وعّاظ السلاطين ووعّاظ السياسيين-  سامي الزبيدي

172

وعّاظ السلاطين ووعّاظ السياسيين-  سامي الزبيدي

في كل زمان وحيث ما وجد الظلم والفجور والفساد في كل دولة فاسدة وحكومة فاسدة  نجد ثلة من وعاظ السلاطين يمتدحون هذه الدولة ويثنون على أعمالها وان ظلمت وقتلت وأفسدت  كما نجد لكل سلطان وملك متجبر وظالم وفاسد هنالك وعاظ السلاطين يزينون له أعماله وجرائمه وموبقاته ولو خالف بها الدين  والشرع والقانون  والأعراف , وفي تاريخنا العربي والإسلامي صور شتى وأمثلة عديدة لوعاظ السلاطين  فقد كثر هؤلاء الوعاظ في الدولة الأموية والدولة العباسية وغيرهما من الدول التي تلتهما في منطقتنا العربية بالذات وكان دور هؤلاء الوعاظ يبرز أكثر في زمن الخلفاء والولاة الفاسدين  والجائرين والظلمة فكان لكل من هؤلاء الخلفاء والولاة بطانة من الوعاظ  المتزلفين الذين يمتدحونهم ويدافعون عنهم ويباركون لهم أعمالهم ويصورونها انجازات وخدمات للأمة وان كانت أعمال هذا الخليفة أو الوالي تنطوي على الظلم والفساد والتبذير والإسراف وان وصلت حد القتل وارتكاب الموبقات والقبائح والذنوب, وكانوا لا يمتدحونه ويزينون أعماله فقط بل كانوا يتصدون لمن يعارض أفعال هذا الخليفة أو الوالي بل ويفسقونهم ويؤذونهم ويخرجونهم من الملة وقرأنا الكثير عن مثل هؤلاء الوعاظ  المقربين من الخلفاء والسلاطين وولاة الولايات الذين باعوا دينهم ودنياهم مقابل حفنة من الدنانير ومقابل التقرب من الخلفاء والسلاطين ليكونوا من حاشيته ومريديه وندمائه ومقابل مناصب يستأثرون بها وجوائز ومكافئات سخية ومكاسب يتنعمون بها في دنياهم الزائلة , وما أشبه الأمس باليوم في العراق خصوصاً حيث ينشط وعاظ السياسيين (رؤساء الأحزاب والكتل ورؤساء الحكومات) الفاشلين والفاسدين واغلب الوعاظ  لهؤلاء السياسيين الفاشلين هم من أعضاء أحزابهم وكتلهم ومقربيهم المستفيدين منهم ومن المستشارين الذين لا يعرفون من الاستشارة إلا المدح والتزلف وتزيين المساوئ وتبرير أخطاء هؤلاء الساسة والزعماء والرؤساء للحصول على المكاسب , وقد برز هؤلاء الوعاظ  بشكل بارزفي كل الحكومات العراقية التي تشكلت بعد الاحتلال الأمريكي  للعراق عام 2003 فهؤلاء المستشارون وغيرهم من (الوعاظ)  كانوا يباركون كل قرارات رئيس الحكومة أو الحزب أو الكتلة وان كانت خطاً ويمتدحون كل عمل يقوم به وان كان ينطوي على فساد وسرقة وظلم وجور وحتى قتل ويبررون له ذلك بتبريرات ما انزل الله بها من سلطان وسمعنا وشاهدنا وعاصرنا الكثير مما فعله هؤلاء الوعاظ  خصوصا في حكومتي المالكي الأولى والثانية فمستشارو المالكي  ووعاظه كانوا  يزينون له أعماله حتى في عمليات الفساد الكبرى كإبرام صفقات الأسلحة الفاسدة وصفقات وزارات التجارة والداخلية والنفط وغيرها من الصفقات المشبوهة ودافعوا عنه حتى عندما  قتل المعتصمين في الحويجة والزركة والفلوجة وغيرها ودافعوا عنه حتى بعد الخيانة الكبرى والهزيمة المذلة أمام داعش عندما سلم هو وقادته والفاسدون ثلث مساحة العراق لداعش فكان هؤلاء الوعاظ من المدافعين عنه وعن أخطائه وجرائمه فهم وعاظ الزمن الأغبر والسلطان الفاشل , وما يقال على المالكي يقال على وعاظ الجعفري أيضاً , أما وعاظ عادل عبد المهدي فلم يضطلعوا بمهمة الوعظ والدفاع عنه فقط بل كانوا يتخذون قرارات مصيرية ويصدرون أوامر باسمه ويوقعون على مكاتبات خطيرة بدلا عنة وأخطرها ما تعلق بقتل المتظاهرين السلميين واستخدام الأسلحة المختلفة ضدهم واعتقال الناشطين منهم واغتيال بعضهم .

