وميض جمال عمر نظمي رائد الفكر السياسي المعتدل في العراق – 6-6

520

وميض جمال عمر نظمي رائد الفكر السياسي المعتدل في العراق    –     6-6

نسر هوى دافع عن فكرة واحدة بأساليب غير مسبوقة

عادل تقي عبد البلداوي

بغداد

المقدمة

قبل اكثر من ربع قرن تقريبا، وتحديداً في شهر تشرين الثاني عام 1990، تعرفت إلى الاستاذ الدكتور وميض جمال عمر نظمي في منزل استاذي المرحوم الدكتور عبد الله سلوم السامرائي، اذ كنت في زيارة له، وقد حضر وميض بدون علم مسبق، وبدأ يتحدث بألم كبير وحزن عميق عن دخول العراق الكويت في آب عام 1990، وقد كان يسأل بمرارة، ما الحل ؟ ثم استدرك، وسأل استاذي السامرائي عني، فطمأنه استاذي ان يأخذ حريته في الحديث دون أي حرج وتردد!.

ثمة حقيقة تاريخية، ان تنوع الأفكار لاسرة وميض لم يفسد للود قضية، ليست بسبب الاحترام الذي كان بمثابة الرباط المقدس الذي يجمع افراد الاسرة حسب، بل ان دراسة ” القانون” كان القاسم المشترك الذي يجمعهم، فالجد ” عمر نظمي”، وابناه “جمال وكمال” كانوا يعدون من النخب القانونية في البلاد، وهذا مما جعلنا نتوقف على حقيقة مهمة، هي ان الاسرة كانت حريصة على حل مشاكل البلاد بالطرق القانونية من دون اللجوء الى العنف والتطرف ابدا، ولكن في حالة تعذر الوسائل الديمقراطية في حل المشاكل، عندئذ يعد اللجوء الى الثورة حقاً قانونياً مشروعاً طبقا لما أكده الفلاسفة من رواد الفكر والقانون، عندما قالوا بالحرف الواحد :

“اذا اصبح الملك طاغية، يفقد حقه في السلطة، وصار من الواجب مقاومته مقاومة جماعية من الشعب”() .

وفي الواقع، ان الافكار المتنوعة، ودراسة القانون، لم يجعلا الاعتدال الفكري سمة اساسية من سمات شخصية وميض فحسب، بل جعله ان يمتاز بميزة خاصة، وهي “ثقافة الحوار”، و”ثقافة التخصص”، فالرجل كان يميل الى الحوار دائماً ولم يستطع احد ان يستفزه ابدا، لانه كان متسلحا بثقافة التخصص، وهي العلم والمعرفة. بتعبير أدق، ان الفكر في منظور وميض ليس استعراض عضلات او لقلقلة لسان، بل حوار بين افكار وثقافات وعقول؛ ومن أجل يكون هذا الحوار مثمراً وهادفاً ومنفتحاً، فلابد من ان تكون قاعدته قائمة على اساس المعرفة العلمية والمنطق العقلي.

من هذا المنطلق، كان وميض يكره الانغلاق والتعصب والتطرف والعصبية، لان ذلك كله في نظره ليس سوى امراض تفتك بالعقل وتقتل الافكار في مهدها!، واذا ما نبتت هذه الافكار المريضة افتراضاً فأنها تكون في خدمة الضلالة وليس في خدمة الحقيقة، وهذا امر يتقاطع مع المنطق الالهي، فأن أية فكرة لا تكون في خدمة الحقيقة لا يمكن ان ترى النور، واذ ما ظهرت لاي سبب من الاسباب فانها تموت سريعاً لامحالة!، لان الله جلت قدرته يريد الخير والسعادة للبشرية حتماً.

