ولا هم يفرهدون .. بين المدرسة والبرلمان – حسين الذكر

310

ولا هم يفرهدون .. بين المدرسة والبرلمان – حسين الذكر

مطلع السبعينات سجلت بالمدرسة الابتدائية ، كانت في بيت مستأجر من قبل الحكومة في منطقة شعبية ، لم يمر وقت طويل ، حتى انتقلنا الى بناية جديدة رائعة ، تتوفر بها الصحيات والساحات والملاعب وحتى مسرح بسيط ، بل ومرسم وموسيقى وادوات رياضية …  مع ذلك كانت المناهج صعبة ، لكن المعلمين كانوا على مستوى عال من المهنية والوطنية اذ سهلوا المهمة ، ولم يتسرب او يرسب الا من كان يتغيب ، اذ لا اعتقد او اتذكر ان هناك من كان بين التلاميذ من يتهم بالبلادة .. اغلب جيلي  شاهدتهم في التسعينات ، بوظائف جيدة (طب وهندسة ، ومدرسة رياضة وفنانين اعلاميين  ….. وغير ذلك الكثير) . من جملة الاشياء الجميلة التي لا تنسى ان معلما ،  اسمه استاذ ابراهيم شوكت (رحمه الله) ، كان في  كل راس شهر ، يشتري بعض الهدايا من راتبه الخاص (قميص او بنطال او حذاء او حقيبة …. ) ويوزعها على الطلبة المحتاجين ، تحت عنوان متفوقين علميا او حسني السلوك كي لا يجرح المستفيدين وانا كنت منهم .

قبل ايام التقيت احد اصدقائي العائدين من امريكا ، حيث هرب بنفسه وعياله من عراق الجحيم الدكتاتوري والديمقراطي ، وقال عن التعليم : (انه يعلم مدرسا في اميركا ، وقد اعجبه نظام التعليم هناك ، اذ لا يتسيب الطلبة نهائيا ، لكن الدوام يستمر اكثر من عشر ساعات ، تتخلله وجبات طعام واستجمام واستحمام ، وموسيقى ورياضة وسباحة وفن … والتلميذ لا يعطى واجباً بيتياً ، وانه  لا يمكن ان يرسب ، حتى وان كانت درجاته متدنية خصوصا في مواد تعد تقليدية ، من قبيل الوطنية والدين والتاريخ والجغرافية وغيرها … وقد ضحكنا كثيرا حينما كان زميلي (محمد السوداني) يستمع لروايتي ، فقال ضاحكا : (ان تريد تفصل زوجتي مدرسة الاجتماعيات ،اذا طبقت هذه الفكرة ، فاني  – ساكاومك – عشائريا .

مررت مصادفة  في منطقتي التي عشتها ايام الصبا فيها، وقد وجدت خربة تتراكم بها القاذورات والنفايات وغيرها ، مما اصبح تلاً حجب مدرستي انفة الذكر ، فتساءلت عن مصير المدرسة فقالوا : (رحمها الله ، لقد تم تفليشها ، من اجل اعادتها بطريقة افضل ، ومنذ سنوات ، لم تر النور ، بل تحولت الى (مزبلة) وبعض مساحاتها استغلت لاخرين .بعد ان فرهد العراق الجديد (على شكل مولات ومحطات بانزين وفنادق وعمارات وبيوت فارهة لم توزع مثلها حتى ايام الطغيان .. لم يكتفوا المفرهودون واذيالهم من مستفيدين ومصفقين ومتنفذين بذلك ، بل اخذوا يزحفون على المناطق والشوارع العامة . فحينما كنا قبل سنوات نقع ضمن دائرة زحمة سيارات ، نفسرها بسبب  سيطرة او حادث او تفجير او وقت دوام ….  فيما اليوم الكثير من زحمة الشوارع سببها ، اصحاب المطاعم والمنافع والاسواق التي تعود كلها او جزء منها لقوى (السلطة) الفرعية او المجتزئة من سلطة حكومية او برلمانية او اي قوى اخرى جديدة في العراق الجديد .

اخيرا وليس آخر دمعة او قطرة حبر في شكوانا التي ستصل حتما الى السماء ، (وعلى وقع مساؤي التعليم والتدريس والفساد الاداري العام) ، ذكر الاستاذ باقر الرشيد ، انه كان مدرسا باعدادية الكتانية بمحافظة تزي اوزو في الجزائر الشقيق ، وكان ذلك في سبعينات القرن المنصرم ، وكانت الثانوية تضم كل شيء من مطاعم ووسائل ترفيه وملاعب ومسابح و اقسام داخلية … والكثير مما لا ينسى ..

مضيفا ان مدير المدرسة اسمه (معبوط عمر) ، كان عضواً في البرلمان الجزائري ، يدوام ويوفق بين المؤسستين الحكومية والبرلمانية، لكن راتبه يتقاضاه من المدرسة فقط وكانت لديه سيارة خاصة يتنقل بها ويقودها بنفسه .. بلا ملايين ولا بانزين ولا اجور صحية ولا حمايات ولا مولات ولا هم يفرهدون !!

مشاركة