ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعوني إلى النار – علي الشكري

460

ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعوني إلى النار – علي الشكري

يقيناً جاهل بالشأن المرجعي من يعتقد أن صيت المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف ذاع بعد احتلال العراق سنة 2003، وجاهل أكبر من راح يعتقد حداثة دورها بالشأن السياسي ، ومعتوه من ركب السفينة فخرقها ، نعم ركب ساسة العراق سفينة المرجعية التي انجتهم من بطش المستبد ، بعد أن وقفت ودافعت وتصدت وزُج بكبارها في غياهب السجون ، فقتل من قتل واغتيل من أغتيل ونجا من شاءت الإرادة الإلهية إن يحيى ليرشد الأمة ويدلها الطريق القومي . واللافت في ساسة العراق والشيعة منهم تحديداً وهم الأكثر معرفة بهذا الحصن الحصين ، أن المرجعية تُقدم ولا يُقدم لها ، تدعم ولا تبغي الدعم ، تُرشِد ولا تُرشَد ، تاريخها حافل ولا تحتاج من يدخلها التاريخ ، حيرت المستبدين وارعبت الجبارين ، نصّبت واطاحت ، قوّت وأضعّفت ، وهي قوية صامدت محصّنة ممتدة قائمة وغيرها زائل . تقطن النجف القديمة ، الزهد عادتها والحكمه ضالتها ، والأبوية من ابرز صفاتها ، هذه هي المرجعية قبل وبعد الإطاحة والتغيير والاحتلال والتحرير . والمتتبع المدعي لشأن المرجعية من مراهقي السياسة وروادها الجدد ، سيجد أنها ومنذ الأيام الأولى لرحيل الديكتاتور وتولي من قضى جل حياته متنقلاً بين الأصقاع يتهدده المستبد واجهزته لقمعية ، أنها دعت إلى رعاية الله في الشعب المظلوم ، وتعويض ما فاته من رخاء واستقرار وحياة حرة كريمة ، وحثت من تربع على عرش السلطة الى وئد الفساد في مهده ، وكان في مراحله الأولى بعد أن أسس له المحتل ، وشجعه ، وفتح ألباب على مصراعيه للعبث بالمال العام ، وهو يعلم أن في انتشار الفساد وتفشيه مقتل الأمة وذهاب رياح شعب . وهل من صّم الآذان ينكر دعوات المرجعية المتكررة لمقاتلة الإرهاب الذي راح يحصد ارواح الأبرياء كما تحصد النيران المستعرة الحطب في يوم عاصف ، والحصيلة وقوع العراق اسير من حذرت المرجعية من خطره وهو في أيامه الأولى ، وهل من منكر لدعوات المرجعية لتعويض الشعب عما فاته من حرية ولقمة عيش بعزة وكرامة ؟ والحاكم القابض على السلطة ، اسكرته لذة السلطة وغيبه زهوها ، وراحت الحاشية المظللة تغرقه باكاذيبها وتصور له خلاف الواقع ، حتى اضطرت المرجعية الى تذكيره بمصير من ظلم وافسد وعبث ونسي وتنكر وغفل ، وهو يصد عنها فعلاً ويدعي الامتثال قولاً وتأييداً  ، بل يسارع ويتسابق الى التأكيد والامتثال لما دعت له ، حتى قالت قولتها الشهيرة لقد بحت أصواتنا ، ولات حين مناص ، بل راح من عبث بالعراق ومقدراته يقتبس من بلاغتها ليردد ما قالته في محاولة للنيل منها . وفي وقت مبكر وحينما بدأ الكيل الشعبي يطفح والعقل الباطن يتحرك والهمس يتحول الى صوت مسموع ، رافضاً ممارسات من ادعى الظلامة بل من ظُلم على يد المستبد الراحل ، عادت المرجعية لتؤكد أن الشعب ما خرج على المستبد ، وما زال حكم الراحل الا لظلمه وفساده وقمعه واستبداده وتنكره للشعب ، وكان الرد ” لقد اسمعت من ناديت حياً      ولكن لا حياة لمن تنادي ” ولم يقف الصوت الهادر عن إسداء النصيحة وهي ترى وتعايش حجم المعاناة وشغف العيش ، الفقر يتفشى والباطلة تتزايد ، والمرض يقطف الأرواح والرعاية الصحية في تراجع بل في تدهور متصاعد ، وسراق المال العام ينعمون بثروات الشعب الذي قضى حياته يتطلع الى اليوم الذي يرى فيه الحرية ويعيش الحياة الكريمة ، وفي هذه المرة تغير خطاب  النصح الى تحذير عسى من صم الاذان أن يسمع صدى الصوت ، فقالت إن الشعب المتظاهر اليوم قد يعود ادراجه مانحاً الفرصة للحاكم ومن افسد ، لكنه في المرات القادمة سيخرج منتفضاً لا متظاهراً معتصماً لا محتجاً ولن يعود حيث خرج إلا بعد تحقيق مطالبه في الاصلاح والحياة الكريمة . والمرجعية في كل خطبها ومواقفها تصطف الى جانب الشعب لا كما يدعي المغرضون المتقولون الذين سعوا جاهدين الى النيل منها في محاولة