على أية حال، أدرك وميض منذ وقت مبكر ان ” ثقافة الحوار”، و”ثقافة التخصص” التي انتهجها سلوكاً وتصرفاً، قولاً وفعلاً، في مجالسه الخاصة والعامة، لا يمكن أن تنمو الا بالتحرر من قيود السلطة، لذا فان الرجل لم يغازل السلطة الحاكمة ابداً، ولم يتمحور حول احزابها البتة، لأنه كان على علم مسبق ان من يدخل دهاليز السلطة عليه ” النهي والامر”، و”السمع والطاعة”، ووميض لم يكن من هذه الطينة أبدا، فعلى الرغم من انه ترعرع في ظل اسرة كان جده وابوه قد تبوأ مناصب رفيعة في الدولة العراقية، لم يجعله ذلك ان يصاب بالغرور الاجتماعي،  ويعود الفضل في ذلك، الى جده وابيه اللذين لم يستغلا مناصبهما للاثراء على حساب قوت الشعب،  فهما لم يملكا الا داراً واحدة كانت ضمن “العرصات”، ولم يستملكوها الا في العام 1982، الامر الذي يجعلنا نؤكد، ان جده وأباه لم يصنفا ضمن ” الطبقة الحاكمة” التي كان اغلب اقطابها في العهد الملكي يملكون ” اقتصاديا”، و يحكمون “سياسياً”. وعلى وفق هذا الحال، فان وميضا ينتمي الى الطبقة الوسطى في المجتمع التي كانت ترنو الى تغيير المجتمع نحو الافضل. وأن انتماءه لهذه الطبقة تحديداً، جعله لا يتمحور حول ذاته، بل كان يسعى جاهداً للانفتاح على  الآخر، فالرجل كان من الرجال القلائل الذين انصفوا دور الشيعة والاكراد في بناء كيان العراق السياسي والدفاع عنه بارواحهم ودمائهم، الامر الذي يؤكد ومن دون شك، ان وميضا لم يكن باطنياً، ولا طائفياً في حياته، بل كان يميل الى الالتقاء وليس الى التقاطع. فضلا عن ذلك، لم تدفعه عواطفه الى العمى، فعلى سبيل المثال، ان حبه الصادق لـ(جمال عبد الناصر)، لم يمنعه ابداً من  انتقاده في اكثر من جانب، ولاسيما فيما يتعلق بقصوره الواضح في الشروع  بالديمقراطية السياسية.

ومهما يكن من امر، فأن وميضاً لم يكن معارضاً من اجل المعارضة، كما يعتقد ذو النظرة الضيقة، بل كان الرجل يرى ان المعارضة لايمكن ان تصبح ميداناً رحباً للافكار الحرة، وللنضال الوطني المشروع الا اذا ارتبطت بأرض الوطن لحماًوعظماً، اما اذا ارتبطت بالاجنبي، فانها تفقد مشروعيتها الوطنية كون ارادتها لم تعد ملكها، بل ملك هذا الاجنبي او ذاك، لذا كان وميض يدرك ان اصلاح النظام افضل من اسقاطه، واذا ما تعذر الاصلاح فيمكن اسقاطه بسلاح القوى الوطنية وليس بسلاح الاحتلال الاجنبي.

