ومات أستاذ ربيع – محمد علي شاحوذ

472

ومات أستاذ ربيع – محمد علي شاحوذ

كانت أمنيته الوحيدة التي يرددها دائما،أن يموت في مدرسته وبين طلابه،وأن يتم تشييعه من صفوفها التي عاش بين جدرانها وفي ساحاتها أكثر مما عاش في بيته،ففيها قضى اكثر من أربعين عاما من حياته،وأعطى كل مجهوداته حتى أخر لحظة.

لم يتغيب يوما عن الدوام،ولم يتهرب من واجبه الوظيفي،فكان مثالا حيا للمُعلِم الناصح الأمين،فلم يجامل أحدا في الحق،ولم يتنازل يوما عن مبادئه في مختلف الظروف،ولم يتلون مع المتلونين،وبقي ثابتا شامخا حتى أعطى للمعلمين  بعض من هيبتهم المفقودة في المجتمع. كان تربويا نزيها من الطراز الرفيع،ولا زلت اتذكر أول مرة دخل علينا في صفنا الدراسي،كنا وقتها طلابا في مدرسة  تموز الابتدائية في الرمادي،عندها عرفنا أي نوع من التربويين هو،ولا زلت اتذكر كيف كان يُعلِمنا أن الاخلاق قبل العِلم،وهو من علّمنا احترام  الناس، وآداب الطريق،وعلّمنا متى نتكلم ومتى نصمت،فصرنا نحسب له ألف حساب، فكان اسم استاذ ربيع وصوته الجهوري كافيان لتحويل اي طالب مشاكس،الى طالب خلوق،وذكي!!،حتى عندما تم استدعاؤه لخدمة العلم الالزامية في الجيش،صار من أشهر مُعلِمي الكُلية العسكرية فتخرج على يده عشرات،بل مئات من ألمع ضباط الجيش العراقي الباسل. كان يفرض احترامه على الجميع،الصغير والكبير،وكانت غاية أهدافه ان يربي اجيالا قادرة على خدمة الناس،ولم يسع يوما الى التربح من وظيفته،ولم يفكر ابدا أن يستغل قدراته في فتح مدرسة أهلية برغم كل المغريات التي عرضت عليه،وأثر أن يبقى في وظيفته حتى النهاية. كان حتى في ايام العطل يذهب الى المدرسة ليزرع فيها شجرة،أو يُلون حائطا ،أو يغسل ساحة،أو يُصلِح رحلة مكسورة،أو يقيم جدارا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ. لم يكن أحدا يتوقع أن يكون يوم الخميس المصادف السابع من اذار يحمل خبرا مفجعا لكل اصدقاءه وطلابه ومحبيه!!،فبعد أن أكمل مراسم رفع العلم وعاد الى البيت،توقف قلبه الكبير الى الابد،ففاضت روحه الى بارئها،معلنة نهاية المسيرة العظيمة لرجل وهب كل حياته لطلابه الذين اعتبرهم ابناءه،ولمَدرَستهِ التي اعتبرها بيته الثاني،فترك بصمته في كل شبر منها،حتى صار جزءا لا يتجزأ منها،حاله حال كتبها ودفاترها وشجرها وحجرها،وليختتم حياته فيها،وليحقق أهل مدينة الخالدية  وصيته الاخيرة،وفاءَ وعرفانا منهم تجاه ابنهم البار صاحب العطاء الكبير،فخرج الجميع في جنازته المهيبة التي تمناها  حتى الرؤساء والوزراء،وأصرّ المشيعون على حمل النعش على اكتافهم،وطافوا به من مَدرسّتِه مرورا بكل طرقات المدينة حتى مثواه الأخير،ليبرهنوا للعالم أن كل هذا الحب والتقدير لرجل وهب كل حياته لخدمة اهله ووطنه بكل تفانٍ واخلاص،وأن كل أموال الدنيا وكنوزها لا يمكن ان تشتري لحظة حب صادقة واحدة،كالتي أظهرها الناس في مراسم تشييعه الحزينة،غير أن المشهد الأكثر ايلاما وحُزنا هو حينما أصرّ تلاميذه الصغار على المشي في جنازته،ورفضوا الانصراف الى بيوتهم،وأصروا على البقاء عند قبره،ودموعهم الغزيرة الحارة تنزل على خدودهم الطرية،ولما سألتهم أنا: لماذا تبكون،أجابوني بصوت كئيب: مات أستاذ ربيع!!. اذن مات الرجل المصلح في الزمن الردئ،الرجل الذي مثّل كل قيم النزاهة والاخلاص والشرف الرفيع،وهو نموذج وطني صار نادرا كثيرا هذه الايام!!.

مشاركة