وليمة على مائدة الرفاق

92

وليمة على مائدة الرفاق

سعد العبيدي

لندن

يجلس على حافة كرسي مدور حول مكتبه سفيرا للعراق في الدولة الاوربية بلجيكا، يستذكر أيام شبابه ونضال طويل بدأه سياسيا في المدرسة الثانوية، وحياة عسكرية قضاهامسؤولا حزبيا للقيادات العليا. يحمل سماعة الهاتف، يحاول الاستفهام من زميله عضو القيادة عن اشاعات تتناول خلافا بين الرئيس ونائبه،يعيدها ثانية الى مكانها، فالخط مازال مقطوعا منذ ساعات، يترك الهاتف بوقع يبقي الاتصال فيه مفتوحا مع منابع الذكريات التي أوصلته سريعا الى سؤال عن حقيقة ما يجري في العاصمة بغداد؟.

يقطع التواصل أو الاتصال مع سلسلة الافكار، وكأن منادٍ في داخله يجيبه لا فائدة من التفكير، يحثه التوجه صوب مطعم مكتوب اسمه في صفحات التاريخ منذ مئتي عام، مازال متربعا على تلة تغطيها أشجار العنب في ضواحي العاصمة بروكسيل، أعتاد اللجوء اليه وحيدا في الاوقات التي يهاجمه الكدر، تُوقفهُ قريبا من الباب سكرتيرته الشخصية، تلوح بالبرقية المستلمة توا من الوزارة، تطالبه الحضور الى بغداد بقصد التشاور حول أمور مهمة. يعود الى كرسيه المتحرك، ينشغل هذه المرة بما وراء البرقية في ظروف المجهول وما يتردد عن أعتقالات منظمة لقيادات حزبية بدأت تتسرب الى الاعلام العالمي، فيحوّل وجهته من المطعم المؤمل افراغ كدره المتزايد على موائده المعزولة الى البيت وشريكة العمر التي تقاسمه الهموم، تحاول دفعه باتجاه تأجيل السفر ليومين آخرين قد ينجلي الموقف وتتوضح الامور، يؤيدها أتصال هاتفي جاء من مسؤول مقرب بوزاة الخارجية البلجيكية نصحه بعدم السفر في مثل هذه الايام التي تضج بالمفاجآت، يضحك معه مازحا بالتنويه عن قدرتهم الفائقة بالتجسس على البريد المشفر، واكد له عدم الغياب أكثر من اسبوع، ثم سأله الرأي في التمر العراقي هدية للعائلة عند العودة. يزداد اصراره على المغادرة هذا اليوم وعلى متن الخطوط الجوية العراقية برحلتها المتجهة الى بغداد عصرا، يعرج في الكلام أثناء جمعه حاجيات السفر القصير على عدم جواز التأخر عن تنفيذ الاوامر الصادرة، محاولا التأكيد على صحة كلامه بتذكيرها اصرار الرئيس على تنفيذ الاوامر وعدم قبوله أي عذر للتأخير، ومعرفته الشخصية به صديقا ورفيقا أيام العمل السري، يدعم تأكيده هذا بالتنويه الى اتصال هاتفي أجراه قبيل مجيئه الى البيت مع زميله السفير العراقي في النيجر واستدعائه هو الآخر الى بغداد،مستنتجا حقيقة التشاور حول تطورات الوضع الحالي أقتضته الضرورة السياسية، وعندما لم تقتنع السيدة أم نبيل، ذكّرها بالمقابلة الودية للرئيس قبل شهرين من استلامه الرئاسة واشادته الصريحة بنضاله الحزبي وحاجة الحزب اليه، وقبل غلق الحقيبة اليدوية تعهد لها حتمية الاتصال بها من مكتب وزير الخارجية على التلفون الخاص.  تصل الطائرة العراقية الى بغداد قبل أنتصاف الليل بقليل، يقف على السلم المسحوب في باب لها أنفتح توا ضابط مخابرات يتبعه شخصان تظهر مسدساتهما من فتحة السترة عند هبوب الرياح، يخرج ركاب الدرجة الاولى يتقدمهم السيد السفير ماسكا حقيبته اليدوية، يشيح بنظره حول المكان الذي توقفت فيه الطائره علّه يشاهد موظف المراسم الذي أعتاد استقباله في السفرات السابقة، يتقدم منه الضابط، يطلب منه التوجه معه الى السيارة القريبة، يحاول الاستفسار بطريقة مهذبة، يأتيه الرد بصوت فيه قسوة انه مطلوب من السيد رئيس الجهاز شخصيا. تَوقفَّ لحظة، حاول أن يداري قلقه الناتج عن هذا الموقف المفاجئ، فلم يجد سوى عبارة قالها والشك واضح على مخارج حروفها “الرفيق أبو محمد”. وكأنه أراد من لفظها تذكير الضابط بأصوله الحزبية وبقربه من المسؤولين أو في حقيقة الامر لا تتعدى تذكير النفس بهذه الصفة أملا في نفعها لتخفيف القلق الذي بلغ أعلى المستويات. لكنها لم تكن نافعة لان طلب الضابط بضرورة السكوت كانت حاسمة. يركب السيارة وسط حارسين في الموقع الخلفي، تتحرك بسرعة، وقبل مغادرتها المطار تعصب عيناه بقطعة قماش أسود مخصصة لهذا الغرض، عندها أدرك أن تصوره عن المنصب كان خطأ، وان خوف الزوجة كان في محله، فاستسلم بمكانه لأفكار أخرى تتعلق بالتهمة التي تنتظره. حاول استيضاح موضوعهامن الضابط ثانية، فحصل على رد أكثر قسوة يأمره بالسكوت.