إصلاح نظام

من هذا المنطلق، بذل وميض ما بوسعه من أجل اصلاح النظام وذلك بمطالبة اقطابه بضرورة الانتقال من “الشرعية الثورية” الى ” الشرعية الدستورية ” لانه اراد من خلال ذلك اضفاء ” الشرعية التاريخية”، و “شرعية الانجاز″. بمعنى آخر، ان أي انقلاب عسكري، من ضمنه انقلاب 17 تموز عام 1968، لا يمكن ان يكتسب الشرعية التاريخية وشرعية الانجاز الا من خلال التداول السلمي للسلطة، وهذا لا يتم الا من خلال الانتقال من ” الشرعية الثورية ” الى ” الشرعية الدستورية”، ولكن النظام السابق لم يستجب لنداء وميض، الامر الذي ادى الى هذا الواقع الكارثي الذي نعيشه اليوم جمعياً، ولاسيما ان الاحتلال الاميركي للعراق عام 2003، فقد هو الآخر ” الشرعية التاريخية”، و” شرعية الانجاز″ فهو لم يسمح بالتداول السلمي للسلطة الا للقوى التي ايدته وجاءت معه لتحتل العراق!. وقد ظل وميض في ” غصة” من هذا الموضوع تحديداً الى آخر يوم من حياته. فالرجل ظل يبحث عن العراق في العراق نفسه، يبحث عن عراق جميل يعيش فيه الجميع من دون استثناء بحرية وكرامة وإباء، ولكن لم يتحقق حلمه، وظل السؤال الذي يراوده دوماً الى اين نسير؟ فكل ما يجري  في العراق سائر في “اللامعقول”، ولم يجد وميض تفسيراً منطقيا لذلك الا تفسيرا واحداً وهو ان الاحتلال أيا كان نوعه وشكله، يفرّق ولا يوحد، يهدم ولايبني، ومع ذلك فهو لم يهتز وييأس ابدا ً، وقد ظل الرجل زكي السيرة، نقي السريرة، قوي الارادة، ماضي العزيمة، ولاعجب في ذلك ابداً، فالرجل عرفناه   نحن  طلبته ومحبيه، مفكر وطني موهوب، ومنظر سياسي ثاقب النظر، وخطيب سياسي لامع، واستاذ اكاديمي مرموق، ونقول له ان السؤال الذي ظل يؤرقك “الى اين نسير؟”، فسوف تأتيك الاجابة عليه عاجلاً ام آجلاً عبر الاجيال المقبلة، فسؤالك هو الذي حفزنا للبحث عن العراق في العراق نفسه، عراقاً مطرزاً بكلمات اهديتها انت ايها الوطني الصادق والمفكر الانساني الرائع،  في كتابك عن ” ثورة العشرين”، وهي كلمات تعد امانة في عنق كل مواطن عراقي شريف ان يبحث عنها في العراق، وعندما يجدها ويعثر عليها، فمن الواجب عليه ان يكتبها ويطرز بها قبرك الطاهر:

” الى الذين حاربوا الغزاة والاستعمار والوصاية الاجنبية باي قناع تسربلت.

من أجل استقلال العراق وكرامته وتحرره وسيادته وعروبته وديمقراطيته ووحدته الوطنية الراسخة والطوعية” .

وفاته:

في فجر يوم الثلاثاء الموافق 11 تشرين الاول 2016، غادر وميض جمال عمر نظمي الحياة الدنيا الى عالم الآخرة، بعد صراع، ليس بقصير مع مرض، كان بسبب، ما كان يعانيه من الام نفسية حادة سببها له الاحتلال الاميركي منذ احتلاله للعراق عام 2003 . وقد تلقى محبوه من وطنيين صادقين وقوميين واسلاميين متنورين ومفكرين  تقدميين خبر وفاته بألم كبير وحزن وعميق، لكون المرحلة الخطيرة التي يمر بها العراق بأمس الحاجة الى وجوده حافزاً للشعب للنهوض بمسؤولياته الوطنية بارادة وصمود، ولكن لا رادّ لمشيئة الله سبحانه وتعالى فهو الذي يحيي ويميت وهو حي لايموت .

من هذا المنطلق، فقد رثاه اكثر من محب، اذ كتب معن بشور المفكر اللبناني المعروف، الذي سبق وان تولى رئاسة المؤتمر القومي في بيروت، مقالاًعنوانه ” وميض عمر نظمي : ان تكون معارضا” جاء فيه:

” رفض وميض ان يغادر بيته في الاعظمية() ببغداد برغم عروض عمل كثيرة له في الخارج كأكاديمي    بارز وشخصية مرموقة وقال: ان البقاء في بغداد والثبات على المبادئ هو ايضا مقاومة ترفد المقاومين الابطال في كل ميادين القتال في تقديم دعم… بوداعه الاخير نقول لابي جمال لن تنطفئ ومضاتك ياوميض برغم كل مايحيط بالعراق من فتن ودمار وتعصب وغلو جماعات ارهابية وميلشيات طائفية وتدخلات اجنبية، فأنت راهنت دوماً على وحدة العراق وعروبته وحرية ابنائه والمشاركة بين مكوناته السياسية والاجتماعية ولن يخيب رهانك مهما قست الايام على العراق والعراقيين”().

