ومن القصَّ ما قتَل – علي السوداني

مكاتيب عراقية

أُحاولُ‭ ‬منذُ‭ ‬ساعةٍ‭ ‬عصْرَ‭ ‬ذاكرتي‭ ‬القوية‭ ‬،‭ ‬كي‭ ‬أستعيد‭ ‬وجهَ‭ ‬هذا‭ ‬الكائن‭ ‬الذي‭ ‬حلَّ‭ ‬على‭ ‬مساء‭ ‬الحانة‭ ‬،‭ ‬فاستقبلَهُ‭ ‬النادلون‭ ‬والسقاةُ‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬السلام‭ ‬والمديح‭ ‬،‭ ‬وتصنيع‭ ‬ابتسامات‭ ‬وحركات‭ ‬الرزق‭ ‬الحلال‭ .‬

هو‭ ‬يشبهُ‭ ‬أُغنيةً‭ ‬تسيح‭ ‬الآنَ‭ ‬على‭ ‬طرف‭ ‬اللسان‭ ‬،‭ ‬لكنها‭ ‬ترفضُ‭ ‬البوحَ‭ ‬بإسمها‭ .‬

وجههُ‭ ‬الوسيم‭ ‬ذهبَ‭ ‬بي‭ ‬صوب‭ ‬ثلاثين‭ ‬سنةً‭ ‬بادتْ‭ ‬وغربتْ‭ ‬،‭ ‬حيث‭ ‬زاهر‭ ‬الشيوعي‭ ‬الصامت‭ ‬الجميل‭ ‬،‭ ‬الذي‭ ‬لصَقَ‭ ‬بين‭ ‬منخريهِ‭ ‬شارباً‭ ‬هتلريّاً‭ ‬جذاباً‭ . ‬

في‭ ‬البدء‭ ‬عرفتُهُ‭ ‬زبوناً‭ ‬قارئاً‭ ‬هادئاً‭ ‬عاطراً‭ ‬،‭ ‬وبعد‭ ‬البدء‭ ‬بخريف‭ ‬،‭ ‬صار‭ ‬حاملاً‭ ‬صينية‭ ‬الشاي‭ ‬الداكن‭ ‬،‭ ‬دائراً‭ ‬على‭ ‬الزبائن‭ ‬المحنّطين‭ ‬المنصتين‭ ‬،‭ ‬بمقهى‭ ‬حجّي‭ ‬خليل‭ ‬القائمة‭ ‬بواحدٍ‭ ‬من‭ ‬عقود‭ ‬الحيدرخانة‭ ‬البغدادية‭ ‬الخفية‭ .‬

لا‭ ‬أحدَ‭ ‬يعرف‭ ‬شيئاً‭ ‬عن‭ ‬زاهر‭ ‬،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يسكن‭ ‬غرفةً‭ ‬مشنشلةً‭ ‬في‭ ‬الجوار‭ ‬،‭ ‬تُطلُّ‭ ‬رازونتها‭ ‬على‭ ‬منظر‭ ‬حانةً‭ ‬صغيرةٍ‭ ‬بائسةٍ‭ ‬اسمها‭ ‬الزقازيق‭ ‬،‭ ‬وجُلُّ‭ ‬روادها‭ ‬من‭ ‬مشرَّدي‭ ‬ساحة‭ ‬الميدان‭ ‬،‭ ‬وكمشة‭ ‬صعاليك‭ ‬وأدباء‭ ‬مقاهي‭ ‬أُم‭ ‬كلثوم‭ ‬والزهاوي‭ ‬وحسن‭ ‬عجمي‭ ‬والشابندر‭ ‬،‭ ‬وجمال‭ ‬حافظ‭ ‬واعي‭ .‬

تختلط‭ ‬الروائح‭ ‬في‭ ‬زقاق‭ ‬الحانة‭ ‬بشكل‭ ‬سورياليٍّ‭ ‬فظيع‭ ‬،‭ ‬وسيكون‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬عليك‭ ‬،‭ ‬أنْ‭ ‬تفرّقَ‭ ‬بين‭ ‬رائحةِ‭ ‬اللحوم‭ ‬المشوية‭ ‬والكبة‭ ‬المدعبلة‭ ‬المسلوقة‭ ‬،‭ ‬وبين‭ ‬رائحة‭ ‬العفَن‭ ‬المدسوس‭ ‬تحت‭ ‬آباط‭ ‬السكارى‭ ‬،‭ ‬وفوهات‭ ‬المناهل‭ ‬الخربانة‭ ‬،‭ ‬التي‭ ‬تبثُّ‭ ‬نفحاتٍ‭ ‬عاطنات‭ ‬ترقصُ‭ ‬على‭ ‬ظهورها‭ ‬،‭ ‬صراصير‭ ‬جوزيّات‭ ‬،‭ ‬وجرذان‭ ‬بائسة‭ ‬مستلّة‭ ‬من‭ ‬دفتر‭ ‬الحصار‭ .‬

أذكرُ‭ ‬ليلةً‭ ‬شتائيةً‭ ‬هالكةً‭ ‬،‭ ‬دعاني‭ ‬فيها‭ ‬زاهر‭ ‬المثقف‭ ‬‭ ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬اسمه‭ ‬مزهر‭ ‬‭ ‬إلى‭ ‬غرفته‭ ‬المعلقة‭ ‬عند‭ ‬قنديل‭ ‬الشارع‭ ‬الباهت‭ . ‬زرعَ‭ ‬مضيفي‭ ‬الكريم‭ ‬فوق‭ ‬المائدة‭ ‬قارورة‭ ‬عرَقٍ‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬الصنف‭ ‬الرخيص‭ ‬الذي‭ ‬تصنعه‭ ‬بيوتٌ‭ ‬تعيسة‭ ‬في‭ ‬الجوار‭ .‬

كانت‭ ‬الغرفةُ‭ ‬بسريرٍ‭ ‬واحدٍ‭ ‬،‭ ‬ورائحةٍ‭ ‬معمولةٍ‭ ‬من‭ ‬جواريب‭ ‬بساطيل‭ ‬حربٍ‭ ‬بائدة‭ ‬،‭ ‬كأنها‭ ‬بقايا‭ ‬أمعاء‭ ‬غليظة‭ ‬،‭ ‬تتدلّى‭ ‬من‭ ‬ظفمِ‭ ‬حاوية‭ ‬زبلٍ‭ ‬منسية‭ .‬

ثمة‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الجرائد‭ ‬العتيقة‭ ‬والكتب‭ ‬المفتوحة‭ . ‬الجُدُر‭ ‬مغطّاة‭ ‬بشيتات‭ ‬أفلامٍ‭ ‬سينمائية‭ ‬قديمة‭ ‬،‭ ‬والرائحةُ‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬كما‭ ‬دخلتُ‭ ‬المكانَ‭ ‬أول‭ ‬مرة‭ ‬،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أختلطتْ‭ ‬بروث‭ ‬قطيع‭ ‬الأحصنة‭ ‬،‭ ‬الذي‭ ‬يسوقهُ‭ ‬الفتى‭ ‬البديع‭ ‬جوليانو‭ ‬جيما‭ .‬