وَدْقُ المعاني من سحب الحروف – محمد غاني

538

وَدْقُ المعاني من سحب الحروف – محمد غاني

وكان عرشه على ماء المعاني المكتوبة بقلم قدرته، و بمداد حضرته،  الذي لا يمكن ان تتسع له بحار الارض، و لو نفدت كلها، ما نفدت كلماته، و لا حروفها المكونة لها، حروف هي بمثابة سحب تتنزل منها أفهام تجلياته على أولي الالباب الذين يتفكرون بقلوب أوانِي اجسادهم لترشف من معين السحب الذي ترى الودق يخرج من خلاله. أليس تتراكم الحروف في الكتب ككلمات بفضل تزجية المؤلف لها حسب السياقات فترى سحب حروفها تخرج ودقا يسقي أواني عقول القراء سَقيا؟ أليس يختلف مقدار ودق المعاني من مطر الى بَرَدٍ يصيب بها مؤلفها من شاء من القراء فتستفيد أرضه العقلية بقدر عطشها و يصرف معانيها عمن يشاء برفع مستوى الاشارات التي لا يفقهها الا أصحابها؟ أليس عرش ملكه يسع السماوات و الارض فلا يخرج من سلطانه شيء؟ أليس يشكل الماء مكونا أساسيا من سائر مخلوقاته؟ أليس قد تتداعى المعاني تداعيا شديدا كما يخرج الودق هينا أو شديدا حسب مشيئته و مراده؟ ألم تُفتَق ظلمة الأكوان بنوره فكذلك تفتق ظلمة الجهل بنور العلم؟ و من لم يجعل له نورا فما له من نور؟ أليس تراكم الجهالة على القلب كتراكم أمواج بحر في ظلمات جهل بعضها فوق بعض، حتى اذا اخرج يده لم يكد يراها، فكلام الضال و مدخله ظلمة و مخرجه ظلمة لا يخرجه منها الا نور رحمته المهداة، فنور الرحمة ظاهر ومن لم يجعل الله له نورا، بطمس بصيرته عن رؤية تجلياته ، فما له من نور. أليس الذي ينفع الناس يمكث في الارض و الذي لا ينفع يذهب جفاء؟ أليس عمل أهل الضلال كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى اذا جاءه لم يجده شيئا؟ أليس يرتشف اولوا الألباب من تدبرهم و تفكرهم في سحب حروف معانيه ودقا يخرج من خلاله، فيضيء سنا برقه أرض سيناء القلوب بقدر العطش القلبي  حتى لا يذهب بالبصائر كما يكاد سنا برقه يخطف الأبصار؟ أليس يشرب اهل الاستغفار من معين ذكر الله الذي يتخلله الاستغفار، كما يَرِدُون ماء التوحيد من خلال واحة الذكر الذي يتخلل الصلاة، فيشربون كؤوس المعاني من ذواتهم هم أنفسهم، بل و يغسلون ثيابهم و ذواتهم هم أنفسهم، قبل الدخول في صلواتهم و أذكارهم، فيكونون كزهرة اللوتس التي اكتشف العلماء مؤخرا أنها تغسل ذاتها بنفسها فكذلك الانسان هو تلك النبتة الآدمية المتوضئة التي تغسل ظاهرها بنفسها عبر الماء الطبيعي كما تغسل باطنها بماء الغيب المتمثل في الاستغفار و الذكر، فتتجلى في مرآة قلبه معاني التوحيد جلية كما قال الشاعر:

مني علي دارت كؤوسي ***    من بعد موتي تراني حيا

في اشارة بليغة الى حياة القلوب لا تتأتى الا بقوتها الغيبي و سقيا مطر التوحيد الذي تزهر به أفئدة المؤمنين فتفلح نبتتهم في جنان الدنيا لترجع لأصلها الحدائقي فتجاور ورود الصحابة الكرام غذا في الحياة الأخرى، كما ترافق زهور الانبياء في فردوس النعيم.

تراني غائب عن كل أين   ***   كأس المعاني حلو المذاقا

ولا يحصل ما سبق عند المختصين الا بالتخلى عن النعلين عند الحضور في الواد المقدس طوى في اشارة الى التخلي عن التعلقات القلبية سواء بما هو دنيوي ام اخروي لان القلب منشغل بعبادة محبوبه و هو المعنى الحقيقي للعبادة، فهي عند اهل التحقيق اعلى درجات المحبة فاذا تحققت منها سارعت الى الامتثال لاوامر المحبوب كتابع لتحققها و ليس العكس كما يفهم اغلب المسلمين “قل ان كنتم تحبون الله فاتبعون يحببكم الله”، آنذاك فقط يكمل الايمان بوجدان حلاوة الحياة المعنوية التي هي المقصود الاعظم من الوجود، “وما خلقت الجن و الانس الا ليعبدون” قال ابن عباس الا ليعرفون و أقول متواضعا “الا ليحبون” لدرجة “الامتثال بدون منازعة قلبية لكل الاوامر بوضعها في سياقاتها مع فهم المقاصد منها”.

مشاركة