وكتب مؤلف هذا الكتاب رثاءً عنوانه ” وميض جمال عمر نظمي… شمعة مضيئة من شموع العراق وداعاً ” جاء فيه :

” نم قرير العين ايها الاستاذ والمربي والمفكر والانسان، فقد كنت وطنياً صادقاً، لذا أحبَّك الجميع بدون استثناء، لانك لم تكن متطرفاً ولا طائفياً ولا خائناً لقضيتك الوطنية، فقد بقيت متمسكاً بثوابتك الوطنية والقومية، لذا ستظل افكارك نبراساً لكل الوطنيين الصادقين يناضلون من اجلها حتى يظل عراقنا موحداً باذنه تعالى . نم قرير العين ايها الوطني الصادق والانسان النبيل والمفكر الكبير فسوف تلقى ربك بنفس مطمئنة راضية وسنظل نحن تلاميذك ندعو لك الله ان يسكنك فسيح جناته انه سميع مجيب الدعاء”().

كما نعاه المؤتمر التأسيسي الوطني العراقي في كلمة جاء فيها:

” رحل هذا اليوم عن عالمنا وعن سوح المقاومة والنضال الاستاذ الدكتور وميض جمال عمر نظمي، الذي يعد من كبار الاكاديميين .. ومن كبار الشخصيات الوطنية التي عانت الاستبداد ووقفت الى جانب شعبها في ايام المحن والحصار.., ان شعبنا في العراق اذ يفتقد هذا المفكر والمناضل الكبير فأنه يكتشف في هذه اللحظات صورة المواقف المشرفة التي وقفها مع اخوانه لكي تشكل اساساً لمرحلة الاستقلال الكامل والنهوض الجديد لارض العراق وشعبه الكريم”() .

اما مدرسة الامام الخالصي الكبير فقد نعته بهذه الكلمات:

“كان الفقيد رمزاً من رموز العراق الوطنية، ويتميز بالثبات على مواقفه المشرفة في رفض الخضوع للاستبداد والدكتاتورية والوقوف مع شعبه في محنه ومآسيه”().

لم تكتف مدرسة الخالصي بالنعي فقط، فقد أقامت حفلاً تأبينياً بتاريخ الحادي والعشرين من تشرين الاول 2016، واصدار منشور بهذه المناسبة وصفت الفقيد وميض جمال عمر نظمي ” بالمفكر الكبير”، و”المناضل الثابت” و” مؤرخ حقبة المقاومة في الجهاد عن العراق” الذي كان يحذر ” تلاميذه ومحبيه” من “الاقتراب من شيئين خطيرين: الاحتلال والطائفية”، وان هدف هذا الحفل التأبيني هو ” لكي يبقى امثال هذا المناضل والمفكر الكبير الانموذج الذي يحتذى به ابناء العراق الشرفاء، لا المترددون ولا الخائفون ولا المساومون، وأكيداً لا العملاء والخائنون”.

نسر هوى

فضلا عن ذلك، فقد رثاه احد محبيه وهو طالب عبد الجبار بكلمة عنوانها (نسر هوى)، نقتبس منها هذه الكلمات :

” عرفناك بحق استاذا متمرساً ورائداً المعياً وطبيباً لملم جروح الامة ومواجعها وصديقاً وفياً ونبيلاً كريماً واريحياً طيباً لايتوانى عن عون الناس كل الناس. لقد كنت كالعود يحرق نفسه ليفوح ويعطر طريق الاخرين… لقد كنت بحق كارهاً ومحاربا  ام لكل الصنوف ومظاهر  الغلو واشكال الطائفية وقبح العنصرية وضروب التطرف والفرقة والاختلاف المؤذي والضغائن والفتن.

سلام عليك ياصاحب الروح الاثيرية السمحة والقلب الذي يتسع دعاؤه للرأي والرأي المضاد الآخر وحب الجميع″() .

