
ولادة أخرى – سمير ميراني
« ليست الأزمات نهاية الطريق، بل بدايته بصيغة أخرى «
في إقليمٍ تتسارع فيه وتيرة الصرعات، وتتشابك المصير بين الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية، لم تعد الأزمات حدثاً استثنائياً عابراً ، بل أضحت جزءاً من البنية التاريخية لهذا الفضاء الجغرافي، إذ لا وجود لإستقرارٍ طويل المدى في العلاقات، بل إعادة تشكيل نفسها مع كل منعطف.
غير أن الأزمة في معناها الأعمق ليست مجرد اضطراب في التوازن، بل لحظة اختبار للوعي السياسي، فهي لا تهدم فحسب بل تكشف مكامن القوة وتفرض إعادة ترتيب الأولويات، ومن يحسن قراءة اللحظة يدرك أن الضغط قد يتحول إلى فرصة، وأن الانعطاف قد يصبح بداية مسار جديد أكثر نضجاً.
إن فهم طبيعة الأزمات شرط للتعامل معها بمرونة دبلوماسية واعية، بعيداً عن ردود الفعل الانفعالية، فالسلطة السياسية التي تملك وضوح الرؤية تستطيع أن تستثمر التحولات لصالحها بدل أن تستنزف بها.
أن أولى الخطوات والمهام في زمن الصراعات والاضطرابات العسكرية، حماية النفس الجماعية العامة للشعب، فالأمم لا تنهار حين تشتد التحديات، بل حين يفقد الناس ثقتهم بقدراتهم على الصمود، لذلك فإن إدارة القلق العام واحتواء التوتر، وإعادة تقييم المسار، تمثل خطوات ضرورية للانتقال إلى مرحلة ما بعد الأزمة، حيث تعاد صياغة الأولويات ويعزز الثقة والأمن الداخلي للمجتمع.
من الحكمة التمييز بين التشارك والتشابك، فقد نتشارك في اللغة أو الدين أو التاريخ أو الجغرافية، لكن ذلك لا يستلزم التشابك في كل صراع ينشأ في الإقليم الذي يجمعنا، فالتقارب في الهويات لا يعني الانجرار السياسي في صراعات الآخر، والاتزان يقتضي رسم حدود واضحة بين التعاطف والتورط.
الأزمات لا تكشف ضعف الكيانات بقدر ما تظهر قدراتهم الدفينة على النجاة من فهم الواقع واستجابة له بالحكمة، والإدراك أن في قلب العاصفة هناك منقذاً، وأن المرونة ليست تنازلاً بل شكل راقٍ من أشكال القوة.
الطرف الضعيف في الاقليم من هذه المعادلة، ليس مطالب بإثبات حضوره عبر الانخراط في الصراع، بل عبر أداء دور عامل الاستقرار، وتهدئة التوتر، وإبعاد مخاطر الصراع عن شعبه، فالنجاة لا تتحقق بخشونة الموقف وصخب الأقوال، وإنما بدبلوماسية هادئة وموضوعية مرنة، توحد الرؤية والقدرات والجهود داخلياً وخارجياً، لضمان موقع آمن في خريطة إقليمية جديدة تتشكل ببطء ولكن بعمق،
وعلى الحاكم الدبلوماسي المحترف أن ينظر إلى التاريخ ببراغماتية متجردة من العاطفة، فيستخلص العبر دون وقوع في وهم إسقاط الماضي على الحاضر، فالقرارات لا تُفهم إلا ضمن سياقها الزمني، إذ تتغير شبكات المصالح والتحالفات والقوى باستمرار .
إن التحولات التي تفرزها الأزمات والصراعات ليست انحرافاً عابراً ، إنما تعبيراً عن روح مرحلة جديدة، تفرض منطقها الخاص على الإقليم، وتنسج مساراً تاريخياً مختلفاً عما سبقه، ومن يعي ذلك ويدركه لا يكتفي بالنجاة من الأزمة، بل يشارك في صياغة ما بعدها.