– ألم تقتنع بمنصبك سفير؟.

– الم تشبعوا من خيرات الثورة؟. لماذا تخونها وتتآمروا عليها؟.

– انكم خونة في الاصل وستبقون هكذا خونة تبيعون أنفسكم للغير. يسكت هذه المرة وكأن صخرة هوت على رأسه الحاسر، أفقدته الوعي. لاحاجة الى التأمل ولا الى التفكير، فالامر بات واضحا لقد حُشر في الصف المعادي للحزب والثورة، انها النهاية التي لم يكن يتوقعها عند انتضامه في صفوف الحزب عام 1957 وحتى وصوله عضوا قياديا في المكتب العسكري للحزب واستلامه منصب سفير قبل اشهر. السيارة التي قطعت المسافة الى المبنى الخاص بالمخابرات باقل من نصف ساعة مرت وكأنها عام من الحزن بوقع ثقيل، حتى لم يحس بالركلة التي تلقاها من الضابط الشاب عند دفعه الى الزنزانة الانفرادية في الطابق الثاني تحت سطح الارض. يقف وسطها،  يتفحصها حائط كونكريتي لأربع جدران مدهونة باللون الاصفر في أعلاها مفرغة هواء تعمل كل الوقت، ومصباح مفتوح كذلك كل الوقت، يجلس على أرضها الخالية من الفرش،  يتذكر تاريخه الطويل، يحاول الندم على غالبيته، تمنعه فكرة جاءت من أعماق الذاكرة تحوم حول ورود الحشر وهما أو نكاية من أحد المغرضين، حيث لم يعرف شخصيا عن ما يدور في اقبية القصر الجمهوري أية تفاصيل، فيحصل على ومضة راحة تنقله الى موجة حزن أخرى بوقع ثقيل. عشرة ايام مرت لم يعرف انها كذلك أو قريبا منها، فالليل لا يمكن تمييزه عن النهار في زنزانة صفراء معزولة عن العالم الآخر الا من مصباح يفقع وهجه عين الناظر وصوت مفرغة يشبه طنين الدبابير، وحساء يقدم من فتحة محورة أسفل الباب بنوبات غير منتظمة. عرف الوقت من تاريخ مثبت اسفل اسمه المدرج على افادة مكتوبة مسبقا، حاول قرائتها فاختصر له الشخص الجالس بمواجهته قائلا:

– انت تعلم بالمؤامرة ولم تخبر القيادة عن نوايا قادتها.

– أي مؤامرة ……

لم ينه كلامه، يقاطعه أحد الواقفين بضربة على مؤخرة رأسه أسقطته فاقدا القدرة على النطق.

