وضع الكُرد: التكيّف والابتعاد عن المغامرة – نزهت حالي

د. نزهت حالي

نظرا للأوضاع غير المستقرة وطويلة الأمد في الشرق الأوسط، التي عانت منها شعوب المنطقة زمنا طويلا، لم يكن الشعب الكردي بمنأى عن التهديدات والمخاطر. بصورة عامة المخاطر التي كانت تهدد الوجود الكردي في القرن العشرين كحملات الإبادة والهجر القسري من قبل الأنظمة حتى لو كانت قليلة نسبيا، إلا أنها لم تختف تماما. وإذا أجرينا تقييما سريعا عاما لوضع الكرد في مختلف الأجزاء، يمكن القول:

في العراق انتقل الكرد من مرحلة المعارضة والكفاح المسلح، ومن القصف الكيميائي والإبادة الجماعية على يد نظام البعث، وبدعم من الولايات المتحدة والغرب إلى مرحلة الشراكة في السلطة ضمن عراقٍ فدرالي، مع تمتّعهم بحكم ذاتي وعلاقات دبلوماسية واسعة.
على الرغم من وجود مشاكل عدة بين الإقليم والحكومة الفدرالية، فإن المشكلة الأبرز هي الانقسام، وتردّي الوضع الاقتصادي، وإضعاف المؤسسات الرسمية، وغياب الحكم الرشيد.

في تركيا تغيرت سياسة إنكار الكرد إلى سياسة الاعتراف والسعي إلى حلول سلمية ومشاركتهم في السلطة. وفي إيران على الرغم من وجود مشكلات سياسية، لكن ظلّ الكرد معترفًا بهم قوميًا ومحل احترام، وكانوا مكوّنا أساسيا من مكوّنات الشعب الإيراني. وفي سوريا شهدت القضية الكردية تقدما، ولها كيان سياسي وإداري (دي فاكتو)، غير أن هذا الكيان بسبب الواقع السياسي السوري وغياب دستور مدني يحدّد ويحمي حقوق الكرد وحدود إدارتهم في وضع غير مستقر. كما أن غياب حكومة منتخبة مستقرة في سوريا تؤمن إيمانا كاملا بحقوق الكرد وجميع المكوّنات وتحميها، أدى إلى تزايد التهديدات والمخاطر المحدقة بالأقليات القومية والدينية والمذهبية. وتُعدّ أحداث حلب (الأشرفية والشيخ مقصود) اليوم دليلا على تلك الواقعة المريرة التي يعيشها الكرد في سوريا.

ومن ناحية التعليم والمعرفة والاقتصاد، شهد الفرد الكردي عموما في جميع الأجزاء وفي المهجر أيضا تقدما ملحوظا.

في هذا العصر، الاهم بالنسبة لأمتنا، ولاسيما للنخبة السياسية والثقافية، هي امتلاك قراءة صحيحة ودقيقة للأحداث السياسية، وللسياسات الدولية والإقليمية، ولموازين القوى، وللنظام الدولي الجديد، ولمكانة الكرد فيه. ولاسيما في إقليم كردستان، لا يجوز المغامرة بمكتسبات أمتنا، ومن المهم أن يكون سلوكنا السياسي محسوبا بحيث لا نغدو نحن أنفسنا مصدر خطر على إقليم كردستان.
إن تعزيز مؤسساتنا الوطنية في الإقليم، والعودة إلى ما يسميه الأكاديمي الأمريكي جون ميرشايمر (John Mearsheimer) العقلانية الاستراتيجية، أمران حاسمان. والتي هي عبارة‌ عن وجود حوار قوي وبعيد عن العوائق بين صانعي السياسات داخل الدولة، في إطار مؤسسي، للوصول إلى أفضل الخيارات، على أن تُتخذ القرارات النهائية من قبل أعلى شخص في السلطة. وبهذا النهج يمكننا إبعاد التهديدات عن وطننا ومواطنينا، والاستفادة من الفرص التي تأتينا في وقتها، وصون مصالحنا الوطنية.

