬،‭ ‬وجسدها‭ ‬الضخم‭ ‬من‭ ‬جسد‭ ‬سَحَر‭ ‬الطويلة‭ ‬الرائعة‭ ‬،‭ ‬التي‭ ‬بصمتُ‭ ‬عينيّ‭ ‬فوق‭ ‬مؤخرتها‭ ‬نصف‭ ‬مليون‭ ‬مرة‭ ‬،‭ ‬وهي‭ ‬تمنح‭ ‬ظهرها‭ ‬لعربتي‭ ‬المزروعة‭ ‬بباب‭ ‬سينما‭ ‬بابل‭ ‬ببغداد‭ ‬البديعة‭ ‬،‭ ‬قبل‭ ‬أربعين‭ ‬سنةً‭ ‬وسلّة‭ ‬أعياد‭ .‬

ليلةَ‭ ‬مات‭ ‬بطل‭ ‬الفلم‭ ‬،‭ ‬لم‭ ‬أخسر‭ ‬فوق‭ ‬موتهِ‭ ‬مثقال‭ ‬دمعة‭ ‬،‭ ‬ليس‭ ‬لأنه‭ ‬سمين‭ ‬يقوم‭ ‬رأسُه‭ ‬على‭ ‬بقايا‭ ‬رقبةٍ‭ ‬ملوية‭ ‬مثل‭ ‬عجلة‭ ‬ماطور‭ ‬خالي‭ ‬هاشم‭ ‬العظيم‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬يصنع‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬الشريط‭ ‬،‭ ‬حركةً‭ ‬منفّرةً‭ ‬بمقدوري‭ ‬الآن‭ ‬إضافتها‭ ‬إلى‭ ‬دفتر‭ ‬المناظر‭ ‬التي‭ ‬قصّرت‭ ‬عمري‭ ‬وشيّبت‭ ‬قلبي‭ ‬،‭ ‬وجعلتْ‭ ‬كبدي‭ ‬يمارس‭ ‬وظيفته‭ ‬،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنه‭ ‬زائدة‭ ‬دودية‭ ‬حزينة‭ .‬

الحقُّ‭ ‬هو‭ ‬أنّ‭ ‬فلم‭ ‬السهارى‭ ‬هذا‭ ‬،‭ ‬كان‭ ‬مزدحماً‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬مشاهد‭ ‬الإرهاب‭ ‬والقتل‭ ‬البطيء‭ ‬،‭ ‬منها‭ ‬صوت‭ ‬تكتكة‭ ‬ساعة‭ ‬الحائط‭ ‬،‭ ‬وناقوط‭ ‬الحنفية‭ ‬اللعينة‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يضرب‭ ‬مجلى‭ ‬الصحون‭ ‬،‭ ‬فيستقبله‭ ‬رأسي‭ ‬الحار‭ ‬،‭ ‬كأنه‭ ‬أغنيةٌ‭ ‬حقيرةٌ‭ ‬تأكلُ‭ ‬مفتتح‭ ‬الصباح‭ .‬

تابعتُ‭ ‬الملهاة‭ ‬بمشاعرَ‭ ‬ملتبسة‭ ‬لجنديٍّ‭ ‬باسلٍ‭ ‬،‭ ‬في‭ ‬شاجور‭ ‬بندقيته‭ ‬طلقةٌ‭ ‬واحدةٌ‭ ‬،‭ ‬وعلى‭ ‬سور‭ ‬أكياس‭ ‬الرمل‭ ‬المثقّبة‭ ‬،‭ ‬عشيرةٌ‭ ‬من‭ ‬غزاةٍ‭ ‬أوغاد‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬انزرعتُ‭ ‬لصقَ‭ ‬مائدةٍ‭ ‬مرميةٍ‭ ‬قرب‭ ‬مرحاض‭ ‬الحانة‭ ‬التالفة‭ ‬،‭ ‬تتثاءب‭ ‬على‭ ‬خوائها‭ ‬امرأةٌ‭ ‬ثقيلةٌ‭ ‬،‭ ‬رسمَتْ‭ ‬الأيامُ‭ ‬المسخّمات‭ ‬فوق‭ ‬لحمها‭ ‬الطريِّ‭ ‬،‭ ‬خريطةَ‭ ‬بهاقٍ‭ ‬كبرى‭ ‬،‭ ‬فبدتْ‭ ‬كما‭ ‬فطيسة‭ ‬طامسةٍ‭ ‬ببالوعة‭ ‬خراء‭ .‬

كرهتُ‭ ‬الشرطيَّ‭ ‬الأملطَ‭ ‬الذي‭ ‬دهمَ‭ ‬المكانَ‭ ‬صحبةَ‭ ‬كلبٍ‭ ‬جبانٍ‭ ‬،‭ ‬لسانُهُ‭ ‬أطول‭ ‬من‭ ‬دبان‭ ‬قندرة‭ ‬باتا‭ ‬الرائعة‭ ‬،‭ ‬وذيلُهُ‭ ‬بقايا‭ ‬عصعوصٍ‭ ‬يَشي‭ ‬بملحمةٍ‭ ‬خاسرة‭ .‬

غداً‭ ‬سأُتممُ‭ ‬الحكايةَ‭ . ‬لقد‭ ‬أنهكَني‭ ‬عياطُ‭ ‬الديكِ‭ ‬الغبيّ‭ . ‬

مشاركة