وما ألذّ خبز أمّي – عبد الحق بن رحمون

314

زمان جديد

ما‭ ‬أعظم‭ ‬‭ ‬وما‭ ‬ألذ‭ ‬خبز‭ ‬أمي‭. ‬هي‭ ‬المكان‭ ‬في‭ ‬المكان‭. ‬والحب‭ ‬في‭ ‬الحب‭. ‬هي‭ ‬كينونتي،‭ ‬وملهمتي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭. ‬هي‭ ‬جدع‭ ‬النخل‭ ‬الذي‭ ‬أتمسك‭ ‬به‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬لأتسلق‭ ‬جبال‭ ‬المعنى‭ ‬التي‭ ‬تزيدني‭ ‬قوة،‭ ‬وتزودني‭ ‬بطاقة‭ ‬قوية،‭ ‬تلك‭ ‬الطاقة‭ ‬التي‭ ‬تتجدد‭ ‬فيّ‭ ‬وبداخلي،‭ ‬وتتولد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أحس‭ ‬وأشعر‭ ‬به‭ ‬لأكتبه‭ ‬على‭ ‬ورق‭ ‬السريرة‭ . ‬والمكاشفة‭ ‬الصادقة‭ . ‬تلكم‭ ‬صفات‭ ‬خبز‭ ‬أمي،‭ ‬الذي‭ ‬وصلني‭ ‬البارحة‭ ‬في‭ ‬«قفة»‭ ‬مغربية‭ ‬أصيلة،‭ ‬مملوءة‭ ‬بالعواطف‭ ‬الجياشة،‭ ‬وبالدعوات‭ ‬الصالحات‭. ‬قفة‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الأطباق‭ ‬الرمضاية‭ ‬الشهية،‭ ‬وهذا‭ ‬تقليد‭ ‬ألفته،‭ ‬ففي‭ ‬كل‭ ‬رمضان‭ ‬يصلني‭ ‬وأسرتي‭ ‬الصغيرة،‭ ‬منها‭ ‬خبزها‭ ‬الشهي‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مقبلات‭ ‬وحلويات‭ ‬ورغائف‭ ‬وشباكية‭ ‬وسلو‭ ‬أو‭ ‬السفوف،‭ ‬ودجاج‭ ‬محمر‭ ‬ولحم‭ ‬مجمر‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الخبز‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬أشبع‭ ‬منه‭ ‬أبداً‭ ‬،‭ ‬مهما‭ ‬غمسته‭ ‬في‭ ‬زبد‭ ‬بلدي‭ ‬أصيل‭ ‬وعسل‭ ‬حر‭. ‬كلّما‭ ‬تموجت‭ ‬في‭ ‬ذاتي‭ ‬أقطف‭ ‬ثمار‭ ‬السكينة،‭ ‬وصفاء‭ ‬الصورة‭ ‬ومشاكسة‭ ‬البديهية،‭ ‬وروح‭ ‬الانضباط‭ ‬لروح‭ ‬عادات‭ ‬وتقاليد‭ ‬موروثة‭ ‬وأصيلة‭ ‬نعتز‭ ‬بها‭. ‬ونزداد‭ ‬التشبت‭ ‬بها‭ . ‬وفي‭ ‬رمضان‭ ‬أشعر‭ ‬بانتعاش‭ ‬لحظات،‭ ‬وسط‭ ‬الأسرة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬طقوس‭ ‬رمضانية‭ ‬مغربية‭ ‬أصيلة،‭ ‬وفي‭ ‬الخبز‭ ‬الذي‭ ‬يجمعنا،‭ ‬وفي‭ ‬الحساء‭ ‬الذي‭ ‬الذي‭ ‬تتفنن‭ ‬في‭ ‬طهيه‭ ‬أمي،‭ ‬وتجعلني‭ ‬شخصيا‭ ‬أتناول‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬جبانية‭ ‬حريرة‭. ‬رمضان،‭ ‬عبادة‭ ‬وصلوات،‭ ‬وأيضا‭ ‬تواصل‭ ‬بين‭ ‬الأهل‭ ‬والأحباب،‭ ‬ولقاء‭ ‬عبر‭ ‬موائد‭ ‬الانفطار‭ ‬والعشاء‭ ‬والسحور‭. ‬إنه‭ ‬رمضان‭ ‬بصغية‭ ‬وشرفة‭ ‬مغربية‭. ‬له‭ ‬طقس‭ ‬آخر،‭ ‬ومعاني‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬القلوب،‭ ‬حيث‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬سلوكنا‭ ‬اليومي‭ ‬وإيقاعاتنا،‭ ‬وتتضاعف‭ ‬موداتنا‭ ‬وحبنا‭ ‬للبعض‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬شجرة‭ ‬ورافة‭ ‬بالظلال‭ . ‬وفي‭ ‬رمضان‭ ‬على‭ ‬الخصوص‭ ‬أشتاق‭ ‬دوما‭ ‬لخبز‭ ‬أمي‭ ‬ولا‭ ‬أرتاح‭ ‬حتى‭ ‬أجده‭ ‬على‭ ‬مائدة‭ ‬الإفطار،‭ ‬كأنه‭ ‬كتاب‭ ‬شعر‭ ‬عريق،‭ ‬أقرأه‭ ‬سطرا‭ ‬سطرا،‭ ‬ولا‭ ‬أشبع‭ ‬منه،‭ ‬فالأصابع‭ ‬التي‭ ‬تصنعه‭ ‬وتعجنه‭ ‬تسقيه‭ ‬بمحبتها‭ ‬وعشقها‭. ‬ففي‭ ‬هذا‭ ‬المناسبة‭ ‬أقول‭ ‬للحاجة‭ ‬السعدية‭ ‬،‭ ‬أمي‭ ‬وصديقتي‭ ‬العزيزة‭ ‬،‭ ‬أتمنى‭ ‬لك‭ ‬دوما‭ ‬موفور‭ ‬الصحة‭ ‬وتسلم‭ ‬يدك‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬لي‭ ‬خبزا‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬مثله‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مكان‭ ‬بالعالم‭ . ‬هذا‭ ‬الخبز‭ ‬الذي‭ ‬تصنعه‭ ‬بتواضع‭ ‬ورقة‭ . ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬لاتوجد‭ ‬وسادة‭ ‬ألطف‭ ‬وأحن‭ ‬من‭ ‬وسادة‭ ‬الأم‭. ‬وشهر‭ ‬رمضان‭ ‬بالذات‭ ‬هو‭ ‬شهر‭ ‬لنشر‭ ‬المحبة‭ ‬وسط‭ ‬الأهل‭ ‬وتبادل‭ ‬صلة‭ ‬الرحم‭. ‬فأمي‭ ‬الحاجة‭ ‬السعدية‭ ‬صديقتي،‭ ‬هي‭ ‬مدرستي‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬تعلمت‭ ‬منها،‭ ‬ولازلت‭ ‬أتعلم‭ ‬منها‭ ‬الشيء‭ ‬الكثير،‭ ‬ومهما‭ ‬كتبت‭ ‬من‭ ‬قصائد،‭ ‬وأردت‭ ‬من‭ ‬يسمعني‭ ‬فيما‭ ‬كتبت،‭ ‬فإني‭ ‬أجد‭ ‬صوت‭ ‬صدرها‭ ‬الحنون‭ ‬الذي‭ ‬يصلني‭ ‬منه‭ ‬الجواب‭ ‬في‭ ‬الحين‭ ‬وبحنو،‭ ‬لأصل‭ ‬فيما‭ ‬أبتغيه‭ ‬في‭ ‬الطريق‭. ‬وأحتاج‭ ‬دوما‭ ‬إلى‭ ‬خبز‭ ‬أمي،‭ ‬لأكتب‭ ‬قصائد‭ ‬كثيرة‭ ‬،‭ ‬لأتدفأ‭ ‬بحنانها‭ ‬وبصدرها‭ .  ‬وبكلمات‭ ‬تفتح‭ ‬شهية‭ ‬الورد،‭ ‬وبلسان‭ ‬حالها‭ ‬تضيء‭ ‬بدعواتها‭ ‬الطريق‭ ‬لتنير‭ ‬لأولادها‭ ‬الطريق‭. ‬هي‭ ‬من‭ ‬حملت‭ ‬بي‭ ‬تسعة‭ ‬أشهر‭ ‬وأرضعتني‭ ‬حليب‭ ‬ثديها،‭ ‬وأفرشت‭ ‬لي‭ ‬الأرض‭ ‬بورود‭ ‬رضاها‭. ‬فهي‭ ‬وطني‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تحده‭ ‬خرائط‭ ‬أو‭ ‬بحار‭. ‬وأمي‭ ‬الحاجة‭ ‬السعدية‭ ‬أعتز‭ ‬بصداقتها،‭ ‬لأن‭ ‬لها‭ ‬أفضال‭ ‬كثيرة‭ ‬علي‭ ‬لاتعد‭ ‬ولا‭ ‬تحصى،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬علمني‭ ‬الشعر‭ ‬والحب‭ ‬وأبجدية‭ ‬أسرار‭ ‬العالم‭ ‬المغري‭ ‬بالسفر‭ ‬والتحدي،‭ ‬كي‭ ‬أتسلق‭ ‬الجبال‭ ‬ولا‭ ‬ألتف‭ ‬للخلف‭ ‬ولا‭ ‬أستمع‭ ‬للصدى،‭ ‬لأنها‭ ‬علمتني‭ ‬أن‭ ‬أسمع‭ ‬دوما‭ ‬للصوت‭ ‬ومصدر‭ ‬الصوت‭. ‬وأن‭ ‬أسمع‭ ‬للوردة‭ ‬وأشم‭ ‬العطر‭ ‬من‭ ‬ينابيعه،‭ ‬وأنظر‭ ‬للشمس‭ ‬في‭ ‬صفائها،‭ ‬وأغرد‭ ‬مع‭ ‬الطير‭ ‬في‭ ‬سرب‭ ‬معدنه‭ ‬الأصيل‭ ‬لأغدو‭ ‬خماصا‭ ‬وأروح‭ ‬بطانا‭ ‬بأفكار‭ ‬وخيال‭.‬

مشاركة