ومثلي لا يبايع مثله – محمد عطوف الآوسي

 

 

 

ومثلي لا يبايع مثله – محمد عطوف الآوسي

 تمر على الأمة العربية والإسلامية بل  والإنسانية جمعاء  مناسبة أليمة  وحزينة الا وهي ذكرى اربعينية استشهاد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام)  ، ويتزامن هذا الحدث الجلل مع اقتراب موعد الانتخابات العراقية المقرر اجرائها في العاشر من تشرين الاول القادم من هذا العام .

وبالرغم من أهمية الزيارة في وجدان ونفوس اغلب العراقيين نجد ان  الضخ الاعلامي لهذه الانتخابات قد أخذ حيزاً لا يستهان به من اهتمام ألمو اطن . بالرغم من تولد القناعة المسبقة بعدم جدواها عند نسبة غير قليلة من افراد المجتمع العراقي . في هذا المقال نحاول أن نجري مقاربة تاريخية بين ما جرى للأمام الحسين (ع) من محاولة استمالته لمهادنة الحاكم الظالم والفاسد لاعلان بيعته (انتخابه) له بذريعة حقن دماء المسلمين ، وبين ما جرى ويجري في عراق ما بعد 2003 من مهرجانات انتخابية تجري كل اربع سنوات .

 وفي كل دورة ترتفع نغمة مفادها ان هذه الدورة ستكون فاصلة ومفصلية وعلى الجميع ان يشاركوا بها بذريعة ان التغيير قادم وعلى الجميع ان يساهم في  حصوله و هو من مسؤولية الجميع وان الشعب مصدر السلطات وغيرها من المصطلحات والشعارات التي  افرغت من محتواها والتي صدعوا بها رؤوس البسطاء والفقراء على امل الحصول على تعاطفهم واهتمامهم بهذا المرشح او ذاك .

وبالخصوص من كانت له مشاركة او مشاركات في الدورات السابقة ، وكانوا جزء من المنظومة الفاسدة والفاشلة التي ادت الى دمار وخراب العراق عدى اننا لم نجني منهم  غير الشعارات والكلام الذي لا يسمن ولا يغني من جوع . لقد غاب عن ذهن هؤلاء واغلبهم ممن يحيون هذه الشعيرة المباركة  انهم بعملهم  هذا يكونون على خلاف المنهج العادل الذي اختطه الرسول وال بيته الاطهار واصحابهم رضي الله عنهم جميعا . والمخالفة التي اعنيها هي في  موقف الامام صاحب الذكرى من دعوة من كان احد الذين كانوا سببا في انحراف الرسالة الاسلامية التي جاء بها جده الرسول  محمد(ص) .

شعب مظلوم

وما جرى ويجري للعراق وشعبه المظلوم  واستشهادنا لهذه المناسبة التي كانت وستبقى الخط الفاصل بين معسكر الحق ومعسكر الباطل ،  ان الامام الحسين بن علي بن ابي طالب لم يكن له غرض شخصي مع يزيد بن معاوية بن ابي سفيان ، رغم  ما كان لهذا الرجل من افعال مخالفة للاسلام كما نقلها لنا التاريخ . الا ان موقف الحسين كان ضد  المنظومة التي اربد لها ان تُفرغ الاسلام من محتواه الانساني وتحوله الى ملك عضوض .

كما يحدث في يومنا هذا عندما تحولت مؤسسات الدولة العراقية الى ضيعات تملكها احزاب السلطة  وحسب العرف السياسيي الذي جاء به المحتل تحت عنوان الديمقراطية التوافقية اي المحاصصة السياسية والتي تحولت فيما بعد الى محاصصة طائفية وهي التي اصابت العراق بمقتل . ان المشاركة في الانتخابات هي عهد وميثاق شرف  وحق شخصي بين طرفين .الطرف الاول وهو الناخب وعندما يبصم يصبح صوته من حصة المرشح .لكن اين عهد ووعد  المرشح عندما يخل بهما لناخبيه .وهنا يكمن الخلل في هذه المعادلة التي اختصت بها اغلب دول العلم الثالث .  ان اعطاء العهد (والبيعة في السابق) ليس بالامر الهين ، لانها مسؤولية شرعية ووطنية واخلاقية وتاريخية

وألا لماذا لم يقلها الامام الحسين لوالي المدينة المنورة الوليد بن عتبه بن ابي سفيان بل رد عليه رداً واضحاً وصريحاً وجريئاً ( وان مثلي لا يبايع مثله ) .