وكتب فارس كمال عمر نظمي (ابن عم الفقيد) كلمة القاها بالنيابة عنه محمد علي دراغ (زوج شقيقة الفقيد) نقتبس منها هذه الفقرات:

” الحديث عن اي عزيز يرحل عن عالمنا هو أمر مؤلم وسيترك غصة في النفس، فكيف اذا كان هذا الغائب رمزاً وطنياً وعروبياً من رموز التنوير والعقلانية ومقاومة الظلم والاستبداد … الدكتور وميض عاش حياته كلها مدافعاً عن فكرة واحدة باساليب متنوعة ومتجددة وغير مسبوقة، مدافعاً عن كرامة الانسان بوصفها القيمة المقدسة العليا في اي مجتمع… ودعوني اذكركم بما تنبأ به الدكتور وميض في آواخر ايامه بوصفه عالماً في الفكر السياسي اذ قال: أرى ان العراق سائر في طريق التعافي، نعم نحتاج زمناً غير قصير، غير ان مؤشرات التغيير الايجابي باتت تتضح كل يوم، انا اتحدث عن المستقبل … ستنهض هذه البلاد”().

نم قرير العين ايها المربي والمفكر والمنظر والمؤرخ والانسان، فلقد اديت واجبك الوطني على احسن ما يرام … الشعب كل الشعب يحبك من زاخو الى الفاو، ويعاهدك انه سائر على نهجك الوطني الصادق… رافضاً الطائفية وكارهاً الدكتاتورية، ومحارباً الاستعمار حتى ” الظفر” هذه الكلمة  كانت آخر كلمة من اهدائك، فأنها ستتحقق باذنه تعالى، فالنصر هو حليف المؤمنين الصادقين، فهذه هي ارادة الله التي وعد بها عباده الصالحين رغم انوف الاعداء(الكفار) الذي سيزلزل الله الارض تحت اقدامهم زلزالا.

صمت مريب .. وتصريحات أستفزازية!!

د. وميض جمال نضمي

عراق الاحتلال الامريكي ينضح دماً ونزيفاً. فالمذابخ الاستعمارية تمتد من النجف الاشرف متطاولة بوقاحة على مرقد الإمام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه وعليه السلام. والنزيف الدموي يمتد إلى مدينة الفقراء والمستضعفين مدينة الشهيد الصدر. والقصف الجوي والمدافع الثقيلة تدك مدينة الفلوجة البطلة وبحجة القضاء على ابو مصعب الزرقاوي الذي ما عرفه العراق قبل اليوم المشؤوم في 9/ 4 والذي يبدو انه اشبه (بالبزونة) التي تتمتع بعدة ارواح، فهو لا يعرف الموت او الاعتقال وكل معلومات الاحتلال وحكومة الاحتلال لا تصيب منه مقتلا ولكن مئات القتلى الابرياء يتساقطون وعشرات المنازل تتصدع او تنهار يتشردون. وطائرات الاحتلال تقصف الابرياء والصحفيين في شارع حيفا. والموت امتد إلى تلعفر الباسلة وعندما عجزت قوات الاحتلال التابعة للقوة الاعظم عن مقارعة مقاتي تلعفر فانها انسحبت من المعركة وتركت طائراتها تنشر الموت والدمار على مئات المدنيين انتقاماً من عجزها عن الانتصار على شباب اشتروا الحياة والاستقلال بالموت. والان تفرض قوات الاحتلال الامريكي ومعها الحرس الوطني (جدا) حصاراً على تلعفر تمنع الغذاء والدواء حتى عن مستشفياتها وتشن حملة اعتقالات واسعة.

كل هذه المجازر تدور وكل هذه الدماء البريئة تسفك وسط صمت عربي رسمي مخجل (لا نستثني منه احداً) صمت رسمي يشمل كل حكومات الوطن الممتد من البحر إلى البحر (هذا على افتراض ان هناك شيئاً يمكن تسميته بالحكومة اصلاً) وصمت رسمي عراقي غريب عجيب..

