ولماذا تغيب عنا الدروس ؟ – حسين الصدر

307

ولماذا تغيب عنا الدروس ؟ – حسين الصدر

قادةُ الثورة العباسية –كانوا يتظاهرون بالولاء لاهل البيت (عليهم السلام) وانهم انما يريدون اسقاط الحكم الاموي ثأرا للدماء الزكية التي أراقها الأمويون منهم وكان شعارهم ( الرضا من آل محمد) وهو شعار سياسي محض أرادوا به كسب قلوب الناس …

وقد شخّص الامام الصادق (عليه السلام) بثاقب بصره ذلك ، ومن هنا كانت له مواقفه التاريخية من اولئك الثوار

وباختصار شديد نقول  :

ارسل (ابو مسلم الخراساني) رسالة الى الامام الصادق (ع) قال فيها:

اني ادعو الناس الى مولاة اهل البيت ،

فانْ رغبتَ فليس مزيدٌ عليكَ

وهو بهذا يظهر كامل الاستعداد للانضواء تحت رايته .

أتدرون ماذا كان الجواب ؟

أجابه الامام الصادق (ع) :

{ ما أنتَ مِنْ رجالي ولا الزمان زماني }

راجع الملل والنحل للشهرستاني ج1 /154

ان هناك في كل عصر وفي كل ثورة من يركب الموجة ويبرعُ في طرح الاهداف والشعارات، حتى اذا ما ثُنِيتْ له الوسادة تَكشّفَ القناعُ عن وجهه الحقيقي .

وأبو مسلم الخراساني كان من ذلك الطراز …

وقد كان جواب الامام الصادق (ع) في منتهى الحكمة والسداد ، وقد أبطل به اطروحته .

كان (الفضل الكاتب) عند الامام الصادق (ع) ووصله كتابُ ابي مسلم فقال الامام: ( ليس لكتابك جوابٌ أخرج عنّا )

راجع بحار الانوار ج47/297

وهكذا كان الحال مع ابي سلمة الخلاّل الذي سميّ في ما بعد ( بوزير آل محمد) وقد اتخذ قراره بعد موت ابراهيم الامام أنْ يتصل بالعلويين بدلاً عن العباسيين، فكتب الى الامام جعفر بن محمد الصادق والى عبد الله  المحض ( عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ) .

والى عمر الأشرف بن الامام علي بن الحسين زين العابدين .

وأرسل كتبه الثلاثة بيد رجل مؤتمن معروف بولائه لاهل البيت

وقال لحامل كتبه :

أقصد أولاً جعفر بن محمد فان أجاب فأبطل الكتابيْن الآخريْن ( أي انصرف عن ايصالهما الى من ارسلتك اليهما )

وان لم يُجب فاقصد الثاني ( اي عبد الله المحض)

فان لم يجب فاقصد عمر الأشرف

وحين وصول حامل الكتاب الى الامام الصادق (ع) قال الامام لخادمه:

أدنِ السراج مني ،

فأدناه ،

فوضع الكتاب على النار حتى احترق فقال الرسول :

ألا تجبيه ؟

قال الامام :

قد رأيتَ الجواب

وهذه هي الحنكة السياسية .

ولم يكن الامام الصادق (ع) بالرجل الذي تلتبس عليه الأمور … في حين أنّ عبد الله المحض وقع في الفخ ..!!

والسؤال الآن :

ما هي الدوافع وراء رفض الامام لما دعاه اليه ( أبو سلمة الخلال )

والجواب :

انّ (ابا سلمة) قويت شوكته بعد وصول القوات الخراسانية الى الكوفة فأخذ يعتمد رجاله في المواقع السياسية والعسكرية ، وانّ اختياره الامام الصادق (ع) للخلافة ، كان مجرد غطاء شرعي لما أراد ان يكون عليه من السيطرة على معاقد الأمور والسلطة دون منازع .

ولو كان صادقاً في نواياه لما راسل غير الامام الصادق (ع) فما معنى ارساله الكتب الثلاثة اذن ؟

وغاب عن أبي مسلم وابي سلمة انهما ممن استغلهما العباسيون للوصول الى السلطة …

وكان الامام الصادق (ع) على دراية كاملة بالخطط المرسومة من قبل العباسيين وبأهدافهم الحقيقية ، التي لم يكن فيها ما يبعث على القبول والارتياح …

انّ هذا الموقف من الامام الصادق (عليه السلام) ينطوي على درس ثمين وهو :

لزوم الحذر من كل اوائك المتشدقين بالشعارات البّراقة، يخادعون بها الناس للوصول الى أغراضهم الشخصية، بعيداً عن حسابات المبادئ .

وكم شهدنا في واقعنا المعاصر من أمثال اولئك المخادعين الانتهازيين…

انّ المبادئ لا تنتصر على يد فرسان الحيل والأباطيل ، والمراوغات والمناورات … وانما تنتصر على يد الرساليين المبدأيين المخلصين المضحين من أجلها بالارواح والاموال وبكل غالٍ وعزيز.

[email protected]

مشاركة