وعي شعبنا الديني مضاد لما يجري بأفغانستان – فاضل ميراني

وعي شعبنا الديني مضاد لما يجري بأفغانستان – فاضل ميراني

ربما تكون مظاهر (الحاكمية) التي كانت ترفعها طالبان قد بدا عليها شيء من التخفيف الذي سببه التطورات التي طالت مسيرة الحركة خلال العشرين سنة الاخيرة، ادت (اي الحرب) الى تفاهمات ماكانت طالبان لتخطو اليها قبل و خلال احداث سبتمبر 2001 و ما بعدها من حرب دولية انتهت بعودة الحركة بحكم الواقع مستفيدة من فهمين، فهم الدور الامريكي في ادارة الازمات، و تجربة الاداء السياسي غير الناجع لحكومات افغانستان التي لم تتعض لتنشيء مجتمع دولة متدفق الاستمرارية.

اكتب عن المقارنة بين المثالين اللذين استحضرهما المصدومون- و ما كان لهم ان يُصدموا- بما جرى في افغانستان، ليقولوا بأمكانية تكرار المشاهد في العراق، غير اخذين اختلاف طبيعة الثقافة الدينية و القومية و جذورها المتباينة بين شعبين وان يشتركان في تعدد الاعراق، و حمل السلاح في قضية التحرر، و دخول العامل الخارجي في ازالة نظام و دعم نظام، مع فوارق، ليس اقلها ان عين النظام الذي دفع طالبان خارج السلطة، تفاهم معها للعودة، و فارق اخر، هو فهم و تبني الحاكمية  ليس فقط عند التنظيم المسلح الذي تنقل من حركة جهادية الى سلطة الى مطارد ثم الى سلطة واقصد طالبان، بل و عند اغلب المجتمع الافغاني في اجياله الحالية، و بين بعض الحركات العراقية و قسم من اجيال العراق.

لا اريد توسعا في الشرح بما لا تسمح مساحة المقالة، و اختصر بطلب ان يستوعب المصدومون المتخوفون من تكرار التجربة،و ان يدركوا الظروف القومية و الاجتماعية التي دفعت تاريخيا فصائل طلبة المدارس الدينية الاسلامية في افغنستان و شبه القارة الهندية للتمسك بالتحوير التاريخي الذي قدم الخوارج خصما في الدولة الاسلامية في مطلع تفجر النزاع المعروف بين الكوفة و دمشق في اواخر العقد الهجري الرابع.

كذلك اعتقد انه و مثلما للفريق الكوفي تناسل عقائدي هو و الفريق الدمشقي، و تفرعات فرقية فرضتها تبدلات مجتمعية، فأن الفريق الخارجي لم يكن عقيما في ضخ فرقه عبر كل زمان، و العبرة ليس في وجود فرق بل بوجود قبول اجتماعي لها دون اغفال موقف السلطة والتي اتفقت هي و المجتمع عندنا( هنا احدد مجتمعنا ربطا بالعنوان) على اصالة في النفور من التشدد الذي يرفض اليسر الذي اورده الكتاب الكريم نصا لا يحتمل الاجتهاد ضده، و بالتالي فمكانة التشريع للحياة هي مكانة انشأها القران العزيز الذي لا يمكن ان تصادره مجموعة عقائدية تاريخية لتقدم نفسها صاحبة احقية يوم عارضت تحكيما سياسيا ايام معركة صفين، و اجتهدت رأيا يقول ان لا حكم الا لله، بعد ان ارتبكت بقرارها تارة تؤيد الحرب و تارة تمتنع و تارة تتأول قبول التحكيم ثم ترفضه .

لم يكن المجتمع الكردي و الكردستاني في عقيدته الدينية و الاجتماعية الا مجتمعا وسطا بغالب اغلبيته، وقد تعايش مع الفرق و الاديان الاخرى و الاعراق المتماسة معه بعيدا عن تيار الفرقة الخارجية، متبنيا عبر مراحل الحكم التي كان فيها محكوما من اخرين و حاكما لنفسه بكردستان العراق لاحقا، متبنيا للمدنية التي تمتزج مع سماحة الدين الاسلامي بلا راديكالية عقائدية شعبية، دون ان تخلو الساحة من عناصر هي في عددها اقل من عناصر متشددة موجودة في ساحات اخرى لشعوب بعضها عاش في قلب اوروپا.

نعم لقد عشنا و قاتلنا ضد التنظيم الذي اجتاح محافظات عراقية، و قبلها صددنا المجموعات التي لم يفرزها مجتمعنا طبيعيا، بل افرزتها سياسات الحكومات السابقة في العراق و غير العراق وايضا لتتخلص من افعالها بعد ذلك فتيسر الهجرة للقتال في سوح التصارع الماركسي الاسلامي، مثلما جرى لاحقا فجرت هجرة للقتال في العراق.

لكن لو تمعن المتابع في عمق و ظاهر مجتمعنا فلن يجد اي اشارة و لو ضعيفة، لسوابق او لواحق قبول للنكوص -في- و  تقليد التجربة الافغانية، و مع ذلك فأن الوعي الحزبي و السياسي و الاداء الناجح للبرلمان و الحكومة بكردستان اثاره المهمة الاصيلة في الحفاظ على نقاء التجربة من خطر لا يؤتمن.

{ سكرتير المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني.

مشاركة