وضع توقيعه على الافادة المعدّة مسبقا، يُنقل اثرها الى غرفة ثانية يستمع النطق بالحكم خمس سنوات، يتحول يومها الى قاطع الاحكام الخاصة في سجن أبو غريب، انفرادي أمتع من قصر الرشيد بالمقارنة مع انفرادي المخابرات، يتميز باتصاله مع العالم الخارجي عن طريق سجان يبلغه وباقي الرفاق موت من لا يتحمل حفلات التعذيب الطارئة.

الزنزانة صيفا أقرب في حرارتها الى لهيب التنور، تفتح أبوابها مكرمة، يُجمع الرفاق في قاعة واحدة مكرمة أيضا. اليوم الاول ينقضي بلا نوم، اثنان يتحاضنان ومثلهما مشغولان بحديث لايسمعه الآخرون، لقد تعلموا الحذر. أنتهى ألم الوحدنة وَعدّ الارقام بالمعكوس والصلاة عشر أوقات، شعور جميل بالوجود معا على سفينة تبحر صوب المجهول.   المتعة بالوجود معا، لن تدوم، حفلات التعذيب تكشف عورات المبادئ، مشاهد الدماء والانين تصيب البعض بالغثيان. المبحرون الى المجهول يقضون ليلتهم يحيطون رفيقهم الوزير الحديثي راقدا على الارض لا يقوى على التنفس. يطلبون الطبيب، يأمرهم الحارس بالسكوت وانتظار الصباح، الموت لا ينتظر الصباح. الرفاق المحشورون في القاعة يقيمون ما تبقى من الليل حول جثة رفيقهم الوزير، يتهامس بعضهم، يندب الحظ العاثر بعضهم، يتمنى الدليمي بصوت مسموع ميتة مثل الرفيق الوزير.  يتجمع أهل القاعة، تنطفئ الكهرباء، صوت ارتطام عصا بجسم انساني يسمع مجسما فالمنطقة محصورة، يصرخ الدليمي، يسقط أرضا، يقف المفوض ياسين على رأسه ماسكا عصاه الغليضة يطالبه النهوض، يضربه ثانية، لا أمل بالنهوض، لقد افقدته الضربة على مؤخر الرأس وعيه، يفيق بعد منتصف الليل يسئل الزملاء عن المكان واسمائهم وسبب الوجود، تتكرر حفلات التعذيب، تسوء صحته النفسية، يعلو صوته عن المألوف، يشده المفوض وزمرة التعذيب على سلم كان موجودا أمام القاعة يوقدون تحتقدميه نارا تحرقهما لدرجة الشواء، يُترك معلقا حتى المساء، يرمى على أرضية القاعة، يتفوه بكلام غالبه غير مفهوم، يفقد السيطرة على نفسه، يموت في مكانه مع أذان الصباح.  تنتهي السنوات الثلاث، تمر ست شهور من الرابعة، يأتي الافراج مكرمة من الرئيس، يتبعثر المبحرون، يُأمرون بعدم الاتصال مع بعضهم والرفاق القدامى، يستلم السيد السفير أمر تعيينه موظفا في الســكك الحديدية. يبتعد عن المعارف، يعتذر من الزوجة تجاوزه على مخاوفها، توافقه انتظار الفرصة المناسبة للهرب من بلاد تقتل أبنائها غلا. تأتي الفرصة أيام الانتفاضة، توصله والعائلة الى الكويت ومن ثم الى بلجيكا. ينتظر العودة الى العراق فرصة للمساهمة في البناء، يعود بعد أنتهاء حكم الرفاق، يجد الغل مازال باقيا كما كان، والازاحة ماثلة كما هي، وأنفاس التسقيط وأقتناص الفرص زادت عن المعهود، وفي محاولته التقدم خطوة الى الامام، وجد اسمه مكتوبا في السجلات التي تحرّم المساهمة في البناء. عندها شعر بذات الحزن الذي غمر سنيه في الحبس الخاص، فحزم امره وعاد بعائلته من حيث أتى لا يقوى على تجربة السجن ثانية في حشر قد يكون من نوع خاص.

مشاركة