فاذا كانت السيادة والسلطة قد انتقلت بالفعل إلى الحكومة المؤقتة فلماذا هذا السكوت المشين على هذه الحملات الاستعمارية والشهداء المدنيين والمدن والقصبات التي تدمر يومياً وبقسوة منفلتة. لماذا لا توقف الحكومة (ذات السيادة) هذه المذابح التي لا مبرر لها وتأمر قوات الاحتلال بالكف عن هذه المجازر ونزف الدم العراقي. اما اذا كان انتقال السلطة شكلياً وتمثيلية هزيلة شأنها شأن مجلس الحكم (عديم الحكم) فان اقل ما تفعله حكومتنا رئيساً واعضاء هو استقالات جماعية (او على الاقل فردية) للحفاظ على ما تبقى من مصداقية او كرامة ا وعلى الاقل لتبرئة الضمير من سياسات القتل ومن الدم العراقي المسفوك. وليدعوا الامريكانيحطمون البلاد بانفسهم وبشكل مباشر ويتحملون جميع المسؤوليات بدلاً من الاختفاء وراء الممزق للحكومة المؤقتى. فالامور لا يمكن ان تكون اسوء مما هذ عليه الان. فلماذا تحمل مسؤولية تنوء عن حملها الجبال ولن يغفرها لهم لا الله ولا التاريخ ولا الانسان.

اليس من المدهش ان تتحرك الحكومة التركية احتجاجاً على ما يجري في العراق(او بتعبير ادق في تلعفر) ويطلق وزير خارجية تركيا السيد عبد الله غول انذار واضحاً إلى البيت الابيض بالكف عن هذه الاساءات ويستدعي سفير تركيا من واشنطن. في حين ان السيد رئيس الجمهورية العراقية المؤقت (يصطاف) ويتجول في اوربا والسادة الحكام العراق (بكل انواع الملوك) يغطون في سبات عميق وكأن لا علاقة لهم لا من قريب او بعيد بالدم العراقي المهدور والمظلوم والمسفوك على مذبح تمثال الحرية الامريكية حرية اغتيال مصدق والليندي وشعب فلسطين.

اننا لا نخفي استحسان لاي تصريح وطني (ولو على استحياء) من أي مسؤول عراقي بادانته (اخطاء) الاحتلال الامريكي، ولم نمارس يوماً السياسات اللامسؤولة في تخوين او تكفير أي من السادة الذين دفعهم احتهادهم إلى اختيار طريق (المشاركة مع الاحتلال لتصفية الاحتلال!!) وكنا وما زلنا دعاة مصالحة وطنية واتفاق وطني عام وشامل لانقاذ وطننا العراق من هذه المحنة الخطيرة وما سبقها من محن وكوارث ابتلى بها وطننا وشعبنا.

ولكن مثل هذه التصريحات ما عادت كافية ولا مفيدة ولا مؤثرة ازاء الانفلات الامريكي المتمرد على كل الاعتبارات وازاء حمامات الدم التي يتعرض لها ابناء شعبنا وازاء الاهمال المقصود والاولويات الاساسية كانعدام الامن وانتشار البطالة وعدم تحسن الكهرباء وتدهور جميع الخدمات الاساسية واعمال الخطف واغتيالاات علماء بلادنا… لذا فاننا ندعو السادة (المشاركين في السلطة) إلى وقفة مراجعة للافاق المسدودة امامهم. فالنقد الذاتي والتراجع عن الخطا هو اعلى اشكال الوعي السياسي واكثره مسؤولية ونخص بالذكر الزملاء في احزاب الدعوة والشيوعي والاسلامي والمجلس الاعلى وجماعة السيد الباجةجي وغيرهم إلى مواقف حاسمة وجذرية.

وفي هذا الوقت العصيب بالذات تنطلق تصريحات مستهجنة وتصرفات معيبة من بعض ممثلي الحكومة العراقية. فسفير العراق في لندن يؤكد بان هناك مجموعة (لوبي) قوي في العراق تطالب بتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني. (ربما تأييدا لهذا الكيان في احتلاله لفلسطين والجولات ولاقامته جداراً للفصل العنصري وفي عمليات الابادة المنهجية لشعب فلسطين). هذا السفير مطالب بان يكشف لنا عناصر هذا (اللوبي) ومصادره (القوية). ولا يقوم وزير خارجيتنا او رئيس وزراءنا لا باعفاء هذا السفير من مهامة بل يعجزون حتى عن طلب استدعاء او محاسبته على هذه التصريحات او على الاقل الزمه بنفي مثل هذا الكلام الخارج عن كل قيم العراق ومبادئة وتراثه.

