ولماذا الإنتحار ؟ – حسين الصدر

348

ولماذا الإنتحار ؟ – حسين الصدر

 -1-

كَثُرتْ في الآونة الاخيرة أخبارُ المنتحِرِين من الرجال والنساء .. –للاسف الشديد-

وظاهرةُ الانتحار ظاهرة خطيرة للغاية ذلك أنها تكشف عن :

خواءٍ روحي عميق ،

وضعفٍ شديد في البُنية العقلية بحيث يُصار الى الانتحار وكأنه الحل السحري لكل المشكلات ..!!

فضلاً عن الضبابية في الرؤية وتقدير المواقف ،

واهتزاز القيم الاخلاقية الى حدّ مروع ..

-2-

والسؤال الآن :

اذا كان الانسان ممنوعاً من الإقدام على قتلِ غيره حيث حرّم الله القتل فهو يجوز له أنْ يقتل نَفْسَه ؟

والجواب :

لا

وحرمةُ قتل النفس كحرمة قتل الغير ،

والانتحار هو الخسارة الكبرى حيث لا دنيا ولا آخرة ..!!

-3-

ومن المهم أنْ نبحث عن الاسباب التي دعت هذا الفتى أو تلك الفتاة الى الانتحار، ذلك أنَّ قرار الانتحار لا يُتخذ – عادةً – الاّ بعد اليأس والقنوط والوصول الى طريق مسدود …

وهنا يكمن الخلل .

انّ الحلّ المستعصي اليوم قد لا يكون مستعصياً غداً ، فالاسراع الى الانتحار جناية لا يمكن تبريرها في مطلق الأحوال .

حتى ” الموت الرحيم ” – وهو انهاء حياة انسان مريض معيّن حين يصل الطب معه الى طريق مسدود – لا يجوز بالمعيار الشرعي وإنْ أجازَتْهُ بعض القوانين الوضعية …

-4-

والفُقر قد يتحول الى غنى ،

والضيقُ قد يتحول الى سَعَة ،

والعسرُ قد يتحول الى يسر ،

{ ولن يغلبَ العسرُ يسرين }

ودوام الحال من المحال – كما هو صريح الأمثال –

فلماذا الانتحار اذن ؟

-5-

وقد قرأت قصة لطيفة أوردها (المرادي) ( ت  1206 هـ) في كتابه (سلك الدُرّر في أعيان القرن الثاني عشر ج 4 ص  240-241 في ترجمة (يوسف بن محمد الخزرجي) (ت 1117هـ) حيث ذكر له بيتين جميليْن قال فيهما :

أكرم الأكرمين أنت إلهي

وشفيعُ الأنام أكرمُ خَلْقِكْ

أَأُرى بين أَكْرَمَيْن مُضاماً

أو مُضاعاً حاشى الوفاء وحقِّكْ

انه لن يخشى على نفسه الضيم أو الضياع مادام ملحوظاً بعين الله الذي هو أكرم الأكرمين، وما دام متطلعاً الى شفاعة المصطفى الأمين أكرم الخلق على الله .

وهذا هو منطلق المؤمن الواثق برحمة الله ورسوله (ص) ،

وبهذا المنطق يّدرأُ كلَّ الوساوس الشيطانية، ولا يستسلم لأيّ ظرف قاهر

وقد ذكر المرادي أنَّ لهذين البيتين المذكورين قصة خلاصتها :

انّ الشاعر تقلبت به الأحوال ، وضاق عيشُه بعد ما كان من ذوي الدنيا…

حتى صار كاتبا في بعض طواحين دمشق ، فتفكر يوما من الايام بحاله وما جرى له ونظم هذين البيتين المقدم ذكرها ،

فما مضى على ذلك ساعتان الاّ ورَجُلٌ مقبل عليه ينادي باسمه ، فنهض قائما اليه وقال له :

ما مرادُك ؟

قال :

مرادي أنت أن تجيب الى فلان – يعني أحد تجار الشام – فذهب معه اليه فلما رآه استقبله بغاية الأكرام والابتسام وأخبره أنَّ أحد أولاد عمه (بمصر) مات وانحصر إرثه فيه ، وخلّف أموالاً عظيمة ، ودفعوا له المكاتيب المصرحة بذلك ،

فجَّد للسفر الى مصر ، ورجع منها الى الشام في تجارة عظيمة على عادته التي كان عليها )

أقول :

وهذه ليست قضيةً من وحي الخيال وانما هي قضية واقعيّة، وكم لها من نظير …

وهكذا تتوالى الازمات والضغوط ، وتتوالى الألطاف الالهية ، وفي ذلك العِبرة والسلوة لاهل اليقين …

مشاركة