وطن المقابر

وطن المقابر

نحن العراقيون قد نختلف فيما بيننا على أشياء معينة. وقد نتفق على أشياء أخرى. لكن وبصورة عامة نحن نتفق على شيء واحد وهو أننا كرماء جداً مع الموت! فلكثرة ما يتنقل الموت في شوارعنا وفي الأزقة وحتى في أماكن عملنا وفي بيوتنا فقد صار شيئاً مألوفا جداً أكثر من أي زمن مضى. إلى درجة أننا بدأنا نعامله كضيف! نقوم له بالواجب على أتم وجه إلى أن يرحل. وكرد منه على حسن ضيافتنا له. فهو لا يرحل إلا بعد أن يأخذ أحدنا معه. وأحياناً يأخذ اثنان أو ثلاثة. هذا أن لم يأخذ العائلة كلها. ولطالما فعل.

وبحكم الوجود المتواصل للموت بيننا. وضهوره بأي لحظة شاء. فقد عرفنا عنه الكثير.

وقد سبقنا العالم كله بمعرفتنا بطبيعة عمله. ومعرفة أشياء يجهلها الآخرون من غير العراقيين. فهو مثلاً يحب دخول الأسواق المكتظة بالناس. وبالأخص الأسواق الشعبية التي تمتاز بكثرة الناس البسطاء والتجمعات الكبيرة التي تحتويها هذه الأسواق. فالموت هنا يتسوق معهم لكن هم يتسوقون بعض البضائع بينما هو يتسوق الكثير من الأرواح.

كذلك نرى الموت كثيرا في الشوارع عندما تشتد الزحامات وتكثر الخناقات المرورية التي تختلقها بعض الجهات المسؤولة بغلق بعض الطرق والمناطق بحجة تأمين تلك المناطق بينما الحقيقة هي تحويل تلك المناطق إلى سجن كبير لغايات حقيرة في نفوس من قرر وضع هذه الحواجز.

فيجد الموت في تلك الزحامات مشروعا لتحويلها لجحيم يلتقط منها ما شاء من الأرواح. أما ساحات تجمع العمال فطالما زارها الموت. ففيها يجد ما يبتغيه من إعداد كبيرة. فالعاطلون عن العمل يأتون طالبين لرزق بسيط بعدما سرق المسؤولون في هذا البلد رزقهم وحقوقهم ليكمل الموت ما بدأه المسؤولون فيسرق منهم ارواحا هي كل ما تبقى لهم.

أما أغرب ما عرفناه عنه وقد صدمنا ما عرفناه. هو أن الموت قد عقد صفقة مع السياسيين القابعين خلف حدود المنطقة الخضراء التي باتت تتحول شيئاً فشيء إلى منطقة سوداء لكثرة ما احيك بها من مؤامرات وظلم لهذا الشعب المسكين.

 فما الذي يمنع الموت من دخول تلك المنطقة المكتظة بالظلام وهو الذي لايعجزه أي بشري ولو كان في بروج مشيدة. والصفقة باتت واضحة حيث أن المسؤولين قدموا كافة التسهيلات للموت حتى بات عمله سهلاً بحصد قوافل الأموات يومياً وبدون توقف.

إذن للموت عمل كثير في بلدي وكأن العالم بات خالياً من البشر. الجثث تمر أمام الموت المبتسم ابتسامة نصر لهذا الإنجاز الكبير الذي لم يشهده تأريخ الموت من قبل وتمضي مسرعة إلى المقابر التي ما عادت تكفي لكل هذا الكم الهائل من الأموات. والعملية مستمرة .

سيهرب القتلة والسراق في نهاية الأمر كما هو مخطط لهم. وتبقى المقابر تزحف بجميع الاتجاهات في الشوارع والازقة والساحات إلى أن يتحول الوطن المستمر بالموت إلى مقبرة كبيرة يكتب على بابها مقبرة العراق (دولة العراق…سابقاً).

ثامر أحمد القيسي – بغداد