وهم اللغة – سعد عودة

saad aoda jpg

وهم اللغة – سعد عودة

ان المهمة الاساسية لأي لغة هو التواصل والتعبير والتداول, التواصل بين الناس ضمن اطار الحياة اليومية والتعبير عما يجيش بصدورهم من مشاعر واحاسيس وتداول المعرفة, كما ان اهمية أي لغة لا يكمن في ذاتها وانما بقيمة المنجز العلمي والمعرفي للمتحدثين بهذه اللغة, لذلك كانت اللغة العربية في العصر العباسي مثلا هي الاهم لأنها لغة الحضارة والعلم بينما اللغة الانكليزية الان هي الاهم لأنها ايضا لغة الحضارة والعلم, أن مشكلة اللغة العربية هي انها ارتبطت بعاملي الدين والقومية, فاللغة هي معجزة الدين وايضا هي العامل المشترك بين الشعوب العربية, وبذلك اضيفت للغة العربية مهام اخرى غير مهامها الاصلية وهذا ما دعا المشتغلين بها الى التوسع والتشظي والذهاب بها الى ابعد الاماكن بدوافع دينية او قومية, والحقيقة ان اللغة العربية بشكلها الديني القومي قد فقدت عامل التواصل عندما وجدت الشعوب العربية لهجات تمثل خصوصيتها وتاريخها الاعمق كما انها فقدت عامل التداول بعد الثورة العلمية في الغرب واصبح من المضحك دراسة العلوم باللغة العربية رغم محاولات القوميين انتاج لغة عربية علمية ولكنها ما تلبث ان تنهار هذه المحاولات ويتبين عدم جدواها, بقى عامل التعبير هو وحده مرتبط باللغة العربية وطبعا الشعر هو الممثل الاول لهذا العامل لذلك تمسك القوميون بالشعر على اعتبار انه سلاحهم الاوحد الذي تبقى لهم بمواجهة المد الفكري العالمي الذي فرض نفسه داخل الوجود العربي ربما مقولة أبن عباس ان (الشعر ديوان العرب) يعد الالتفاتة الاولى الى هذا الدور القومي الذي يمكن ان يلعبه الشعر بالقرب من الدور الديني التي تلعبه اللغة وهذا يمثل في الحالتين ابتعادا عن المهمة الاساسية للغة , هذا ايضا يفسر رفض القوميين والدينيين لكل اشكال الحداثة الشعرية في العصر الحديث التي جاءت اصلا كتمرد على ارتباط اللغة بعوامل غير اساسية مثل القومية والدين ومحاولة لأعادتها الى مهامها الاولى في التواصل والتعبير والتداول, هكذا يجب ان نفهم هذا الصراع بين الاشكال الشعرية منذ ان اعلن السياب العظيم عن كسر هيبة اللغة التي ارادها القوميون والدينيون عندما هشم التراكيب العروضية للشعر العربي اما اعلان جماعة شعر انطلاق قصيدة النثر عام 1960 فكان في اساسه اعلان عن خلع اللغة لتأثيرات الدين والقومية والانطلاق بها نحو عالم اوسع ..

الحقيقة ان اللغة العربية لغة عظيمة تم احتجازها داخل زنزانات الدين والقومية ورغم أطلاق سراحها لكن المحاولات جارية على قدم وساق لأعادتها الى هذه الزنزانات من خلال انتاج وعي يربط الخراب بضياع اللغة وكأن التصاقنا بالأشكال الإبداعية القديمة يُعيد الينا ذلك الماضي الباهر .

اللغة للتواصل والتعبير والتداول واضافة مهام اخرى لها سيجعلها كالطفلة الجميلة التي تم تشويه سحنتها البريئة بالوان المكياج.