ومن خلال الاستفادة من جميع الاساليب الدبلوماسية، وباستخدام لغة دبلوماسية ناعمة، يمكننا الحيلولة دون تصوير الإقليم بوصفه تهديدا أمنيا للعراق ودول الجوار. وأنا معجب جدا بالدبلوماسيين والشخصيات الأكاديمية الإيرانية؛ فعلى الرغم من العداء العميق والممتد بين الولايات المتحدة وإيران، فإن كثيرين منهم حين يذكرون اسم رئيس الولايات المتحدة يسبقونه بلقب الرئيس ترامب أو السيد ترامب.
وللأسف، نحن الكرد حتى عندما نذكر أسماء رئيس الجمهورية أو رئيس الإقليم وهما منا نادرا ما نستخدم لقب الرئيس، وهو ما يكشف ضعف الثقافة السياسية وقلّة احترامنا لحكمنا الذاتي ولأنفسنا. نحن بنفسنا اذا لم نحترم انفسنا، لا يُلزم الآخرين باحترامنا.
الشرق الأوسط للأسف منطقة كما يُقال عنها: إن لم يخافوا منك، فستضطر في النهاية إلى الخوف منهم. لكنني أقول: لنكن أقوياء ليحترمونا ولنحافظ على حقوقنا لا ليخافوا منا. وقوتنا في إقليم كردستان تكمن في وحدتنا، وفي قوة اقتصادنا، ومتانة مؤسساتنا الوطنية، وفي وجود قوة عسكرية وأمنية وطنية واحدة محترفة، وفي رضا المواطنين.

ولصون الأمن والاستقرار، من الأفضل أن يصبح الابتعاد عن المغامرة مبدأً أساسي في السياسة والحكم الكردي. من المحتمل ان المغامرة قد لا تكون شديدة الضرر لدولة قوية، بل قد تفيد أحياناً، لكنها شديدة الخطورة على أمة غير مستقلة بالكامل، تعاني الانقسام الداخلي، وتكابد أزمات متعددة.

لم يمضِ وقت طويل منذ أن بدأ شعب إقليم كردستان يتذوّق طعم الحرية نسبيا، وينشغل ببناء ذاته وبلده، وقد أُنجزت أعمال إيجابية. لذا يجب علينا، بعقلٍ وقلبٍ وروحٍ واحدة، ومن دون مغامرة، أن نحافظ على ما تحقق ونطوره.
وتُعدّ التجربة الفردية للجناح العسكري لحركة حماس في السابع من أكتوبر مثالا وعبرة واضحة على المغامرة، إذ تسببت في خسائر بشرية ومادية جسيمة ودمار كبير للشعب الفلسطيني المظلوم في غزة، بما يوجع الضمير الإنساني.

إن الشعب الكردي عموما، والقوى السياسية المؤثرة على وجه الخصوص، قادرون في هذه المرحلة على صياغة سياساتهم على أساس التكيّف ومراعاة خصوصيات الدول التي يعيشون فيها، وذلك ضمن إطار المصالح الكردية ومصالح الأمم الأخرى في تلك الدول. ومن المهم أن تكون السياسة الكردية العامة على المستوى القومي لجميع الأجزاء سياسة سلمية، مع اتباع سياسات خاصة بكل جزء وفق واقعه السياسي. وبهذا يمكن للكرد، داخل كل دولة من الدول الأربع التي يعيشون فيها (العراق، تركيا، إيران، سوريا)، أن يكونوا عاملا قويا للخير والأمن والسلام والاستقرار والازدهار لهم ولسائر المكوّنات.

كما أن النضال الديمقراطي والمدني للشعب الكردي في كل جزء يمكن أن يشكّل عامل ضغط إيجابيا رئيسا يدفع الحكّام إلى تجاوز حدود العنصرية والطائفية والمذهبية، واعتماد حكم شاملٍ (Inclusive) بلا تمييز. وعندما تتهيأ الظروف الإقليمية والدولية لنيل حقوق وسلطات سياسية أكثر للكرد بالطرق السلمية، ستكون أمتنا أكثر جاهزية ووحدةً وخبرةً لاستثمار الفرص.

وبشأن إقليم كردستان من الضروري الإشارة إلى حقيقة تاريخية حول تقدّم الدول، ذكرها الكاتب والملياردير والمستثمر الأمريكي راي دايلو في كتابه Principles for Dealing with the Changing World Order حول المجتمعات الناجحة. يقول دايلو:
“هناك حقيقة تاريخية وعالمية، ومن خلال قراءتي للتاريخ قبل كونفوشيوس وحتى الان، وجدتُ أن المجتمعات التي تستوعب الناس المختلفين على أوسع نطاق، وتُحدد المسؤوليات على أساس الكفاءة (Merit) لا الامتياز، تحقق أنجح وأدوم النجاحات، لأن هذه المجتمعات:

تعثر على أفضل المواهب لإنجاز أعمالهم على أكمل وجه، تمتلك وجهات نظر متنوّعة، وتُنظر إليها على أنها الأكثر عدالة، ما يعزز الاستقرار الاجتماعي”.

وإذا أراد الشعب الكردي أن ينجح في إقليم كردستان، فعليه إرساء حكمٍ شاملٍ، قائم على الجدارة، وسيادة القانون.