  والسيد مدير عام لجنة اجتثاث البعث مثال الالوسي يقوم بزيارة للكيان الصهيوني كي يحاضر هناك (ربما عنم جهوده سيئة الصيت) ليتوج مسلسل انجازاته القيمعية بخيانة وطنية لا تقبل أي تفسير آخر ومهما كانت خلافاتنا عميقة مع الحزب الذي ينتمي إليه الا ان قرار فصله من الحزب ومن كافة مواقعه الحزبية جاء ليبرهن بشكل قاطع على ان شعب العراق لا يمكن ان يسكت على مثل هذا الانحراف المشين والذي يلزم حكومتنا المؤقتة طرده من جميع مناصبه الرسمية وتقديمه للمحاكمة بلا تردد. ان فصل مثال الالوسي من حزب المؤتمر الوطني يكشف بشل واضح هزالة الادعاء بوجود لوبي صهيوني في العراق.

كذلك فاننا نتوجه إلى الرأي العام الامريكي وكافة احرار وديمقراطي البشرية ومحبي السلام والحرية لتصعيد الضغط على زمرة اليمين المحافظ الامريكي المتصهين لوضع حد لكل هذه الانتهادات الشاذة والسافرة والتي تصب الويلات ايضاً على شعب امريكا ومواطنيه. ان كبريات الصحف الامريكية كـ “نيويورك تايمس″ و”الواشنطن بوست” و”لوس انجلز تايمس″ تنشر معلومات مذهلة عن الخسائر الامريكية الفادحة في ارض العراق. ففي معارك النجف الاشرف فقط تمت اصابة وجرح 1300 جندي امريكي خلال شهر آب المنصرم وقد اعلن رامسفيلد وزير الدفاع الامريكي ان قتلى قواته في العراق قد تجاوز الالف قتيل منذ 9/ 4/ 2003 ولغاية 31/ 8/ 2004 وتؤكد مصادر مرثوقة ان المعلن من خسائر السكريين المريكين عو 20% فقط من الخسائر الحقيقية.

إنتهاء الحرب

بكلمة اخرى ان الحرب الامريكية ضد شعب العراق لم تنته في 9/ 4 ولا بعد باسابيع حينما اعلن الرئيس بوش ذلك.

ونقول لمن يهمه الامر اذا كان الرئيس بوش هو الذي بدا حربه العدوانية وغير الشرعية فليس بوش بالقادر على انهاء هذه الحرب. شعب العرق وحده هو الذي يستطيع الاعلان عن انتهاء الحرب بعد الانسحاب الكامل وغير الشروط وبلا قواعد لجميع قوات الحتلال والهيمنة والغطرسة والموت. وعند ذلك فقط تتحقق المصالح المشروعة لشعب العراق في اقامة وطنه الديمقراطي التعددي والمسالم وبذلك ايضاً تنجو امريكا من عزلتها الخانقة وكراهية الشعوب لها وتصون دماء ابناءها من هذا الهدر المؤلم وغير المبرر.

لك الله ياشعب العراق .. لك الله

جريدة راية العرب

لسان حال التيار القومي العربي

ملحق رقم (11)

كلمة الدكتور فارس كمال عمر نظمي في الحفل التأبيني الذي أقامته المدرسة الخالصية في بغداد في 21/ 10/ 2016

بسم الله الرحمن الرحيم

 فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ.

صدق الله العظيم

السيدات الكريمات، السادة الكرام:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أودّ باسم أسرة آل نظمي أن أتقدم بأسمى عبارات الامتنان والتقدير إلى سماحة آية الله العظمى الشيخ (جواد الخالصي)، وكافة الشيوخ والسادة الأفاضل في مدرسة الإمام الخالصي، لرعايتهم هذا الحفل التأبيني الجليل، سائلين الله عز وجل أن يحفظكم ويرعاكم ويسدد خطاكم لما فيه خير العراق واستقلاله وكرامة شعبه.

