وصايا بري – علي السامرائي

404

وصايا بري – علي السامرائي

لاشك أن زيارة شخصية مثل رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري الى العراق مع أنها تجسد حالة الانفتاح العربي تجاه العراق ، إلا أنها لا تقف عند حد بعينه فالرجل تاريخ يمشي وكنز من التجارب ورغم سنواته الثمانين لكنه يتمتع بحيوية الشباب وحكمة الشيوخ . “عميد البرلمانيين العرب” كما وصفه رئيس البرلمان محمد الحلبوسي جاء إلى بغداد محملا بتجارب عقود من الزمن فيها آلام وآمال وانتصارات وانتكاسات وحمل عصارة تجاربه ، ليقدمها بعد غياب لأربعة عقود إلى القادة العراقيين على طبق من ذهب، فخروج العراق من حرب معقدة مع تنظيم داعش الإرهابي رابحا عجل بقدومه ليعرض أمام الساسة أفكارا ورؤى قد تعينهم على تجاوز العقبات والسير قدما نحو الخروج من نفق الأزمات .

يدرك الرئيس بري أهمية العراق ومحورية دوره ومكانته الاقليمية وضرورة استعادة هذه المكانة التي تراجعت منذ سنوات طويلة والحاجة الملحة لانبثاق موقف مؤمن بهذا الدور المحوري ، بعيداً عن سياسات المحاور بعد انتهاء الصفحة الاشد قتامة في تاريخه المعاصر ممثلة بمكافحة الإرهاب وطرد تنظيم داعش وفكره الدخيل .

اطلق بري لزواره او مستقبليه من الساسة رسائل عدة هي أقرب إلى الوصايا والنصائح من شخص لا يرى بينه وبين العراقيين اي حواجز او حدود ، مادام الأمر يتعلق بمصلحة عربية عليا، فكانت أولى وصاياه ضرورة تطوير العلاقات بين العراق ولبنان في مختلف المجالات عبر تسهيل إقرار التشريعات الخاصة بالاتفاقات الاقتصادية والتجارية وقطاع المصارف وإلغاء تأشيرات الدخول إلى البلدين كون تلك الإجراءات تكفل تحقيق مصالح البلدين وتقارب الشعبين وهو ما وجد صدى طيبا لدى رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي الذي لم يتأخر في إعلان استعداد البرلمان العراقي لترجمة هذه الرغبة تشريعات او عبر التواصل مع الحكومة لتسهيل الاجراءات .  وصيته الثانية ، الوحدة الشيعية _ السنية فليس مطلوبا الاندماج التام كون” اختلاف امتي رحمة” كما قال صلى الله عليه وسلم فالمطلوب كما يؤمن الرئيس نبيه بري “وحدة شيعية – سنية”، فالاختلاف وهمي ويستشهد بقول له امام الالاف من أنصاره في لبنان في سنوات ماضية ” ، انا شيعي الهوية سني الهوى”  فغلق أبواب الفتن المذهبية هو المطلوب وهو ما يتطلب الانتباه لها وقطع الطريق أمام المروجين لهذه الفتن او المراهنين على إشعالها في المجتمعات العربية والاسلامية الرخوة فالوحدة المجتمعية مطلوبة في كل دولة عربية او إسلامية .

وصيته الثالثة ، هي الحوار فهو كلمة السر والسحر الذي لابد أن يسود لتحقيق التقارب بين الفرقاء لحل كل المشاكل التي تعترض النهوض بواقع الدول فهو خيار وحيد او الاوحد لحل الازمات وبدونه ستبقى الفوضى والنزاعات والانقسامات سائدة ، فكانت لقاءات الرجل ذو التاريخ السياسي الحافل بالحوار وطاولاته التي نتج عنه اتفاقي الطائف والدوحة ، مع الرئاسات العراقية الثلاث واغلب القادة السياسيين تندرج في إطار  التدخل الايجابي لجمع الفرقاء والتقاء المتخاصمين او المنافسين سياسيا ، وجلوسهم على طاولة حوار لحل المشاكل من اجل توفير احتياجات الشعب .  وطرح رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري نصيحته الرابعة خلف الكواليس والأبواب المغلقة ، فلابد من عرض مبادرات لحل أزمة الوزارات الشاغرة في الحكومة العراقية، فالرجل القادم من لبنان التي شهدت أيضا ولادة عسيرة لحكومتها انبرى ليمارس دوره بعد ان استمع لهموم كثيرة خلال لقائه المرجعيات السياسية في بغداد او الروحية في النجف الاشرف ، وادرك حجم الخلاف فاستثمر مايتمتع به من قبول سياسي بين الاحزاب والكتل السياسية ليطرح الحلول الممكنة ويقرب المسافات مع انه قال بصريح العبارة أمام قيادات سياسية عراقية ” انا لا اعطي دروسا فانتم اعطيتم دروسا للعالم من ايام مسلة حمورابي والعراق هو مرجعيتنا” لكن رمي حجر في المياه الراكدة افضل من النظر إليها، ومع ان مبادرة محددة لم ترشح عن اللقاءات لكن الثمار السياسية لتلك التحــركات قد تنضج في غضون الأسابيع القليلة المقبلة.

اما وصية الرئيس بري الخامسة فكانت فلسطين فهي القبلة السياسية للعرب والمسلمين ، وان التخلي عنها معناه انهيارا أخلاقيا وقيميا وسياسيا وحتى دينيا فدعم القضية الفلسطينية لابد أن يغرس في النفوس وان تبقى أولوية لدى العرب عموما حتى تلتف الشعوب على دعم قضية تنزف منذ 1948 فلبنان والعراق يقدمان كل ما من شأنه من مواقف سياسية او معنوية وحتى مادية لبقاء جذوة النضال الفلسطيني مشتعلة حتى عودة الحقوق المسلوبة، ويقول بري”عندما كان شاه إيران مع إسرائيل كنا مع جمال عبد الناصر لانه مع فلسطين” وهي دلالة على أن ان المواقف والتحالفات تعتمد على بوصلة فلسطين الجامعة لكل العرب وعندما تشظى العرب تاهت القضية وتحولت إلى ملف تتلاعب به الارادة والادارة الأميركية لصالح حليفتها إسرائيل .

ومما تقدم فإن العراق ومن خلفه دول المنطقة يمر بظرف دقيق وحساس ومنعطفات خطيرة الأمر الذي يجعل من الضروري الاستفادة من نصائح رجل بخبرة ودور نبيه بري وان لاتمر مرور الكرام.

مشاركة