 لقد صاغ الكاتب والشاعر والمفكر المصري عبد الرحمن الشرقاوي هذا الموقف البطولي في روايته الشهيرة  ( الحسين ثائراً ) حيث كتب :

وقف الوليد أمام الحسين ( عليه السلام ) ليطلب منه البيعة ليزيد ( ينتخب) .

قال نحن لا نطلب منك ألا كلمة : فلتقل انك بايعت وأذهب بسلام الى جميع الفقراء ، قلها يابن رسول الله وانصرف حقناً للدماء ، قلها ( أبصم) ما ابسطها ما هي الا كلمة . رد عليه الامام الحسين ( ع) كبرت الكلمة  ما دين المرء سوى الكلمة ما شرف الرجل سوى الكلمة ما شرف الله سوى الكلمة اتعرف ما معنى الكلمة  مفتاح الجنة في كلمة ودخول النار على كلمة  وقضاء الله هو الكلمة الكلمة لو تعرف حرمة ْ زاد مذخور  ، الكلمة نور وبعض الكلمات قبور  بعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشري الكلمة فرقان بين نبي وبغي بالكلمة تنكشف الغمة ، الكلمة نور ودليل تتبعه الأمة  عيسى ما كان سوى كلمة اضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين فساروا يهدون بها العالم ، الكلمة حصن الحرية أن الكلمة ( الانتخاب) مسؤولية ، ان الرجل هو الكلمة  شرف الرجل هو الكلمة شرف الله هو الكلمة

ولارد لي لمن لا يعرف معنى الكلمة .

خارطة طريق

لقد رسم الامام الحسين(ع)  للثائرين بمختلف ازمانهم واماكنهم  خارطة طريق واضحة المعالم لا لبس فيها وخير ما نستشهد به في هذا المقال هو قول المهاتما غاندي عنما قال ( تعلمت من الحسين ان اكون مظلوماً فانتصر).

ونحن ايضاً بأمكاننا ان ننتصر وكفانا ظلماً وقهراً وبؤساً .

علينا ان نستخلص الدروس والعبر من هذه النهضة الحسينية لنساهم من حلالها بشكل جدي وفعلي في تحديد ملامح مستقبلنا ومستقبل ابناءنا والاجيال القادمة وذلك :-

اولاً : التفكير العقلاني الواعي لرفض الحاكم الفاسد والظالم ومن يسانده حتى لو تمظهر  بالاسلام زياً وقولاً .

ثانياً : بما ان انحراف الحاكم وتحوله الى حاكم ظالم ومستبد ، هو الذي سيفتح الباب على مصراعيه لدخول وتفشي الفساد في المجتمع ، صار لزاماً على اصحاب الحل والعقد أن يجدوا الرافعة التي تحد من تغول الحاكم الفاسد والظالم ، وخير من ينقذ الامة وشعبها هو عندما يتم اختيار الحاكم  وكابينة حكمه ضمن معايير العدل التي توضع في الدولة العادله المتحضرة .

ثالثاً : ان العراق ومنذ 762 سنه وهو يعاني من التدخلات الخارجية ،  والجميع يعلم ان سبب عدم استقراره واستقلاله بشكل صحيح وكامل ، هو بسبب هذه التدخلات ، وان أي حكومة سواء القادمة او اللاحقة لها ومهما كانت مقبولة من جميع الاطراف السياسية والاجتماعية ، فان لم تتمكن من منع هذه التدخلات ، فلا خير فيها ولا جدو منها ، لأن  الحال سيبقى على ما هو عليه بل ربما اسوء .

 الحل الوحيد  سنطرحه في مقالنا الاسبوعي القادم ان شاء الله .

لكم مودتي ولعراقنا الاستقرار والاستقلال والعدل .

مشاركة