الحديث عن أي عزيز يرحل عن عالمنا هو أمر مؤلم ويترك غصة في النفس. فكيف إذا كان هذا الغائب رمزاً وطنياً وعروبياً من رموز التنوير والعقلانية ومقاومة الظلم والاستبداد.

فبغياب الدكتور وميض جمال عمر نظمي، فقدَ العراق واحداً من أكثر عقوله رجحاناً وعمقاً وتوازناً واعتدالاً ووطنية وقدرة على استيعاب أعقد الأزمات السياسية وتفكيكها إلى عناصرها التشخيصية الأولية. وفقدَ الفكر السياسي والجامعة العراقية رمزاً أكاديمياً من الطراز الأول، كرسّ حياته للدفاع عن قيم النزاهة العلمية، والحرية الفكرية، والأمانة الأخلاقية تجاه حقائق التاريخ السياسي وأحداثه.

فكرة واحدة

الدكتور وميض عاش حياته كلها مدافعاً عن فكرة واحدة بأساليب متنوعة ومتجددة وغير مسبوقة، مدافعاً عن كرامة الإنسان بوصفها القيمة المقدسة العليا في أي مجتمع. وهو من أجل هذه الفكرة، رفض أن يهجر العراق في كل الظروف، إذ خاض صراعات فكرية وتعرّض إلى مخاطر شخصية لا حصر لها في مواجهة جميع الأنظمة السياسية التي حكمت العراق منذ أواسط الخمسينات حتى الآن، دون أن يترجل يوماً أو يصيبه وهن أو نكوص أو تردد.

وحتى في حزنه النبيل أمام الخراب الهائل الذي أصاب العراق بعد الاحتلال، كان لا يكفّ عن موضوعيته المتميزة في التحليل والاستشراف، وفي الإيمان والثقة العالية بقدرة شعب العراق على تجاوز كل هذه النكبات والمصائب. ودعوني أذكر لكم ما تنبأ به الدكتور وميض في أواخر أيامه بوصفه عالماً في الفكر السياسي، إذ قال: ((أرى أن العراق سائر في طريق التعافي، نعم نحتاج زمناً غير قصير، غير أن مؤشرات التغيير الإيجابي باتت تتضح كل يوم. أنا أتحدث عن المستقبل… ستنهض هذه البلاد!))

لقد ترك لنا الدكتور وميض تاريخاً ومآثر ومُثلاً تصلح للاقتداء والاحتماء بها؛ وترك لنا أنموذجاً بشرياً فريداً يمتزج فيه النبوغ العقلي بالهمِّ الأخلاقي السامي نحو مصائر الناس والوطن والمستقبل.

ولذلك نود التوكيد أن مسيرة الفقيد الراحل ومساعيه الفكرية والسياسية المتفانية طوال حياته لتحقيق الوحدة الوطنية العراقية، وإرساء مبادئ السيادة والاستقلال الوطني، ونشر الفكر السياسي العقلاني، ونبذ الطائفية السياسية بكل أشكالها، والذود عن مبادئ الديمقراطية والعدل الاجتماعي، لن تنتهي بغيابه، بل هي إرث حي باقٍ لوطنه وطلبته ومريديه وأسرته.

أود أن أختم كلمتي بمقولة للدكتور وميض هي أشبه بوصية سياسية موجهة لمن يريد الانتفاع بها، إذ يقول في إحدى كتاباته:

إن شعباً أو حركة أو فرداً (يُهزمُ) وهو شامخ يرفع السلاح في وجه الغزاة والطغاة، لهو أفضلُ – تأريخياً- بألف مرة ممن (ينجح) في تحقيق بعض أهدافه، وهو راكع يستجدي الحلول عن طريق المساومات والتنازلات المهينة والخنوع والمذلة.

إيها الراحل الحاضر أبداً في ضمائرنا: وميض جمال عمر نظمي، كلماتك باقية وحية فينا، سيستمر الدرب، وتظل آمالك الكبيرة وأفكارك الملهمة تقاوم الخيبات والهزائم، ريثما يجيء أوان انتصارها المحتوم في عراق مستقل وعزيز وموحد.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مشاركة