وصايا شعرية – حسين الصدر

وصايا شعرية – حسين الصدر

-1-

هناك من يبقى مشدوداً الى جمال الغِيد الحسان ، يكثرُ بهنَّ الافتنان ، ويُرسل فيهن القوافي المغموسة بعطر الحب والحنان …

فيما يَتَجِه آخرون الى توظيف الشعر ليؤدي المهام الكبرى في التوعية والتربية والتوجيه السليم نحو مرافئ الاستقامة والسلامة النفسية والروحية والاخلاقية .

وهنا يبرز الشعر كوسيلة من وسائل الاثراء الروحي والمعرفي ، ويتجاوز الحدودَ التقليدية التي تربطه بالهواجس والعواطف فقط .

ومن هؤلاء شمس الدين محمد بن علي المصري (ت 993هـ ) حيث قال:

اذا خَطْبُ ذَنْبٍ علينا دَجَا

أَنَرْنا دُجَاهُ بِنورِ الرَجَا

فكمْ شدةٍ مِنْ ذنوبٍ عِظام

لها اللهُ بالعَفَّوِ قد فَرّجَا

وكم ضقتُ ذَرْعْاً بِجُرمِي فما

وجدتُ سوى العَفْوِ لي مَخْرَجا

فللهِ فالجَاْ ولا تياسنَّ

فما خابَ عبدٌ اليهِ التَجَا

وهكذا تراه يدعو الى تمزيق ثوب اليأس والقنوط لِيُحل الرجاءَ محله

ولا مفر من الله الاّ اليه ، ولا يخيب مَنْ التجأ اليه مخلصا تائبا مُؤَمِلاً لِعَفْوِهِ ورضوانهِ وجميلِ إحسانِه .

-2-

ويرى شمس الدين محمد القاهري ت  981 هـ انّ تصدي السلطويين لاقتناص الأموال يؤدي الى إشاعة الفساد على المستويين الديني والدنيويّ ويقول :

ألا خُذْ حكمةً مني

وخَلِّ القيلَ والقَالا

فسادُ الدينِ والدُنْيا

قبولُ الحاكمِ المالا

قال هذا قبل قرون مِنْ الزمن ، وكأنه ناظرٌ الى (العراق الجديد) وتفشي فساد السلطويين فيه،  الذين لا تستهويهم الا الاموال فهي الهدف والغاية، وليس ثمة مِنْ تورع سواء كانت من حلال أو حرام..!!

-3-

ويقول آخر :

أنفِقْ فانّ اللهَ كافِلُ عَبْدِهِ

فالرزقُ في اليومِ الجديد جَديدُ

المالُ يكثرُ كلما أَنْفَقْتَهُ

كالبِئْرِ يُنزحُ مأوُها فيَزِيدُ

مشكلة البخل والامساك قديمة جديدة ..،

فالأموال موجودة ولكنَّ ذوي الثروة لا يُحسنون الا فَنَّ التجميع والتكديس بعيداً عن الانفاق البار والنفع الاجتماعي ويبقى المال حبيسا عندهم …!!

-4-

ومن طريف ما قاله ابن طولون ت 953 هـ :

مِيلُوا عن الدنيا ولَذَاتِها

فانها ليست بِمَحْمُودَهْ

واتبعوا الحقَّ كما ينبغي

فانّها الأنفاسُ مَعْدُودهْ

فأطيبُ المأكول مِنْ نَحْلَةٍ

وأفخرُ الملبوسِ مِنْ دُودَهْ

لا يملك الشاعر الا التحذير من مغبة الانغماس في اللذاذات الدنيوية، ونسيان الآخرة والوفادة على الله لنيل جزاء الاعمال المُجْتَرَحَة ،

ولا ينبغي لأحد أنْ يكون مغروراً لاهيا منصرفاً الى الدنيا وحدها .

-5-

وقال ابن العليف ( ت 926 هـ ) :

خُذْ جانبَ العليا ودَعْ ما يُتركُ

فَرضا البريةِ غايةٌ لا تُدركُ

وامنْح مودَتَك الكرامَ فَرُبما

عزَّ الكريمُ وفاتَ ما يُستدركُ

ودَعِ الأماني للغبيّ فانما

عُقبى المُنَى للحُرّ داءٌ مُهْلِكُ

مَنْ يبتغي سبباً بِدوِن عَزِيَمةٍ

ضَلّتْ مذاهِبُهُ وعَزَّ المدرك

انّ هذه النصائح حلوة جميلة، ذلك انّها تدعو للتمسك بأهداب الاخلاق الكريمة، ومصاحبة الكرام، وشحذ الهمة والعزيمة لنيل ما تصبو اليه من الرفعة والتقدم ، ولكن أَينَ همُ المستمعون الناشطون لترجمة هذه النصائح في الميدان العملي  ؟

-6-

ويلفت الانظار علاء الدين أبو الحسن علي الحصكفي فيقول :

تمرُ الليالي والحوادثُ تنقضي

كأضغاثِ أحلامٍ ونحنُ رُقودُ

وأعجبُ مِنْ ذا أنّها كلُّ ساعةٍ

تَجِدُ بنا سَيْراً ونحنُ قُعودُ

وهكذا يهيب بك أنْ تكونَ مِن الناهضين لا القاعدين، وهي دعوة محمودة نبيلة  .

-7-

ولنختم بما قاله بدر الدين حسن بن علي الشهير بابن السيوفي ت 925:

اذا ما نالتْ السفهاءُ عِرْضِي

ولمِ يخشوْا مِنَ العُقلاء لَوْمَا

كسوتُ من السكوت فَمِي لِثَاماً

وقلتُ نذرتُ للرحمن صَوْما

انك حين تترفع عن الرد على السفهاء تَتْركهم اذلاءَ خاسئين .

وقد اشتهر على الالسن قول القائل :

اذا نَطَق السفيهُ فلا تُجِبْهُ

فَخيرُ مِنْ إجابتَهِ السكوتُ

مشاركة