حافة الهاوية

من الوعاظ من اعتبر عبد المهدي عالما في الاقتصاد والسياسية وهو الذي أوصل العراق الى حافة الهاوية في كل المجالات نتيجة الفساد الذي أصبح لا مثيل له في حكومته بسبب ضعفه وسوء إدارته لكل ملفات الدولة خصوصا الأمني والاقتصادي والسياسي ,أما القرارات التي تحدد العلاقة بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان التي لم تشهد كل الحكومات السابقة الضعف والتنازل غير المبرر فيها للإقليم كما في عهده فكانت مخزية ومع ذلك فقد امتدحها وعاظ عبد المهدي العرب والكرد حتى بعد ان تنصل الإقليم عن الاتفاق  الخاص بالموازنة مع عبد المهدي القاضي بتسليم الإقليم 250 ألف برميل من النفط للحكومة المركزية مقابل صرف موازنة الإقليم , أما الفساد وسرقة المال العام  والصفقات المشبوهة وتعيين غير الكفوئين في مناصب عليا والتبذير الكبير لأموال العراق فلم تشهد أية حكومة سابقة مثلما حصل في حكومة عبد المهدي ومع ذلك كان الوعاظ الفاسدون يزينون أعماله ويدافعون عنه . ولم يقتصر وعاظ السلاطين (السياسيين) اليوم عن الحكومات المركزية فهناك وعاظ كثر في إقليم كردستان  يزينون أعمال رؤساء الأحزاب ويدافعون عنهم دفاعا مستميتا لا بل ويمتدحونهم بين الفينة والأخرى عبر الفضائيات وفي مقالات على صفحات الصحف ومن هؤلاء الوعاظ مستشارون لرؤساء الأحزاب والقادة الكرد وللأسف بعضهم كتاب وإعلاميون  حتى صوَر هؤلاء الوعاظ عمالة رؤساء بعض الأحزاب الكردية وطنية وحنكة وسعيهم المحموم للانفصال مطالبه بالحقوق ودفاعاً عنها وسرقاتهم لنفط الإقليم الذي لم يحصل شعبنا الكردي على أي فلس منه بطولة وفن وسياسة  وعندما طالب أحد نواب برلمان الإقليم  معرفة أين تذهب أموال تصدير نفط الإقليم والذي لم يسلم من عائداته ثمن برميل واحد للحكومة المركزية والشعب الكردي بدون رواتب ولما لم يحصل على إجابة لتساؤلاته تصدى له بعض الوعاظ وسكت آخرون ولم ينطقوا بحرف , أما تهريب نفط كركوك والموصل الذي يهرب الى إيران وتركيا بآلاف الشاحنات يوميا  يعتبره الوعاظ أعمالا مشروعة وفساد السياسيين الكرد نزاهة والاستئثار بأموال المنافذ الحدودية والمطارات وعدم تسليم الحكومة المركزية أي فلس منها منذ عام 2003 الى أيامنا هذه سياسة وشطارة. وهكذا ينشط وعاظ السلاطين(السياسيين) ويكثرون ويتسابقون للحصول على الحظوة من السلاطين حيثما يكون الفساد مدمرا والفاسد الأكبر هو الزعيم وحيثما تكثر السرقات والجرائم والموبقات من قبل الزعماء والرؤساء وحيثما يسيس  القضاء لصاح الزعماء والرؤساء ويجير القانون لهم ولإتباعهم  و(تطمطم) اكبر الجرائم والسرقات وأعمال الفساد والرشا والصفقات الفاسدة لخاطر الزعيم والرئيس وحيث تصبح الجرائم بطولات والسرقات والفساد من الضرورات التي تلغي المحذورات والعمالة والنذالة شرفا والخيانة سياسة فما أشبه الأمس باليوم فوعاظ سياسيي اليوم أشبه بوعاظ سلاطين الأمس .

مشاركة