لاستمرار فسادهم وعبثهم وظلمهم ، فمن تقّول على المرجعية وحاول النيل منها هو من اعتلى السلطة بصوتها واحتمى بمهابتها وتستر بنصائحها ، فأنكشف الستار عنه وافتضح أمره وثبت زيف ادعائه الوصل والدعم والتأييد . واليوم تطلق المرجعية خطبتها المزلزلة المتممة لما بدأت لتسمع من صمت آذانه ظلماً وطغياناً واستبداداً واعتقاداً بأنه في منأى عن النيل وفي معزل عن المساءلة وفي مأمن من العقاب ، شارعة خطبتها الأخيرة في تاريخ صدورها لا في خاتمة ما قالت ، لأنها ستقول وتردد وتنصح وتحذر وتشخص وتدعم الشعب ، حتى يُصحح المسار ويستقيم المعوج من أمر الحاكم ، ويستعيد الشعب حقوقه المغصوبة المستباح ممن غصب واستباح ، بالدعوة الى التعاون والتكاتف بعد أن وجدت تشرذم الساسة وارتمائهم في  احضان هذه الدولة وتلك وعلى أساس الطائفة والقومية والمناطقية ، وفي انقسامهم ضعف ووهن وفاتورة يدفع حسابها الشعب الذي فرقه الماضي وعمق أزمته القائم ، ولا خاسر في هذه المعادلة الا من وقف ينتظر الزوال عسى أن يتنفس هواء الحرية . مذكرة أن الاعتداءات المتقابلة التي كان ميدانها العراق ، تدل على ضعف السلطة وذهاب ريحها واستلاب ارادتها وإن أتكأت على هذا واستقوت بذاك ، فالأجنبي ما قدم لنصرة الشعب ورد ظلامته وتنمية موارده ودفع النيران عنه ، لكنه قدم لدرء النار عن بلده ودفع الشر عن شعبه وتصفية فاتورة خلافته وتنمية اقتصاده ، وليس من ضحية لهذا الارتماء والنكوص والانبطاح الا الشعب الذي عانى فيما مضى وازداد معاناة في الزمن الذي ظل يتطلع اليه جل حياته فكان ختامها خذلان وارتداد واستبداد . لقد رسمت المرجعية الدينية العليا مسارات الخلاص من الأزمة الخانقة التي خلفتها الأخطاء المتراكمة والسياسات المنحرفة والتي كانت حصيلتها استباحة سيادة البلد وأمنه وتحويله الى ساحة لتصفية الحسابات القديمة المتجددة ، فضلا عن معاناة الشعب الآخذة بالتفاقم ، مذكرة أن للفرصة بقية وفسحة لكنها ضيقة قصيرة وإلا ستكون الخواتيم وخيمة والنهاية غير محمودة ، ويقيناً أن مطلبية الشعب مشروعة فيما مضى واليوم ، فسيادة العراق على ارضه بعيداًعن تدخل الغرباء مطلب مشروع ، ولا خروج عن المألوف في أن يحكم الشعب نفسه بنفسه ، ويقيناً أن الحياة الحرة الكريمة راحت حقوق مفروغ منها ، لا خلاف فيها نالتها شعوب وبلاد لا تملك ما للعراق من عمق وتاريخ وارث وثروة ودين وعقل وغيرة وشرف وثقافة وعلم ……….  لقد اطلقها مدوية الجواهرجي في مطلع العقد الخامس من القرن المنصرم ، مؤكداً لا مستشرفاً دور المرجعية الدينية العليا ” باقٍ وإعمار الطغاة قصار ………. من سفر مجدك عاطر مّوار ”  فالمرجعية خالدة باقية ممتدة حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا ، وغيرها الى زوال ، فهي الصوت الناطق بمعاناة المظلوم ، وهي الذائد الحامي ، وهي الناصر الذي  لا يأخذه في الله لومة لائم ، مضت ممتدة وقد ناصبها كل مستبدي الأرض العداء ، لم ينال منها المغرض الذي راح يدعي ويحيك ويكذب ويتآمر ويلفق وينسب لها ما لا تقول ويدعي ما لم تفعل . على القابض اليوم على السلطة في العراق أن يقف متأملاً فيما كان عليه قبل اعتلاء السلطة يوم كان معارضاً تتهدده اجهزة الحاكم المستبد ، وهو يتنقل بين البلدان ، حاملاً في احدى يديه القضية التي من اجلها هُجّر وتغرب وطُرد وطُورد ، وفي اليد الأخرى يحمل كفنه حيث لا يعلم بأي ارض سيوارى جثمانه الثرا ، وبين ما آل اليه حاله وهو في سدة السلطة ، وبين موقعية المرجعية الدينية العليا وما آلت اليه أوضاعها ، فقدسيتها ومهابتها وتأثيرها وسطوتها المعنوية آخذة بالتزايد والنمو ، فمن كان مع الله كان الله معه ، لكن مكانها الروحي والمادي النجف القديم ، والزقاق الضيق والبيت المستأجر المتهالك ، فالزهد سر استمرارها وامتداد نسلها واتصال تاريخها ، فحق للعراق حيث وجودها وللشيعة ومعتقديها فخر الانتماء والانتساب والاعتقاد ، فهي الحقيقة وغيرها سراب ، وهي البقاء وغيرها الفناء ، وهي الصواب وغيرها الشطط ، وهي الحق وغيرها الضلال .

مشاركة